القصة الكاملة لتسريبات إيران.. نظرة إلى داخل الأذرع الاستخباراتية الإيرانية

القصة الكاملة لتسريبات إيران.. نظرة إلى داخل الأذرع الاستخباراتية الإيرانية

تكشف التسريبات عن الصراع بين الاستخبارات الإيرانية والحرس الثوري (Getty)

لم يرد المصدر المجهول الذي سرّب لصحيفة الإنتيرسيبت ما يناهز عن 700 صفحة من تقارير ومراسلات استخبارية يرجع أصلها إلى وزارة الاستخبارات والأمن الوطني الإيرانية سوى أن "يخبر العالم ماذا فعلت إيران ببلدي العراق" على حدّ تعبيره، رافضًا في نفس الوقت الكشف عن هويته أو مقابلة أي صحفي بعد أن تواصلت الصحيفة معه عبر قنوات مشفّرة.

ما يعطي تسريبات إيران خصوصيتها هو أن هذا النوع من التسريب غير مسبوقٍ في تاريخ نظامٍ عُرف بتستّره الشديد على شؤونه الداخلية وتفانيه في إخفاء معلوماته السرية

كان ذلك قبل بضعة أشهر، عملت صحيفة الإنتيرسيبت خلالها، بالشراكة مع صحيفة نيويورك تايمز، على التنقيب في هذه الأوراق عمّا يستحق النشر والتواصل مع أسماء وشخصيات على أمل تحصيل المزيد من التفاصيل والتأكيدات لما تحويه هذه الأوراق، مع الحرص أيضًا على التبيّن من صحتها.

اقرأ/ي أيضًا: العقوبات الأمريكية ضد إيران.. ارتباك يخيم على العراق أيضًا

المشهد السياسي الحديث، بكل ما فيه من تعقيداتٍ متسارعة، ليس غريبًا على هذا النوع من التسريبات التي هزّت في بعض المناسبات إدارات دولٍ عظمى، في عالمٍ وصلت فيه ثورة التواصل والمعلومات إلى أقصى أطرافه، مثل ما عُرِف بـ"فضيحة ووترجيت" التي أدّت إلى استقالة الرئيس الأمريكي نيكسون عام 1974. وكان هناك أيضًا تسريباتٌ مختلفة لها علاقةٌ بحرب العراق أكّدت في جملتها عزم الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش وحليفه توني بلير، رئيس وزراء بريطانيا السابق، على غزو العراق على الرغم من معرفتهما بعدم امتلاك العراق لأسلحة دمارٍ شامل، وهي الذريعة التي تعلّل بها جورج بوش لشنّ حربه على العراق. يُضاف إلى ذلك، العديد من التسريبات العالمية مثل تسريبات الويكيليكس، وأوراق بنما وأوراق بارادايس في السنوات الأخيرة.

إلا أن ما يعطي تسريبات إيران خصوصيتها هو أن هذا النوع من التسريب غير مسبوقٍ في تاريخ نظامٍ عُرف بتستّره الشديد على شؤونه الداخلية وتفانيه في إخفاء معلوماته السرية. أيضًا، تأتي هذه التسريبات في وقتٍ تشهد فيه دولة العراق تحديدًا احتجاجاتٍ شعبيةٍ واسعةٍ كان أحد أسبابها الرئيسية سخط الشعب العراقي على تغوّل إيران في شؤون العراق الداخلية، ومن ثم كان هناك الاحتجاجات التي اندلعت في إيران نفسها، وراح ضحيتها ما يزيد عن المئة متظاهر في أقل من أسبوع وفقًا لمنظمة العفو الدولية.

ما هي التسريبات الإيرانية؟

قام مصدرٌ لم يكشف عن اسمه بتسريب 700 صفحةٍ من تقارير ومراسلاتٍ استخباراتيةٍ إيرانية إلى صحيفة الإنتيرسيبت. ويعود أصل هذه الوثائق إلى الفترة 2013-2015.

بدورها عملت الصحيفة، التي وصفت الوثائق بأنها مكتوبةٌ بلغةٍ "يغلب عليها البيروقراطية والغموض"، بترجمة الوثائق من الفارسية إلى الإنجليزية والتدقيق فيها والتحقق من صحتها على مدار عدة أشهر بالشراكة مع صحيفة نيويورك تايمز.

نشرت الصحيفتان بعد ذلك تقريرًا يستعرض جانبًا مما جاء في هذه الوثائق التي تكشف بعض تفاصيل التدخل الإيراني في العراق، كان منها الجهود الكبيرة التي بذلتها إيران لسدّ الفجوة التي خلّفتها الولايات المتحدة بعد انسحابها من حربٍ داميةٍ عام 2011، وعملها الحثيث على التغوّل في مختلف جوانب الدولة العراقية وضمّ وزراء ومسؤولين عراقيين، سنةً وشيعة، إلى صفّها، وعلى الجانب الآخر تحصيل كل ما يمكن من معلومات عن الولايات المتحدة ودورها في العراق، وعن عملائها السابقين وسعيها أيضًا لكسب ودّ هؤلاء العملاء، وكيف كان لهذا التدخل الفاحش في الشؤون العراقية أن يعطي شرعيةً لعودة الولايات المتحدة. وفي النهاية تكشف الوثائق ربما مواجهة إيران لنفس المصاعب التي واجهتها الولايات المتحدة بإرساء الاستقرار في بلدٍ غارقٍ في التعقيد مثل العراق.

