القاهرة: مدينة الاغتراب القسري

القاهرة: مدينة الاغتراب القسري

شوارع القاهرة مع سقوط الأمطار (Getty)

كل صباحات القاهرة قاسية، في بيتك أو بين الناس. لن ينفعك أي مسكر للهروب من المدينة الموحشة المعبئة بالاغتراب القسري.

تقف أمام المرآة صباحًا، تتأمل تعاريج وجهك الذي رسمته المدينة، بنورها الزائف وبهجتها المؤقتة وساكنيها المعاقبين فيها إلى الأبد. تعبر كل الشوارع التي كتبها الناس باسم الشهداء أو الوزراء أو الزعماء أو المنفيين في التاريخ وتسأل نفسك: من أي كتب التاريخ سيقع هذا العصر؟ وتصب في سرك اللعنات على الخطب القومية عن السبعة آلاف عام من الحجارة والتاريخ وكنوز المقابر والتيه الأبدي في قدس الأقداس، ومعابد الملوك والكهنة.

في مصر، أدوات النظافة الشخصية اليوم أصبحت سلعًا استفزازية لشدة الغلاء

تعرج فتجد الله يلون أفق السماء العالية بعيدًا عن أدخنة المصانع وعودام السيارات وسباب السائقين والقمامات النائمة في الأركان. تتساءل: هل قرر الله أن يتركنا لقبحنا متكفلًا بتلوين السماء والمساءات الطيبة للعجائز المتجاوزين للسياقات التاريخية والحدث والسياسة؟

اقرأ/ي أيضًا: زيادة التعريفة الجمركية في مصر: مزيد من الركود

الكاهن الأكبر يُعلن رفع السلع الجمركية على 364 سلعة تصل نسبة الزيادة في بعضها إلى 60% منها أدوات الحلاقة والكمامات، وأقلام الرصاص ومعاجين الأسنان ومزيلات العرق.

أنظر إلى الرف الوحيد في حمامي وأشير إليه بالمصطلح الصحفي ضاحكة بيني وبين نفسي: أدوات النظافة الشخصية اليوم أصبحت سلعًا استفزازية؟ سنعود من حيث بدأنا إلى استخدام " الشبة"، إحدى المواد التي كانت تستخدم قديمًا للعرق تُشترى من عند العطارين. أو أطحن مثل ستي الفل وبعض المسك الغالي وشيئًا من العود الرخيص للإبطين!

أما معجون الأسنان الاستفزازي المناسب للأطفال الذي تستخدمه ابنتي فما علينا منه.

"تنقطع المياه عن حي مدينة نصر لمدة 22 ساعة لإنجاز بعض الإصلاحات" المُلفت في الأمر برمته هو الإعلان المسبق.

في الإسكندرية، حيث بيت أسرتي وأيام حُكم مرسي -انقطعت المياه عن حينا البائس مدة ثلاثة شهور. ثلاثة شهور قضيتها مع طفلة حديثة الولادة وفي صيف الإسكندرية الرطب وفي شقتنا التي لا تدخلها الشمس معظم الوقت. احزروا كيف يبدو التحذيرمن انقطاع المياه اليوم؟ يبدو منطقيًا على أي حال، فحولنا اثنان من المستشفيات العسكرية وثلاثة نوادٍ للقوات المسلحة وأربع مؤسسات لبيع السلع الاستهلاكية تابعة للجيش. يبدو كل شيء منطقيًا. أما في حي الإسكندرية ذي الكثافة السكانية الهائلة، فانقطاع المياه ثلاثة أشهر في عهد رئيس مثل مرسي كان أمرًا عاديًا. على أي حال ما الذي كان يفعله هذا المدني الغريب وسط هذا الكم الهائل من الجنرالات ونواديهم وأسواقهم ومستشفياتهم والمخلصين لهم في كل حدب وصوب؟

غاية الحياة أن تصنع فرقًا بين أن تعيش وأن تعيش بصورة أفضل

تخلق الدولة العسكرية في الإنسان هاجس الأمان، فأنت لست مستبعدًا عن "شرهم" طالما أنك لست من المرضي عنهم. وهاجس الخوف من الغد الذي لا تعرف على وجه التحديد كيف سيكون وجهه وهو كالطير على أكفهم، وهاجس الجوع، الحاجة والعوز في مستقبل ستشتري فيه كرامتك بأثمان باهظة.

اقرأ/ي أيضًا: سوق الجمعة في مصر.. "ياما في الجراب يا حاوي"

أحاول استعادة عضلات تفاؤلي التي ضمرت. أمارس تمارين القوة ويقين المتدينين ثم أقرأ اقتباس عبد الجبار ناصر، في روايته "اليهودي الأخير" والذي استعاره من راف والدو إيمرسون، يقول فيه: "ليست غاية الحياة أن تكون سعيدًا، إنها أن تكون مفيدًا، أن تكون شريفًا، أن تكون رحيمًا، أن تصنع فرقًا بين أن تعيش وأن تعيش بصورة أفضل" .

أتنهد بعمق وأنظر إلى الأفق لأجد السماء تتلون مرة أخرى ابتهاجًا بيوم انقضى في مدينة لا تمنح السعادة معظم الوقت.

اقرأ/ي أيضًا:
ماذا بعد تعويم الجنيه؟.. إجراءات و"ثورة"؟
وثائقي "العساكر".. هل يستحق كل هذا الضجيج؟