القصة الكاملة لـ

القصة الكاملة لـ"غزل" أبوظبي وبشار الأسد

سبق إعلان العلاقة بين النظام السوري والإمارات تاريخ من الود السري (رويترز)

مع تصاعد الاحتجاجات الشعبية وخسارة النظام السوري عدة مدن رئيسية ووفاة نائب وزير الدفاع السوري في تفجير مبنى الأمن القومي السوري في تموز/يوليو 2012، قررت بشرى الأسد، شقيقة الرئيس السوري بشار، وأرملة آصف شوكت، نائب وزير الدفاع السوري، الرحيل عن سوريا، وعلى غير المتوقع، اختارت "الإمارات" لتكون ملجأ لها، وتبعتها بعد ذلك والدتها أنيسة مخلوف، أرملة حافظ الأسد وأم بشار، في 2013.

أعلنت وزارة الخارجية والتعاون الدولي الإماراتية، خلال الأيام الماضية، عبر بيان رسمي عودة العمل بسفارتها في دمشق، بعد تاريخ من الود السري مع النظام

ترسم تلك القصة العابرة، ضمن عشرات الأحداث والقصص الأخرى، حقيقة العلاقات الإماراتية الخفية مع النظام السوري، خلال السنوات الثمانية الأخيرة، حيث تشكلت علاقة غير نمطية شابتها السرية لنحو 7 سنوات، إلى أن خرجت للعلن منذ عدة أشهر، قبل أن تنتهي أخيرًا بإعلان الإمارات إعادة افتتاح سفارتها في دمشق بعد قرار غلقها منذ 2011.

حيث أعلنت وزارة الخارجية والتعاون الدولي الإماراتية، خلال الأيام الماضية، عبر بيان رسمي عودة العمل بسفارتها في دمشق، كخطوة "تؤكد حرص حكومة الإمارات على إعادة العلاقات بين البلدين الشقيقين إلى مسارها"، حسب البيان، لتكون الإمارات الأولى خليجيًا في فتح علاقة علنية مع بشار الأسد الحليف الرئيسي لإيران، التي تدعي أبوظبي جنبًا إلى جنب مع السعودية، محاربة نفوذها في المنطقة. ومن المتوقع أن تتبع الإمارات البحرين.

من السرية إلى العلنية

يتوزع تاريخ العلاقة بين أبوظبي ونظام الأسد على ثلاثة مراحل أساسية. إذا إن الفترة بين 2011 إلى 2013، قد شهدت ميلًا إماراتيًا نحو القطيعة الاضطرارية مع النظام، خاصة مع الحسابات السعودية المتعلقة بمواجهة إيران ونفوذها في المنطقة. أما المرحلة الثانية، فكانت بين عامي 2013 و2015، حيث تم بشكل غير واضح وأميل للسرية، من خلال منصات إعلامية، دعم الأسد وتخويف الشعوب من نفس المصير، خاصة منصات الإمارات في القاهرة. مع وفاة الملك عبدالله وصعود الملك سلمان وبجواره نجله ولي العهد الجديد محمد بن سلمان، بدأت المرحلة الثالثة شبه العلنية، التي انتهت بعودة السفارة الإماراتية لدمشق قبل يومين.

اقرأ/ي أيضًا: تطبيع نظام الأسد.. التقاء "عربي" إسرائيلي

منذ بداية الثورة السورية 2011، لم يكن لدى الإمارات قدرة على إعلان نواياها الحقيقية من دعم نظام بشار الأسد، فالموجة كانت قوية والدعم الرسمي السعودي، الذي كان يقوده الملك السابق عبدالله بن عبدالعزيز كان صريحًا وواضحًا، إضافة إلى التعاطف الشعبي المتصاعد المؤيد للتغيير في سوريا والرافض لوجود بشار الأسد. اتخذت الإمارات خطوة للوراء، وأيدت تعليق عضوية سوريا داخل جامعة الدول العربية في تشرين الثاني/نوفمبر 2011، إلى جانب تأييد قرار دول مجلس التعاون الخليجي الصادر في آذار/مارس 2012 بسحب السفراء من دمشق وطرد سفراء سورية من الخليج، ولكنها لم تهتم بطرد السفير السوري، كما كشفت برقية صادرة عن السفارة السعودية سربت بعد ذلك.

