القتل على الطريقة المصرية

القتل على الطريقة المصرية

صورة لقتيل التعذيب مجدي مكين

ما شعور رئيس الجمهورية حين يقولون له إن هناك مواطنًا مصريًا تم تعذيبه في قسم شرطة أو معتقل أو سجن؟

ربما لن نجد إجابة على هذا السؤال، وأغلب الظن أن أحدًا لا يأتي على ذكر مثل تلك الأمور التي قد تعكّر صفو سيادته أو تحرق دمه، وربما أفضل صياغة ممكنة يقولها وزير الداخلية للرئيس إن "هذه افتراءات من بعض الموتورين الحاقدين على جهاز الشرطة حامي حمى مصر، لما يقوم به من دور عظيم في تأمين البلد يا سيادة الرئيس".

والثابت على مدى كل هذه السنوات الماضية أنه لم يُشر رئيس الجمهورية، أيًا كان، تلميحًا أو تصريحًا أنه ضد التعذيب أو أنه يعرف بحوادثه أو أنه غضب مثلًا على وزير داخليته وأخبره أن من عذّب مواطنًا مصريًا فكأنما عذّب المصريين جميعًا. اعتمدت السلطة المصرية دائمًا على سياسة إنكار التعذيب، ثم اتهام المُبلِغين عنه أو ضحاياه، بأنهم كذابون وحاقدون، أو التعامل مع التعذيب باعتباره عملًا فرديًا شخصيًا نادرًا لا داعي لتكبيره والنفخ فيه، والبعض يرى في التعذيب ضرورة لنزع الاعترافات وأنه لا مشكلة في تعذيب مواطن طالما سيمنع هذا حادثًا إرهابيًا أو إجراميًا.

"بتشتمني ليه؟ أنا من سِنّ أبوك، ترضى حَد يشتم أبوك؟"

لا فائدة تُرجى من سؤال الرئيس أو وزير الداخلية أو أي مسؤول في هذا البلد طالما ظل التواطؤ على جرائم الشرطة دينًا تقوم على رعايته أجهزة الدولة، ومن ورائها طابور طويل من "المواطنين الشرفاء". جرائم التعذيب داخل أقسام الشرطة تعتبر روتينًا يوميًا، تسري في دم وعروق كثير من أفراد الشرطة المصرية، التي صارت تتعامل مع المواطن باستهانة ثم بعدوان ثم باحتقار.

اقرأ/ي أيضًا: اسم الله عليكِ يا مصر

هل يدرّبونهم على ذلك في أكاديمية الشرطة؟ هل يتباهى الضباط فيما بينهم بمن نكّل بأكبر عدد ممكن من المواطنين في يومه؟ كيف يكون شعور الضابط منهم بعد أن ينتهي من حفلة تعذيب بحق مواطن؟ هل يشعر الضابط بنشوة ما بعد أن يقتل مواطنًا؟ ما الذي يدفع شابًا لم يتجاوز الثلاثين من العمر ليتحول إلى وحش لمجرد امتلاكه للسلطة؟

"جَرّه من لياقة القميص، سحله على الأرض، وبقى يضربه بالرجل ويدوس عليه في الشارع"

مجدي مكين (52 عامًا) بائع سمك بسيط من أحد أحياء القاهرة الفقيرة، كان يسعى على رزقه وقادته الصدفة إلى الاصطدام بضابط شاب في طريق عودته إلى المنزل يوم الأحد الماضي. قامت مشادة بين مكين والضابط بسبب إهانة الأخير للأول، فاعتدى الضابط عليه وقام باصطحابه إلى قسم الشرطة. في نهاية يوم الأحد كان مكين جثة هامدة، وتم إبلاغ أهله من قبل القسم لاستلامه من مستشفى الزيتون.

الثابت أنه لم يشر أي رئيس جمهورية مصري، تلميحًا أو تصريحًا أنه ضد التعذيب أو أنه يعرف بحوادثه أو أنه غضب مثلًا على وزير داخليته

كانت جثة مكين تنطق بكل أساليب التعذيب التى تعرض لها من تسلخ فى جلد ولحم الظهر ناتج عن الضرب والسحل في الشارع أثناء القبض بحسب شهادة الشهود، وآثار ضرب بكعب الطبنجة على الرأس، وكدمات ودماء واضحة في مناطق حساسة في جسده. وبطبيعة الحال، أنكر القسم علاقته بالموضوع على الرغم من أن الشرطة هي من سلّمته جثة مدرجة بآثار التعذيب للمستشفى، وبرغم ما قاله اثنان آخران في الحجز -اعترفوا بحيازة أقراص مخدرة تحت التعذيب الوحشي- يؤكدان ما حدث لمكين.

