01-أكتوبر-2017

علي رضا سعيد/ تونس

ما فتئت القصة القصيرة جدًا تترسخ، في السنوات الأخيرة، في المشهد الأدبي العربي، بما هي توجه إبداعيّ جديد يرتكز على النزعة التجريبية ويسعى إلى إثبات ذاته.

في القصة القصيرة جدًا، تتداخل الفنون السردية مع الشعرية

وقد برع  العديد من الكتاب العرب في هذا الجنس الأدبي، من بينهم: عبد الله المتقي وزكريا تامر ومحمود شقير وفاطمة بن محمود وإبراهيم درغوثي... إلا أن النقاد وجدوا صعوبة كبيرة في تعريف القصة القصيرة جدًا، ولعلّ ذلك يعود، في وجه من الوجوه، إلى أن حرية الإبداع لا تخضع إلى قواعد ثابتة، وإلى أن هذا الشكل الكتابيّ يتداخل، بصورة لافتة للنظر، مع أجناس أدبية أخرى كثيرة من قبيل "الخبر" و"النكتة" و"الحكاية المثلية" قديمًا، و"قصيدة النثر" و"القصيدة الومضة" حديثًا. لذلك ليس لها شروط نهائية ومطلقة فهي تعتمد على التجريب والتنافذ، وهذا ما يجعلها شديدة الانفتاح والقدرة على استيعاب إمكانات إبداعية لا حصر لها. وفي ذلك مزيّة كبيرة جعلت كبار المبدعين يقبلون عليها ويكتبون في إطارها الرحب. فهي جنس هجين، وليس في ذلك أيّ استنقاص من شأنها، بل يعدّ ذلك من علامات الحداثة، إذ من المعلوم أن الصلات والتشابهات بين الأنواع الأدبيّة غدت أمرًا جليًّا واضحًا، لا يكاد يخفى على أيّ مطلع على المشهد الأدبي المعاصر. فالمبدعون مافتئوا ينزعون نحو إذابة الحواجز وكسر الحدود الوهميّة المتكلّفة بين الأجناس الأدبيّة، وهذا ماجعلها نوافذ تفضي إلى بعضها البعض.

اقرأ/ي أيضًا: الحبيب السالمي.. بكارة المكان ومجهر الثورة

من خلال الاطلاع على نماذج من الأقاصيص القصيرة جدًا، نلاحظ أنها تعتمد كثيرًا على استحضار الأبعاد الزمانيّة الثلاثة، فهي تستلهم الماضي وتنغرس في الحاضر وتوحي بالمستقبل، في مناخ يقبل كلّ البنى الفنيّة والتقنيات الكتابيّة ويقولبها ويطوّعها لتناسب توجّهات القصة القصيرة جدًا ووظائفها اللامحدودة.

فهي تروم قول الذات الكاتبة والتعبير عن عميق التغيّرات، والكشف عن تناقضات الواقع وإرهاصاته بطلقات سريعة تصيب الهدف وتفجر الدلالات، فهي أشبه ما تكون، في الآن ذاته، برصاصة متوترة تنطلق بصورة برقية شديدة السرعة، وبوردة تشيع في الذهن والروح أريجًا لا ينقطع شذاه. فالأمر إذًا لا يتّصل باستقلاليّة أو هجانة بقدر ما يتّصل برفع سؤال الكتابة فوق كلّ القيود والإلزامات، وذلك وفق رؤية حداثية ترفض التصنيف الأجناسيّ وتنبذ الرّؤى المعياريّة الجوفاء التي تجمّد الإبداع وتسجنه في أقفاص لم تعد صالحة في عصر يتسارع إيقاعه يومًا بعد يوم، فأصبح أكثر جنوحًا إلى الأشكال الإبداعية القصيرة التي تقول اليوميّ والعابر، المدنّس والمقدّس، المحسوس والمجرّد، بصورة برقيّة ولكنّها موغلة في الدّلالة وفي لقطات قصيرة، لكنّها شديدة القدرة على الكشف والتنوير.

وعلى هذا الأساس تغدو القصّة القصيرة جدًّا جنسًا أدبيًّا شديد المهارة في اختراق العالم وتحطيمه وإعادة تركيبه وفق رؤى إبداعية معاصرة، تستكنه الواقع بكلّ مراراته وتصبو إلى إعادة الإنسان إلى إنسانيّته، والجمال بكل وجوهه إلى واجهة العالم. وربما لهذه الأسباب نلاحظ أن القلق شعور يلازم القصة القصيرة جدًّا فهي دائمة التوتر وصادمة وبارعة في دفعنا نحو متاهات الدّلالة، وكأنّها بذلك تكرّس ملامح تقبّليّة جديدة تقوم على استقطاب القارئ روحيًّا وذهنيًّا وتدفعه الى التأمّل والتفكّر وتبعده عن السلبيّة والجمود.

القصة القصيرة جدًّا مشدودة إلى قطبين هما القاع السرديّ والتهويم الشعريّ

اقرأ/ي أيضًا: حسن بلاسم في "طفل الشيعة المسموم".. نصوص شبعت من الانتهاك

إنّ القصة القصيرة جدًّا، إذًا، مشدودة إلى قطبين هما القاع السرديّ والتهويم الشعريّ، وكأنّها بذلك تريد أن تمسك بتلابيب العالم دفعة واحدة حتّى تقول ما يمور في أعماقنا من ضغوطات نفسيّة و"قنابل شعوريّة انشطاريّة" تحتاج دومًا إلى تفجيرها على الورق. فالكتابة أصبحت، بحقّ، في عصرنا، تنفّسًا يحمينا من الاختناق، هذا الواقع الأغرب من الخيال يحتاج الى أكثر من الخيال، يحتاج إلى كتابة تقول الكثير بالقليل، يحتاج إلى لغة كثيفة في كثافة هذا الواقع، تشفّ عمّا وراءها وتأخذ بيد المبدع والقارئ على السّواء إلى خارج الزمان والمكان، حيث يستطيعان أن يتنفّسا جيّدًا وطويلًا، ونجد هذه الدّلالات في قصة قصيرة جدًا للقصاص التونسي إبراهيم درغوثي عنوانها "قصة قصيرة جدًا"، من مجموعته القصصية "شهرنار". يقول: "أنهى قصّته القصيرة جدًّا، فتنفّس طويلًا".

 

اقرأ/ي أيضًا:

مكاوي سعيد: أنا كاتب كسول ومزاجي

و.ج. سيبالد: بدون ذكريات لن تكون هناك كتابة