المشهد السياسي الحديث، بكل ما فيه من تعقيداتٍ متسارعة، ليس غريبًا على هذا النوع من التسريبات التي هزّت في بعض المناسبات إدارات دولٍ عظمى

ونوّهت الصحيفة إلى أن البحث لا يزال جاريًا عمّا يستحق النشر في هذه الوثائق، التي من المخطّط نشرها في تقارير لاحقة، كما أنها امتنعت عن الكشف عن بعض المعلومات الحسّاسة الشخصية.

تكشف الوثائق أيضًا عن حالةٍ من الصدام بين وزارة الاستخبارات والأمن الوطني والحرس الثوري وأهم أذرعه فيلق القدس تحت قيادة قاسم سليماني، إذ يتبع الحرس الثوري بصورة مباشرة للخامنئي المرشد الأعلى للثورة الإيرانية. وتقول صحيفة الإنتريسيبت نقلًا عن مستشارين سابقين إن الحرس الثوري هو الآمر والناهي في ملفات العراق ولبنان وسوريا، التي تعدّها إيران ملفاتٍ مصيرية للحفاظ على أمنها القومي. بل إن سفراء هذه الدول يتم تعيينهم من الحرس الثوري نفسه وليس من وزارة الخارجية، التي تشرف على عمل وزارة الاستخبارات. وتضيف الصحيفة أن ضباط الحرس الثوري في العراق يعملون معًا بالتوازي ويعودون بكل ما يجدونه من تطوراتٍ وتفاصيل إلى شُعَبِهِم في طهران التي تعمل بدورها على تحويلها إلى تقارير تُرفع إلى المجلس الأعلى للأمن القومي. وقد وصل هذا الصدام، كما تكشف الوثائق، إلى تجسس وزارة الاستخبارات على الحرس الثوري في مناسبةٍ واحدةٍ على الأقل كما سيأتي لاحقًا.

وتبيّن الوثائق توجس بعض المسؤولين في وزارة الاستخبارات من زعيم فيلق القدس قاسم سليماني تحديدًا، الذين رأوا فيه شخصيةً خطيرةً حاولت استغلال الحملة على داعش لخدمة مصالحها الشخصية وجعلها مرتكزًا لمشوارٍ سياسيٍّ في إيران. وانتقد أحد التقارير الاستخباراتية من الوزارة، الذي تم حجبه عن فيلق القدس، سليماني شخصيًا لعمله على تسويق دوره القيادي في الحملة العسكرية في العراق من خلال "نشره لصوره على شبكات تواصل اجتماعي مختلفة".

تتطرّق الوثائق إلى الجهود الاستخباراتية الكبيرة التي بذلتها إيران خلال الحرب على داعش في العراق وما قدّمته من عونٍ لقوات البيشمركة الكردية على الأرض في صدّها لزحف قوات داعش وهو ما أدّى في النهاية إلى طرد داعش من مساحاتٍ واسعة من الأراضي العراقية على أيدي البيشمركة وقوات الحشد الشعبي قبل أن ينقلب نظام طهران على الأكراد أيام استفتاء الاستقلال، ولو أنه وللحظةٍ من الزمن بدا أن المصالح الأمريكية والكردية والإيرانية قد تقاطعت.

تتحدّث الوثائق أيضًا عن اجتماعٍ سريٍّ جمع بين حركة الإخوان المسلمين وفيلق القدس، عُقِدَ عام 2014 في إسطنبول بحث فيه الجانبان فرص التعاون معًا في ظلّ الضغط والتضييق الهائل التي واجهته الجماعة في أعقاب الانقلاب العسكري على الرئيس المصري الراحل محمد مرسي.

تفوق إيران في اللعبة الاستخباراتية

"يُخيّل إليك أنك تقرأ وقائع أُخذِت من روايةٍ جاسوسية في بعض صفحات الوقائع المسرّبة. فتُرتّب الاجتماعات في الأزقة المظلمة والمولات أو تحت غطاء رحلة صيد أو حفلة عيد ميلاد. وهناك المخبرون الذين يحومون في مطار بغداد لالتقاط صورٍ لجنودٍ أمريكيين وحصر رحلات مقاتلات التحالف. ويأخذ العميل طريقًا معقّدًا تحسّبًا لوجود من يراقبه". وفي موضعٍ آخر يستخلص التقرير أن "العملاء الذين تصفهم هذه الوثائق يتسمون بالصبر والاحترافية والبراغماتية".

ويظهر أن إيران كانت حريصةً كل الحرص على معرفة أنشطة الولايات المتحدة في العراق، فتوصّف أحد الفقرات المأخوذة من الوثائق مهمة أحد المخبرين، يُراد له أن يكون مخبرًا داخل وزارة الخارجية الأمريكية (مترجمة من الفارسية للإنجليزية كغيرها من المواضع المأخوذة من الوثائق): "إن الهدف الحالي لهذا الشخص هو توفير معلوماتٍ استخباراتية حول خطط الحكومة الأمريكية في العراق، سواءً بما يمسّ تعاملها مع داعش أو أي عملياتٍ سريةٍ أخرى. ومنتهى الغاية هو أن يكون هذا الشخص مخبرًا، إما داخل وزارة الخارجية الأمريكية أو مع أي زعيمٍ عراقيٍّ سنيٍّ أو كرديٍّ لديه الاستعداد للتعاون".

إذًا سارعت إيران، كما تبيّن الوثائق، إلى تجنيد مخبرين عملوا سابقًا مع وكالة الاستخبارات الأمريكية بعد انسحاب الولايات المتحدة من العراق عام 2011، وكما يبيّن النص السابق سعت إيران إلى زرع مخبرٍ داخل وزارة الخارجية الأمريكية دون وجود، كما تقول صحيفة الإنتيرسيبت، ما يدلّ على نجاح هذه الجهود. ويُضاف أيضًا سعيها لإغراء من يمكن لهم العمل معها برواتب وعملاتٍ ذهبية وغير ذلك من الهدايا كما يكشف التقرير.