"نيّمه على وشّه، كلبشه من ورا، بقى يدوس على ضهره من فوق لتحت بالجزم وقعد يضرب فيه بعنف"

لأسباب مجتمعية وسياسية كثيرة، صار ضابط الشرطة في مصر هو الوجه الآخر للترهيب والتخويف والغطرسة والاستكبار وإساءة استخدام السلطة وقائمة طويلة من المواصفات الحقيرة المكتسبة عبر عقود والمؤدية إلى كثير مما تعانيه مصر من كوارث ومصائب واختلال موازين وقيم. ولا مكان هنا للحديث عن تصحيح الخطاب الشُرَطي وإصلاح العقيدة الأمنية وتجهيز أجيال جديدة من الضابط القادرين على الاحتفاظ بالجانب الإنساني المتفهّم جنبًا إلى جنب مع التنشئة والتدريب والعمل في الجوانب الأمنية والتأمينية.

ضابط الشرطة في مصر له معنى ومكانة وغرض يختلف عن أقرانه في باقي دول العالم، فهو على مدى ما لايقل عن 40 عامًا تحوّل إلى وظيفة يُقبل عليها الكثيرون بغرض إساءة استخدام سلطتها. لا شيء يغيّر من تلك الحقيقة أو ينفيها، رغم الانتفاضة الشعبية في يناير 2011 التي كان أحد أسبابها الرئيسية هو جهاز الشرطة وسوء استخدام سلطاته وانتهاكات أفراده بحق المواطنين وتحيّز قياداته للتأمين السياسي على حساب الأمن المجتمعي. وتبددت الفرصة غير مرة بعد ثورة يناير في إعادة هيكلة ذلك الجهاز سيئ السمعة، وذلك نظرًا لأن القائمين على إدارة هذا البلد التعيس لا يريدون سوى وحوشًا شرطية ضارية يطلقونها على البائسين من المصريين في الشوارع.

"أملنا في ربنا كبير إن حقه مايضعش؛ لإنه لو ضاع بكرة تبقى معايا ومع غيري.. ده مش ظابط بيحقق القانون ولا بيحقق العدل اللي ربنا قال عليه، ده وحش في صورة بني آدم"

بيان وزارة الداخلية يقول إن الوزير أصدر أمرًا بوقف جميع أفراد قوة قسم الأميرية عن العمل لحين انتهاء التحقيقات في واقعة مقتل المواطن مجدي مكين بعد إلقاء القبض عليه بتهمة حيازة 2000 قرص مخدر وضربه حتى الموت، وفي نهاية اليوم يخرج الضابط ليقابله زملاؤه ويأخذون "سيلفي" احتفالي. البرلمان المصري يؤكد أن لجنة حقوق الإنسان بمجلس النواب برئاسة علاء عابد (المتهم بقيامه بممارسة التعذيب وقت عمله كضابط شرطة) قامت بزيارة قسم الأميرية لمتابعة التحقيقات في قضية مجدي مكين.

اقرأ/ي أيضًا: مصر.. استبعاد "رموز يناير"من"العفو الرئاسي"

هكذا تتابع الأخبار بكل وقاحة، والسيئ في الأمر، أن كل ذلك يحدث بالتزامن مع جلسة إعادة محاكمة الضابط المتهم في قضية مقتل شيماء الصباغ، خلال وقفة بالورود في الذكرى الرابعة لثورة 25 يناير. وكانت محكمة النقض المصرية قضت بقبول الطعن المقدم من ضابط الأمن المركزي على الحكم الصادر من محكمة جنايات القاهرة بمعاقبته بالـسجن المشدد 15 سنة وإعادة محاكمته أمام دائرة جنائية جديدة .

ما الذي سيحدث؟ لن يحدث شيء بالطبع طالما بقيت الأمور على حالها وطالما ظلت الدولة تمنح لأجهزتها الأمنية حق التنكيل بالمواطنين علنًا وسرًا. إنها الخصوصية المصرية في القتل والانتهاك واعتماد الظلم كأسلوب حياة.