مع تحول الإمارات وقدرتها على خلق منصات إعلامية في القاهرة عملت على دعم الأسد والترويج له كمحارب للإخوان في سوريا. مع صعود نظام عبد الفتاح السيسي وعزل الرئيس المنتخب محمد مرسي، بدأت تلك المنصات بتخويف الشعب المصري وشعوب المنطقة بمصير شبيه بمصير الشعب السوري، مع أي نزعة نحو الاحتجاج. لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، ولكن بعض التقارير الصحفية أشار إلى دعم الإمارات لـميليشيات في سوريا، مع بعض الدول، كان لها دور في وقف تقدم المعارضة في بعض الأوقات، ثم ما لبثت أن تخلت عنها بعد ذلك، كما أن هناك أسئلة كثيرة حول قنابل سويسرية بيعت للإمارات اكتشف تواجدها مع عناصر مسلحة من داعش، فكيف وصلت للتنظيم؟ وهل كانت في المناطق التي حارب فيها المعارضة؟

بدأ التحول المحوري في العلاقات الإماراتية مع الأسد بوفاة الملك عبدالله، وبدأت الإمارات في جس النبض السعودي برفض التوقيع على بيانات والمشاركة في طلعات جوية كانت قد وافقت عليها من قبل في 2014، ما أعطى انطباعًا أن الإمارات تخرج من العباءة السعودية فيما يخص سوريا. وفي منتصف  2015، ذكرت تقارير أن أبوظبي أرسلت وفدًا بالتنسيق مع النظام السوري، لتفقد أحوال مبنى السفارة في دمشق، لكن أنور قرقاش، وزير الدولة لشؤون الخارجية، نفى في آب/أغسطس 2016، أي توجه لبلاده لإعادة فتح سفارتها في دمشق.

 لوجود بشار الأسد والحرب التي خاضها في مواجهة المطالبات بالتغيير، دور في تعزيز السردية الأساسية، التي تسعى أبوظبي إلى ترويجها في المنطقة، أي ربط أي محاولة للتغيير بالخراب

في تشرين الأول /أكتوبر 2016، صوتت مصر خلال عضويتها في مجلس الأمن، على مشروع قانون روسي يتعلق بسوريا كانت ترفضه السعودية، وتسبب ذلك التصويت في أزمة بين البلدين منعت السعودية على إثرها البترول عن مصر لعدة أشهر، وكادت أن تحدث أزمة دبلوماسية كبرى، بينت وجود خلاف في الموقف السعودي الإماراتي حيال نظام الأسد.

لاحقًا، بدأت المملكة تتبع الإمارات، وخرج الجبير على المعارضة السورية في آب/أغسطس 2017، ليؤكد لهم أن الأسد باقٍ، وأن عليهم الخروج برؤية جديدة للتعامل مع الأمر. وفي أيلول/سبتمبرة الماضي، نشرت صحيفة الأخبار اللبنانية القريبة من حزب الله وأطراف في النظام السوري، أخبارًا حول زيارة قام بها علي محمد بن حماد الشامسي، نائب رئيس المجلس الأعلى للأمن الوطني في الإمارات للأراضي السورية مطلع تموز/يوليو الماضي، والتقائه ضابطًا سوريًا رفيع المستوى، بينما صاحب الزيارة السرية تمهيد سياسي من الإمارات عبر أنور قرقاش الذي قال في حوار صحفي: "كان من الخطأ إخراج سوريا من الجامعة العربية. العالم العربي يجب أن يعمل مع دمشق على الفور". في هذا الوقت، عملت الإمارات على قيادة  مساعي  مصالحة بين نظام بشار الأسد والسعودية لجعل سورية قضية عربية، وإحلال قوات عربية بديلًا عن القوات الأجنبية للتقليل من النفوذ الإيراني والتركي.