قامت صحيفة الإنتيرسيبت، في هذا السياق وغيره، بالتواصل مع شخصياتٍ عديدة لتأكيد ما ورد في هذه الوثائق. وتباين ردّ الكثيرين منهم بين الرفض والتجاهل، كمجيد روانتشي سفير إيران في الأمم المتحدة، وأيضًا وزير الخارجية الإيراني ظريف.

ولكن لمّح حسن دانالي فرد، سفير إيران في العراق في الفترة 2010-2017 وأحد القادة السابقين للقوات البحرية في الحرس الثوري، إلى صحة ذلك مع رفضه التعليق بصورةٍ مباشرة على التسريبات: "نعم. لدينا الكثير من المعلومات عن العراق من مصادر متعدّدة، وخاصةً ما كانت تفعله أمريكا هناك". وأضاف: "يُوجد فجوةً كبيرةٌ بين الواقع وبين التصورات العامة عمّا فعلته الولايات المتحدة في العراق. أعرف الكثير من القصص التي يمكنني الحديث عنها". دون الكشف عن أي تفاصيل.

لا شكّ أن تغول إيران داخل أجهزة الدولة العراقية ونفوذها الواسع فيها لم يكن وليد ليلةً وضحاها، كما تكشف بعض المقابلات التي أجرتها الصحيفة. إذ اعتبرت إيران أن رصد النشاط الأمريكي في العراق هو مهمةٌ مصيريةٌ لبقائها والحفاظ على أمنها القومي. فقد بدأت إيران بالتحرك، منذ إسقاط الغزو الأمريكي لنظام صدام حسين، بالمسارعة إلى نقل بعضٍ من نخبة ضباطها من وزارة الاستخبارات ومن منظّمة الاستخبارات التابعة للحرس الثوري إلى العراق. وربما لا يُستغرَب ذلك، فقد قال بوش إن إيران هي أحد أضلع "محور شر"، وكان قادة الدولة الإيرانية يعتقدون أن تغيير نظام طهران هو الهدف القائم على لائحة أهداف واشنطن بعد بغداد وكابول.

وكان مما ساعد إيران على أخذ مكان الولايات المتحدة هو التخبط الكبير الذي اتسمت به واشنطن نفسها خلال الغزو على العراق، ربما باعتراف الجيش الأمريكي نفسه في دراسةٍ مؤلّفةٍ من جزئين تؤرّخ الحرب الأمريكية نشرتها مؤسسة الجيش الأمريكي مؤخّرًا، إذ تسلّط الدراسة الضوء على السقطات الكثيرة التي اقترفتها أمريكا في العراق، دون ذكر "التكلفة الهائلة" لهذه الحرب من أرواحٍ وأموال. فوفقًا للدراسة، حصدت حرب العراق أرواح ما يقارب من 4500 جنديًا أمريكيًا، وغيرهم مئات الآلاف من العراقيين، ووصلت تكلفتها إلى 2 تريليون دولار من أموال دافعي الضرائب. وتستخلص الدراسة، بالاستناد إلى وثائق سرية تم نشرها: "يبدو أن الفائز الوحيد في تلك الحرب كانت إيران بروحها المتجرّئة وطموحاتها التوسعية".

ويصف التقرير أن صعود إيران إلى مصاف السلطة في العراق كان نتيجةً مباشرةً، في أكثر من سياق، لعدم وجود أي خطةٍ وضعتها واشنطن لفترة ما بعد الغزو. ويسهب التقرير أن سنوات ما بعد سقوط صدام حسين كانت سنواتٍ من الفوضى على الصعيد الأمني وأيضًا بغياب الخدمات الأساسية مثل الماء والكهرباء. فقد رأى الكثير من المراقبين أن الولايات المتحدة كانت ترتجل سياساتها ارتجالًا في ضوء ما يجدّ من تطورات.

انقلبت العلاقة بين طهران والأكراد بطريقة مشابهة لموقف الولايات المتحدة المتقلب من أكراد سوريا. فبدأت إيران بإعادة توجيه دعمها شيئًا فشيئًا إلى الحكومة العراقية المركزية وميليشياتها الشيعية

ومرةً أخرى، وجدت إيران العراق حقلًا خصبًا يزخر بعملاء كانوا يعملون مع الاستخبارات الأمريكية بعد تقلص الوجود الأمريكي في العراق عام 2011. فقد أدارت الولايات المتحدة ظهرها للكثير من عملائها السابقين، وبطبيعة الحال بقي هؤلاء دون عملٍ خائفين مما سيحلّ بهم بسبب علاقاتهم السابقة بالولايات المتحدة. وهنا، وأيضًا في ظل الظروف المعيشية الصعبة وغياب فرص العمل، لجأ الكثيرون منهم إلى طهران وعرضوا عليها البوح بكل ما يملكونه من معلومات عن عمليات الاستخبارات الأمريكية في العراق.

اقرأ/ي أيضًا: تقدير موقف: العلاقات الأمريكية الإيرانية بعد فرض العقوبات.. احتمالات التصعيد

تسرد الوثائق قصة أحد هؤلاء العملاء الذي تواصل مع إيران في تشرين الثاني/نوفمبر 2014 بعد أن كان جاسوسًا يعمل مع الاستخبارات الأمريكية. وكان هذا الجاسوس يُعرف باسم "دوني براسكو" وقت عمله مع الاستخبارات الأمريكية، ولكن لدى إيران كان يُعرف باسم "المصدر 134992".