"ازاي هنعيش بعده، 12 بني آدم عايشين على حسه، ده احنا تحت الصفر، عايشين يوم أه ويوم لأ، بالبلدي كده إحنا ميتين مش عايشين"

في شهادته التي نشرها على صفحته الشخصية على "فيسبوك" يحكي محمد نبيل، أحد أعضاء حركة 6 أبريل، عن وقائع التعذيب التي شهدها أثناء احتجازه للمرة الثانية في أحد أقسام الشرطة، فيقول إن زنزانته كانت مواجهة للقفص المخصص للتعذيب في القسم، وكان يرى ويسمع المحتجزين الآخرين وهم يُعذبّون ولا يجد حولًا ولا قوة لدفع الأذى عنهم، بعكس المرة الأولى التي تم اعتقاله فيها واستطاع هو وزملاؤه وسجناء آخرون أن يقفوا في وجه أفراد القسم ويمنعوهم من إهانتهم وإذلالهم. في المرة الثانية، يشير نبيل إلى خضوع المحتجزين معه واستكانتهم التامة أمام ما يشاهدوه، ويذكر أنهم نصحوه بألا يتدخل حتى لا يتم تعذيبه هو الآخر، وربما قتله.

جثة مجدي مكين تنطق بكل التعذيب الذي تعرض له من تسلخ في جلد ولحم الظهر ناتج عن الضرب والسحل في الشارع أثناء القبض عليه

في أحد الأيام تم تعليق أحد المحتجزين في سقف الزنزانة لمدة 14 ساعة متواصلة، كانوا يضربونه بكعوب مسدساتهم وأحزمتهم الجلدية وأرجلهم، حتى وصل الرجل إلى مرحلة الصمت التام. يستمر الضرب والتعذيب، ولكن الرجل لا يصدر أي صوت، فقط يحرّك رموشه. وفي لحظة معينة، تلاقت نظرة الرجل مع نظرة نبيل، وأحس نبيل أن الرجل يستنجد به كي يفعل أي شيء يُريحه من هذا العذاب.

بالطبع لم يفعل نبيل شيئًا، ودخل حمّام القسم ليبكي طويلًا إحساسه بانعدام قدرته على فعل أي شيء لهذا المسكين. كان بكاء صامتًا، لأنه -بحسب نبيل- لا يجب إظهار الضعف داخل السجن، بالإضافة إلى أن شقيقه كان مسجونًا في الزنزانة المجاورة، ولا يضمن عواقب "تهوُّره" وردة فعل السجّانين تجاه شقيقه. "من الليلة دي ما رجعتش تاني"، يقول نبيل في ختام شهادته.

ما يقوله نبيل، وكثيرون غيره، يكشف عن الآثار النفسية الكارثية شديدة الوطأة على من اختبروا تلك التجربة القاسية، أن يتم امتهان كرامتك وإذلالك وتعذيبك وربما قتلك على يد شخص تصوّر أنه مَلَك الدنيا؛ فقط لأنه ضابط شرطة. منهجية التعذيب ركيزة أساسية في عقيدة الشرطة المصرية، ولا جدال في ذلك. وإذا كان نبيل أسعفه الحظ ولم يتعرّض للتعذيب أو القتل، فإن غياب المحاسبة والتحقيق في تلك الجرائم يجعلها عادية ومألوفة بشكل مخيف. ربما لو تمت معاقبة الضباط المدانين في جرائم التعذيب لفكّر ذلك الضابط الشاب قليلا قبل أن يقتل مجدي مكين. ربما.

"ضهره مشوّه لحد المؤخرة، جزء من كيس الخصية مقطوع، فخده كأن حَد سلخ اللحم، لقينا طعنة في فتحة الشرج منظرها مش طبيعي زي ما يكون تعرض لهتك عِرضه"

التعذيب ليس حالة فردية كي يستقيم معها الادعاء الساذج والمجرم بأن الرئيس وحكومته لا يعلمون شيئًا عنه.

التعذيب ليس حالة فردية لأنه مستمرٌ منذ سنين طويلة، ولم يُحاسب أحد، أبدًا.

التعذيب ليس حالة فردية لأن مواطنين آخرين سيتم قتلهم في المستقبل.

التعذيب ليس حالة فردية لأن الأمثلة كثيرة والقائمة طويلة والتاريخ لا ينسى.

"مين اللي قتل أبويا؟"

 

(*) الاقتباسات في المقال هي مقاطع من شهادة مينا مجدي مكين حول مقتل والده على يد النقيب كريم مجدى معاون مباحث قسم الأميرية. 

اقرأ/ي أيضًا:
أنا مصري.. فمتى ستقتلونني؟
مصر.. من قتل الإيطالي "جوليو ريجيني"؟