 ومؤخرًا،  تعلن الإمارات عودة فتح السفارة في دمشق ويغرد أنور قرقاش وزير الدولة للشؤون الخارجية، قائلًا إن "الدور العربي في سوريا أصبح أكثر ضرورة تجاه التغوّل الإقليمي الإيراني والتركي...".

التحالف والمصالح

كان هناك العديد من المواقف التي تؤكد أن الإمارات طرف مؤيد لبشار الأسد، وشعر بذلك الدبلوماسيون السعوديون في الإمارات وأرسلوا برقية تم تسريبها عبر ويكليكس، كانت صادرة في شباط/فبراير 2012، تحذر من انشقاق الإمارات عن الإجماع الخليجي. وورد فيها أن "السفير السوري بالإمارات لم يُبلغ بالمغادرة، على عكس الموقف الخليجي"، كما أشارت البرقية إلى رفض الإمارات فرض أية عقوبات اقتصادية على النظام السوري.

اقرأ/ي أيضًا: كيف شغلت الإمارات دحلان لتوظيف مليشيات مرتزقة أمريكية وإسرائيلية في اليمن؟

في الوقت الذي شنت أبوظبي فيه حملة اعتقالات استهدفت مواطنين بتهمة تأييد الثورة السورية، كما قامت بطرد عدد آخر من السوريين، في عملية وصفها المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، في تشرين /أكتوبر 2017، كتهجير قسري حدث لنحو 50 عائلة سورية أصول أغلبهم من محافظة درعا، كانت في المقابل تعمل على تأمين ملجأ آمن لشقيقة الأسد حتى الآن ولوالدته حتى وفاتها عام 2016، على الأراضي الإماراتية، بالإضافة إلى العديد من رجال الأعمال السوريين المؤيدين لبشار الأسد، يعملون بكل حرية داخل الإمارات.

 لا تتوقف رغبة الإمارات عند حد غسيل الأموال فقط ولكنها طامعة في الحصول على عقود ضمن خطة إعادة إعمار سوريا

تشير بعض التقارير إلى أن العلاقة مع رجال الأعمال السوريين المؤيدين للأسد، ارتبطت بعمليات غسيل أموال كبرى تجري، عبر شركات تدار لصالحهم مقرها دبي، إضافة لشركات أخرى تبيع النفط والسلع لسورية تدار من الإمارات ولبنان.

 لم تتوقف رغبة الإمارات عند حد غسيل الأموال فقط ولكنها طامعة في الحصول على عقود ضمن خطة إعادة إعمار سوريا، حيث سارعت بمحاولة الحصول على عقود مالية للإعمار عبر رجل الأعمال الإماراتي عبد الجليل البلوكي، الذي قام بزيارة إلى دمشق في آب/أغسطس الماضي، للتعرف على الفرص الاستثمارية في شركة دمشق الشام القابضة التي تنفذ مشروع ماروتا سيتي، وفي اليوم التالي لعودة السفارة، أي يوم أمس الجمعة، أعلنت الإمارات بدء أول قافلة تجارية برية بين الإمارات وسوريا عبر لبنان.

على المستوى السياسي، استفادت الإمارات بشكل كبير من علاقتها الخفية مع النظام السوري، بداية من تأمين طريق لاستمرار التواصل السري مع إيران التي تدعي مواجهتها بالرغم من استمرار العلاقات التجارية بينهما، بالإضافة إلى أن لوجود بشار الأسد والحرب التي خاضها في مواجهة المطالبات بالتغيير، دور في تعزيز السردية الأساسية، التي تسعى أبوظبي إلى ترويجها في المنطقة، أي ربط أي محاولة للتغيير بالخراب.

 

اقرأ/ي أيضًا: 

كيف فشلت "السياسة الواقعية" الأمريكية في سوريا؟

الإمارات.. عداء متصاعد للربيع العربي