لم يتورّع 134992 عن بيع كل ما يعرفه عن عمليات الاستخبارات الأمريكية في العراق، من المواقع التي كانوا يستخدمونها إلى أسماء الفنادق التي كانت تستضيف الاجتماعات بين عناصر الاستخبارات الأمريكية وعملائهم، إلى تفاصيل الأسلحة والتدريبات التي خضع لها، وأيضًا أسماء عراقيين آخرين كانوا يعملون مع الأمريكيين.

وكشف 134992 أنه عمل مع وكالة الاستخبارات الأمريكية لفترةٍ وصلت إلى 18 شهرًا، وكان يتلقّى راتبًا شهريًا مقداره 3000 دولار أمريكي، كما أنه حصل على مكافأةٍ بلغت 20 ألف دولار وسيارة.

ووفقًا للوثائق، اشترطت إيران على 134992 أن يقسم على القرآن الكريم أنه قد تاب عن التجسّس للولايات المتحدة، ووافق على كتابة تقريرٍ كاملٍ عن كل شيءٍ يعرفه من عمله مع الاستخبارات الأمريكية. في المقابل رفضت الاستخبارات الأمريكية، وفقًا للتقرير، التعليق على هذه التفاصيل.

وصل الأمر أيضًا، بعد اجتماعٍ بين ضابط استخباراتٍ عراقي يتبع لحاتم المكصوصي مدير الاستخبارات العسكرية العراقية مع مسؤولٍ استخباراتي إيراني، إلى قيام بغداد بإعطاء إيران برنامجًا زوّدتهم به الولايات المتحدة للتجسس على الهواتف الخلوية كان يتم إدارته من داخل مكتب رئيس الوزراء ومقر الاستخبارات العراقية. وكذلك الأمر لبرنامجٍ آخر يُستخدم لإصابة الأهداف.

شكّك المكصوصي في صحة ما ورد في هذه الوثائق، وفي المقابل قال مسؤولٌ أمريكيٌّ سابق إن الولايات المتحدة عرفت بأمر علاقات هذا الضابط بإيران وقامت بتقييد قدرته على الوصول إلى معلوماتٍ حساسة.

وليس هذا فحسب، فيبدو أن إيران كانت أقرب وأقدر على استقطاب المسؤولين لصفها. فتكشف الوثائق أيضًا أن إيران قد حرصت بصورة خاصة على الحدّ من السطوة الأمريكية على مسؤولي الدولة، وتحديدًا من يُعرف منهم بعلاقاته الخاصة مع الولايات المتحدة. حيث تتحدث الكثير من الملفات عن لقاءات بين دبلوماسيين أمريكيين مع نظرائهم العراقيين خلف الأبواب المغلقة في بغداد، ويتبع ذلك نقل هذه المحادثات إلى الإيرانيين.

تكشف الملفات أيضًا عن وجود جاسوسٍ في مكتب المتحدث السابق باسم البرلمان العراقي سليم الجبوري، الذي يُشير إليه التقرير بأنه مُقرَّبٌ من إيران على الرغم من أنه سني، في الفترة 2014-2015. ويقول الجاسوس الذي كان أحد المستشارين السياسيين المقربين من الجبوري والذي يُعرف بالمصدر 134832 في تقريرٍ رفعه للمسؤول الإيراني المشرف عليه: "[أنا] أتواجد في مكتبه بصورة يومية، وأتتبع بحذر مرسلاته مع الأمريكيين". الجبوري نفسه قال في مقابلة إنه لا يعتقد بوجود أي عميل لإيران ممن يعملون تحت إمرته وأنه يثق بمعاونيه كامل الثقة. أما ستيوارت جونز، السفير الأمريكي إلى العراق الذي كان يجتمع بصورة متكررة مع الجبوري، فقد رفض التعليق.

وشدّد المصدر أن على طهران بناء علاقات أوثق مع الجبوري لردع جهود الأمريكيين في بناء صفٍّ جديد من الزعماء السنة الشباب في العراق. وأكّد أن على حكومته التصرف لمنع المتحدث باسم البرلمان من "الانزلاق إلى موقف مناصر للولايات المتحدة، إذ إن أحد صفات سليم الجبوري هي السذاجة واتخاذ قرارات متسرِّعة".

تتطرّق الوثائق أيضًا لسيناريو مشابه في كانون الأول/ديسمبر2014 على الجانب الكردي. فتكشف الوثائق عن اجتماع بين نيجيرفان بارزاني، رئيس وزراء كردستان في ذاك الوقت، وبين مسؤولين أمريكيين وبريطانيين رفيعين، إضافةً إلى العبادي، رئيس الوزراء العراقي السابق، في بغداد. وبعد انتهاء الاجتماع بفترة وجيزة جدًا ذهب بارزاني إلى ضابط إيراني ليخبره بكل شيء. وتعليقًا على هذه الوثائق، قال متحدث باسم بارزاني إنه لا يتذكّر اللقاء بأي مسؤولين إيرانيين في ذاك الوقت، وقال عن الوثائق إن "لا أساس لها من الصحة". وأضاف المتحدث أن بارزاني يُنكِرُ قطعًا إخباره للإيرانيين بتفاصيل عن محادثاته مع دبلوماسيين أمريكيين وبريطانيين.

حرب إيران الاستخباراتية على داعش

ربما لم تعد تلك اللحظة اليوم، حينما وقف زعيم تنظيم داعش السابق أبو بكر البغدادي ليعلن من قلب مدينة الموصل إقامة ما أسماه دولة الخلافة في شهر حزيران/يونيو من عام 2014 سوى فصلٍ عابرٍ من فصول قصة داعش، بعد اغتيال أبو بكر البغدادي، الذي نصّب نفسه وقتها خليفة للمسلمين، نهاية شهر تشرين الأول/أكتوبر الماضي. إلا أن ذاك الإعلان الذي جاء بعد صدمة استيلاء التنظيم على مدينة الموصل، التي يتجاوز عدد سكانها 1.2 مليون، كان محطة هامة أكسبت التنظيم زخمًا كبيرًا استغله لفرض سيطرته في يومٍ من الأيام على ما يقارب ثلث الأراضي العراقية، هذا غير توسعه أيضًا في الأراضي السورية.

كانت اللحظة الفارقة وصول قوات داعش إلى أبواب كردستان العراق، وتحديدًا أطراف بلدة مخمور التي شهدت المعركة التي كان لها أن تقلب الطاولة على داعش. فمن هناك، كما أكد العقيد الكردي سرود صالح لصحيفة الإنتيرسيبت، الصيف الماضي، "كانت بداية انتصار قوات البيشمركة".

أتى ذلك بتظافر جهود قوتين عُرف عنهما دائمًا أنهما قطبان متضادان، ولا سيما في السنوات الأخيرة فقد شهدت معركة مخمور بداية التدخل الأمريكي والإيراني، إذ وفّرتأمريكا الغطاء الجوي والدعم بالأسلحة الثقيلة، أما إيران فقد قدّمت الذخيرة والتدريب والدعم الاستخباراتي. ولبرهة بسيطة تقاطعت أهداف الولايات المتحدة وإيران بسعيهما لهزيمة تنظيم داعش.

إلا أن ذلك لم يعنِ وجود تنسيق مفتوح بين طهران وواشنطن، بل إن غياب هذا التنسيق تحديدًا كان مما أثار غيظ طهران، وفقًا لأحد الوثائق التي اطلعت عليها صحيفة الإنترسيبت، يقول أحد التقارير السرية إن "إصرار الأمريكيين ورفضهم التعاون مع إيران في الحرب على داعش وعدم مشاركتها في اجتماعات الدول العشرة الموجودة في المنطقة -تركيا وما سواها من الدول العربية- مع المواقف المتطرفة التي تبنتها القوى العربية والغربية من دور إيران في العراق كان له أثرٌ سلبي".

تكشف الوثائق أيضًا جانبًا مهمًا من الحرب الاستخباراتية على داعش، والتي كانت، على سبيل المفارقة، شبيهة جدًا بما قامت به الولايات المتحدة قبل بضع سنين في حربها على تنظيم القاعدة. فعلى غرار واشنطن، عملت وزارة الاستخبارات الإيرانية على بناء علاقاتها بشركاء سنة وأكراد اعتبرتهم معتدلين أو على الأقل أبدوا استعدادهم للعمل معها، ويعيد ذلك إلى الأذهان، كما يبيّن التقرير، ما قامت به الولايات المتحدة بتسليحها عشائر سنية عراقية لمحاربة القاعدة فيما عرف باسم "الصحوة".

إلا أن الحرب على داعش كانت معتركًا آخر شهد صدامًا بين وسائل وزارة الاستخبارات الإيرانية وقوات الحرس الثوري التي عمدت إلى العمل بمنهجية أكثر عدائية ودموية عبر قواتها الوكيلة في العراق، ارتكبت على أساسها الكثير من الفظائع بحق مجتمعات سنية كاملة في بعض الحالات، وهو ما أجبر أطيافًا واسعة من الطائفة السنية على الاختيار بين التطرف أو الصبر على بطش هذه القوات وحكومة بلادهم.

ووفقًا للتقرير، تكللت مساعي وزارة الاستخبارات الإيرانية بكسب ود بعض الأطياف السنية بالنجاح بالرغم من بعض العقبات. فكانت وزارة الاستخبارات السنية تراقب عن كثب أي خلافات بين بعض الميليشيات السنية وداعش، وهو ما حصل في صيف 2014 عندما اندلعت اقتتالات بين داعش وهذه الميليشيات، وكانت إيران مستعدة لاغتنام هذه الفرصة والتواصل مع بعض من هذه الميليشيات على أمل مصالحتها مع الحكومة العراقية وضمها إلى صفها في الحرب على داعش.

إلا أن إيران وجدت أن هذه الميليشيات تُضمِرُ غير ما تظهر، فقد استطاعت التجسس على مراسلات بين صفوف الميليشيات السنية اشتملت على كلام قادح بحق إيران ودعت إلى استغلال توقف الهجمات الجوية التي تشنها الحكومات العراقية للتصعيد. ويكتب ضابط في وزارة الاستخبارات الإيرانية في أحد التقارير: "نظرًا لوجود اجتماع بيننا وبين البعثيين الأسبوع المقبل.. علينا أن نضعف موقفهم ونثبت لهم أن لا ثقة بادعاءاتهم بأنهم تغيروا وأصبحوا أكثر اعتدالًا وأنهم أصبحوا يهتمون بأمر العراق. علينا مواجهتهم بهذه الادعاءات والمطالبة بتقديم موقفٍ واضح".

ويُردف التقرير أن الضباط الإيرانيين عملوا على مراقبة جهود السنة العرب لتنظيم أنفسهم سياسيًا مع تتابع الحرب مراقبة لصيقة. وكان أحد فصول ذلك، على سبيل المثال، عدد من الاجتماعات التي عُقدِت في فندقي الشيراتون وروتانا نهاية عام 2014، حيث حضر جاسوس إيراني اجتماعًا امتد ليومين في الشيراتون في شهر أيلول/سبتمبر. وفي الاجتماع جاء أحد أعضاء حزب البعث الذين يقيمون في أمريكا برسالةٍ مغريةٍ من واشنطن مضمونها أن الأمريكيين مستعدون لدعم استقلال سياسي في المناطق ذات الغالبية السنية بعد انتهاء الحرب. وهو ما أثار مخاوف شديدة لدى وزارة الاستخبارات السنية من انقسام العراق على خطوطٍ طائفية.

بدورها لم تثمر جهود حكومة المالكي بإغراء بعض العشائر السنية بالمال والسلاح سوى عن نتائج محدودة، بسبب شعبيتها المتدنية. ولكن يظهر، كما يبين التقرير، أن تغير القيادة العراقية والظروف المعيشية الصعبة تحت داعش قد أدت في النهاية إلى إقناع بعض الزعماء السنة بالقفز إلى الجانب الآخر. وقد تجلّى ذلك في تقارير عام 2015 التي أفادت أن الحكومة العراقية كانت تعقد محادثات سرية في قطر وتنزانيا مع ميليشيات سنية معادية لداعش بوساطة أمريكية ودول أخرى في الشرق الأوسط.

يكشف التقرير عن الجهود الكبيرة التي بذلتها إيران في التجسس على تنظيم داعش. فتتحدّث في جزء منها عن اجتماع بين عميل إيراني وجاسوس يعيش في أبريل في شهر أيلول/سبتمبر 2014، أي في وقت كانت فيه داعش في أفضل حالاتها. وطُلب من العميل الإيراني في تلك الليلة تحقيق هدفين اثنين هو معرفة رأي الزعماء السنة بتهديد داعش، وإنشاء "سيرة مفصلة ودقيقة عن أبو بكر البغدادي بالحديث إلى زملائه على مقاعد الدراسة والناس الذين سُجنوا معه". ولم يكن هذا الاجتماع، كما يضيف التقرير، سوى اجتماعًا واحدًا من بين عدة اجتماعات عقدها ضباط وزارة الاستخبارات الإيرانية لرسم صورة عملية عن داعش.

ويصف العميل في التقرير الذي كتبه، والذي يكون ربما مثالًا جيدًا جدًا على حرص وتفاني وزارة الاستخبارات الإيرانية، تفاصيل رحلته إلى مكان الاجتماع: "غادرت القاعدة سيرًا قبل ساعة من موعد الاجتماع. مشيت لعشرين دقيقة، وطبّقت جميع التحذيرات اللازمة، وركبت سيارتي أجرة في الشوارع المحيطة، وصولًا إلى مكان الاجتماع".

 وفي مثال آخر، استلم ضابط آخر في كانون الأول/ديسمبر2014 ذاكرة فلاش من مصدر التقى به في السليمانية، وقد نقل العميل الإيراني إلى المصدر، الذي تشير إليه الوثائق بأنه ضابط رفيع في الاستخبارات العراقية، تعليماتٍ برفع تقارير يومية عن أنشطة داعش إلى الإيرانيين.

لم تقتصر جهود إيران الاستخباراتية على جمع المعلومات من مصادر مختلفة، بل استطاعت وزارة الاستخبارات الإيرانية اختراق قيادات داعش. فيتحدث تقرير صحيفة الإنتيرسيبت عن تقريرٍ رفعه مصدر في الموصل إلى وزارة الاستخبارات الإيرانية عن محادثات داخلية في اجتماع عقد في شهر كانون الأول/ديسمبر 2014 بين زعماء التنظيم حضره أيضًا أبو بكر البغدادي. وكان الاجتماع في وقتٍ كانت تتأهّب فيه داعش لصد هجوم من الجيش العراقي والميليشيات الشيعية وقوات البيشمركة على أراضي التنظيم في محافظة نينوى. وكان هناك مخاوف بوجود دعم إيراني وأمريكي لهذا الهجوم.

وفي ظل توقعات هجوم بهذه الضراوة، تصاعدت مخاوف بقيام بعض زعماء داعش الذين تربطهم علاقات سابقة بنظام صدام حسين بتسريب معلومات إلى العدو أو الانشقاق. فوفقًا للوثائق، قال المصدر في تقريره: "أقام بعض أمراء داعش ممن لهم تاريخ مع حزب البعث علاقات مع الحزب الديمقراطي الكردي للفرار إلى الأراضي الكردية بدلًا من الوقوع ضحية في أيدي الجيش العراقي الشيعي".

وقد كانت هذه المخاوف في محلها في الواقع في حالة واحدة على الأقل. فتواصل زعماء من حركة داعش في منطقتين شمالي الموصل مع القوات الأمريكية والكردية وأعطوا إحداثيات مواقع داعش وكشفوا خطط هجوم التنظيم وفقًا لتقرير وزارة الاستخبارات الإيرانية.

على الرغم من أن التدخل الأمريكي أتى على نطاق أوسع، إلا أن الإيرانيين كانوا أسرع في توفير الدعم للأكراد، كما يكشف محلّلٌ كردي كان موجودًا أيام الحرب واشترط عدم الكشف عن اسمه في حديثه مع الإنتيرسيبت: "تتمتع المؤسسات الأمنية الإيرانية بسرعة أكبر في التحرك واتخاذ القرارات في حالات الطوارئ مقارنة بنظرائهم الأمريكيين الذين تعيقهم شبكة من البيروقراطية. عندما هاجمت داعش مخمور، أتى العون الإيراني أولًا، ولم يأت الدعم الجوي من الأمريكيين إلا بعد يوم أو يومين من بداية المعركة".

بكل تأكيد كانت الضربات الجوية التي شنتها المقاتلات الأمريكية عاملًا فارقًا رجح الكفة، وبدرجة كبيرة، لصالح قوات البيشمركة الذين نجحوا في النهاية في هزيمة داعش وصد تقدمها. ولكن كان لإيران دورٌ في ذلك أيضًا، كما تكشف الصحيفة، إذ استفاد جزء من قوات البيشمركة من مساعدة مستشارين إيرانيين لهم صلات بوزارة الاستخبارات الإيرانية.

يسلط التقرير ضوء على جانبٍ آخر من العلاقة بين إيران والقوات الكردية في تلك الفترة. فقد سعت إيران إلى تغذية علاقاتها بأطراف هامشية لا تملك علاقاتٍ قوية أو دعمًا عسكريًا من القوى الغربية، وكان هذا جزءًا من سياسة لبسط نفوذها عن طريق علاقات شخصية وسياسية محكمة في الشرق الأوسط. ويضيف التقرير أن بعض هذه العلاقات كان على أساس المصلحة بعيدًا عن الحسابات الطائفية، وهو ما أعطى إيران ميزةً في صراعاتها مع الولايات المتحدة وإسرائيل ودول الخليج العربي.

أحد هذه العلاقات كانت مع فصيل يعرف باسم الحزب الاشتراكي الديمقراطي الكردستاني الذي يرأسه رمز كردي قومي اسمه محمد حجي محمود، الذي زاره وفد من وزارة الاستخبارات الإيرانية بداية شهر كانون الأول/ديسمبر 2014 لتعزيته بمقتل ابنه في الاشتباكات مع داعش نهاية تشرين الثاني/نوفمبر في كركوك. وقد تبع هذه الزيارة قيام وزارة الاستخبارات الإيرانية بتدريب ما يقارب 30 مقاتلًا من قوات البيشمركة من أتباع محمود الذي شكر الإيرانيين في زيارة لاحقة وقال إن هؤلاء "لعبوا دورًا جيدًا في هزيمة التكفيريين وطبقوا الدروس التي تعلّموها".

وبالمقابل عبّر ضابط وزارة الاستخبارات الإيرانية الذي كتب التقرير عن رضاه عن كلام محمود قائلًا في تقريره: "بإذن الله سنستفيد من وجود هؤلاء الإخوة في برامج تدريبية مستقبلية في العراق في حربنا مع داعش".

في مفارقة أخرى، انقلبت العلاقة بين طهران والأكراد بطريقة مشابهة لموقف الولايات المتحدة المتقلب من أكراد سوريا. فبدأت إيران بإعادة توجيه دعمها شيئًا فشيئًا إلى الحكومة العراقية المركزية وميليشياتها الشيعية. وكانت نقطة الانفصال هي استفتاء الاستقلال عام 2017 الذي صوت فيه الأكراد بأغلبية ساحقة لصالح الاستقلال، وهو ما أثار مخاوف إيران وغيرها من الدول التي خشيت من هذا السيناريو الذي له أن يزعزع استقرار المنطقة بأكملها.

وهكذا كان، فبدلًا من الاستقلال، أدّى الاستفتاء إلى حرب بين الحكومة العراقية والقوات الكردية، والتفّت طهران هذه المرة لجانب الحكومة وعملت ضد الأكراد، لتخسر قوات البيشمركة بلدة مخمور في تشرين الأول/أكتوبر 2017، ولكن هذه المرة للحكومة العراقية.

وتلخّص كلمات الجنرال الكردي بهرام عارف ياسين المليئة بالمرارة أمام طاقمه العسكري في أعقاب الحرب على داعش وفشل مساعي كردستان لتحقيق الاستقلال ما جرى: "لقد توقّعنا دعمًا بعد التضحيات التي قدمناها نيابةً عن العالم بقتال داعش. ولكننا بدلًا من ذلك واجهنا معارضة من الدول المحيطة التي لم تحترم صوت الشعب الكردي". ويضيف: "عندما أُجريَ تصويت الاستقلال، لم تغلق تركيا نفسها حدودها بوجهنا. ولكن إيران فعلت ذلك".

ويكشف تقرير صحيفة الإنتيرسيبت أن وزارة الاستخبارات الإيرانية قد تنبأّت بحدوث صدعٍ في علاقتها مع الأكراد، ولكن لسبب مغاير. فقال نفس التقرير الذي عبر عن خيبة أمل الإيرانيين من رفض واشنطن التنسيق مع طهران في الحرب على داعش أن العزلة العالمية التي تواجهها طهران قد تجبر من الكثير حلفائها ومنهم الأكراد على "النأي بأنفسهم" عن إيران بعد نهاية الحرب.

اجتماع سري بين الإخوان وفيلق القدس

تكشف الوثائق أيضًا عن لقاءٍ قد يكون ربما لافتًا للاهتمام، ولو أنه لم يفضِ إلى أي شيء. ففي نيسان/أبريل من العام 2014 اتفقت حركة الإخوان المسلمين وفيلق القدس على اللقاء سرًا في إسطنبول. كانت إسطنبول ربما خيارًا بديهيًا لهذا اللقاء، كما يبيّن التقرير، لمّا كانت تركيا أحد الدول القلائل التي تجمعها علاقة طيبة مع كلٍّ من طهران وحركة الإخوان المسلمين.

ولكن ما لم يعرفه طرفا الاجتماع هو وجود جاسوسٍ بينهم يعمل لصالح وزارة الاستخبارات الإيرانية التي تصادمت في بعض الأحيان مع الحرس الثوري، وقد أفاد الجاسوس بكل ما تم نقاشه داخل الاجتماع إلى مسؤوليه في الوزارة. ويكشف التقرير بناءً على هذه الوثائق أن الجاسوس لم يكن مجرد أحد الحاضرين في الاجتماع، وإنما عمل "منسقًا له". وتبين الوثائق تنافس وزارة الاستخبارات الإيرانية مع الحرس الثوري وسطوتها ونفوذها، إذ إن الوزارة حاولت سرًّا تتبع أنشطة الحرس الثوري حول العالم.

مثّل الإخوان المسلمين في الاجتماع ثلاثةً من أبرز قادتها الذين يعيشون في المنفى هم إبراهيم منير مصطفى ومحمود الإبياري ويوسف مصطفى ندى. أما فيلق القدس فقد مثّله وفدٌ تحت رئاسة أحد نواب سليماني أشارت إليه الوثائق باسم أبو حسين الذي ناب عن سليماني بعد رفض أنقرة منحه تأشيرة دخول للأراضي التركية خشيةً من الحكومة التركية على سمعتها كما يقول التقرير.

وعن هذا الاجتماع، نفى يوسف ندى في مقابلةٍ أجريت معه مؤخرًا حضوره أو حتى معرفته باجتماعٍ من هذا النوع، ولكنه قال أن الإخوان المسلمين يريد تخفيف التوترات بين المسلمين السنة والشيعة، وهي تصريحات تتسق مع ما جاء مع الوثائق: "على حد علمي، فإن (الإخوان المسلمين) مهتمة بإنهاء، وليس فقط تخفيف، الصراع بين السنة والشيعة".

افتتح وفد الإخوان الاجتماع بالتفاخر بأن الحركة تملك اليوم "منظمات في 85 دولة حول العالم". وأقرّ وفد الإخوان بوجود "خلافاتٍ لا يمكن إنكارها بين إيران بصفتها رمزًا وممثلًا للعالم الشيعي وبين الإخوان المسلمين بصفتها ممثلة للعالم السني". ولكن نوّه وفد الإخوان، كما يبين تقرير وزارة الاستخبارات الإيرانية، أنه "يجب أن يكون هناك أرضية مشتركة للتعاون". وكان أحد الأمور المهمة التي تحدثت عنها الجماعة هي عداءها للسعودية، "العدو المشترك" للإخوان المسلمين وإيران.

وتجلّى ذلك، كما رأى وفد الإخوان، في اليمن: "في ظل تأثير إيران على حركة الحوثيين وتأثير الإخوان على الفصائل العشائرية السنية في اليمن، يجب أن يكون هناك جهدٌ مشترك لتخفيف حدة الصدام بين الحوثيين والعشائر السنية لكي يكونوا قادرين على استخدام قوتهم ضد السعودية".

في المقابل، قال وفد الإخوان أن الحركة تريد السلام في العراق. وأضافت أن العراق ربما هو المكان الذي تبرز فيه الحاجة للتعاون على ردم الانقسام السني الشيعي، ولعل لقاء فيلق القدس والإخوان المسلمين قد يفضي إلى هذا التعاون. وأضاف الوفد أن هذا قد يعطي فرصة للسنة للمشاركة في الحكومة العراقية أيضًا كما يبيّن تقرير وزارة الاستخبارات الإيرانية.

إلا أن التقرير يقول أيضًا إن الحركة كانت تدرك وجود حدودٍ لهذا التعاون الإقليمي بين الجهتين. فسوريا على سبيل المثال، كانت شأنًا شائكًا ومعقدًا فضلت الحركة عدم الخوض فيه، كما تبين أحد الوثائق: "بالتأكيد، كان الملف السوري خارج استطاعة إيران والإخوان، ولم يكن هناك ما يمكن فعله في هذا الصدد".

كما أن الحركة لم تكن تريد دعمًا إيرانيًا في مصر، على الرغم من الانقلاب والظروف الصعبة التي واجهتها. حيث قال الوفد: "وعن مصر، فنحن كحركة الإخوان المسلمين لسنا مستعدين لقبول مساعدةٍ من إيران للعمل ضد حكومة مصر". وترجح صحيفة الإنتيرسيبت أن هذا القرار كان لأن الحركة لم ترد نسف مصداقيتها في مصر بالذهاب إلى الإيرانيين لمساعدتهم على العودة إلى السلطة.

اقرأ/ي أيضًا: بين العقوبات ومزاجية ترامب..غيمة قلق فوق طهران

لكن تكشف الوثيقة أن ممثلي فيلق القدس لم يكونوا مهتمين فعليًا بإقامة أي تحالف مع الإخوان: "الأصدقاء في فيلق القدس الذين حضروا الاجتماع لم يوافقوا على فكرة وجوب إقامة تحالف بين الشيعة والسنة". ولكن الوفد الإيراني أصرّ أيضًا أنه "لم تجمعه يومًا أي خلافاتٍ مع حركة الإخوان المسلمين".

كانت الحرب على داعش معتركًا آخر شهد صدامًا بين وزارة الاستخبارات الإيرانية وقوات الحرس الثوري التي عمدت إلى العمل بمنهجية أكثر عدائية ودموية عبر قواتها الوكيلة في العراق

وفي النهاية أشار الجاسوس أنه كان مستعدًا "للسفر مجددًا إلى تركيا أو بيروت" لحضور أي اجتماعاتٍ أخرى، على الرغم من الفشل الواضح لهذا اللقاء. إلا أن الإنتيرسيبت تشير إلى أن الوثائق المسربة لا تدل على عقد أي اجتماعاتٍ أخرى.