ultracheck
  1. عشوائيات
  2. مجتمع

القاهرة تحت الغلق الليلي: كيف أثرت تداعيات الحرب على حياة المصريين؟

30 مارس 2026
القاهرة
شارع عباس العقاد في القاهرة بعد قرار الإغلاق في التاسعة مساءً (منصة إكس)
عماد عنان عماد عنان

لم يكن يخطر ببال أحد أن القاهرة، المدينة التي اعتاد أهلها السهر حتى الساعات الأولى من الفجر، والتي ظلّ ليلها طويلًا أقرب إلى نهار لا ينطفئ من فرط الأضواء والحركة، قد تبلغ لحظة تُطفأ فيها على هذا النحو، ويُدفع روادها إلى ملازمة منازلهم منذ التاسعة مساءً بالتوقيت المحلي (السابعة بتوقيت غرينتش).

منذ الساعات الأولى للحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، في أواخر شباط/فبراير الماضي، بدا وكأن مصر أُقحمت، من دون إرادة مباشرة منها، في قلب تداعيات المواجهة، صحيح أنها لم تكن طرفًا أصيلًا في الصراع، إلا أن ارتداداته الأولى لم تتأخر في بلوغ الداخل المصري، حيث تلقى الاقتصاد الضربة مبكرًا، قبل أن تتسلل آثار الأزمة تدريجيًا إلى تفاصيل الحياة اليومية للمواطن العادي، الذي وجد نفسه يدفع ثمن حرب لم يكن شريكًا في إشعالها ولا طرفًا في حساباتها.

وفي بلد يعتمد على الاستيراد لتأمين نحو ثلث احتياجاته من الطاقة، كان من الطبيعي أن تترك حرب بهذا الحجم أثرًا مباشرًا وعنيفًا على السوق المحلية، فالتوتر الذي أصاب سلاسل الإمداد، بالتوازي مع تعطل الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمر عبره قرابة خُمس تجارة النفط والغاز المسال في العالم، فضلًا عن الارتفاع الحاد في الأسعار العالمية، وضع سوق الطاقة في مصر تحت ضغط متصاعد خلال الأسابيع الأخيرة.

وأمام هذا المشهد المضطرب، وفي خطوة استباقية لمواجهة القفزة الكبيرة في استهلاك الطاقة، وما تفرضه الحرب المفتوحة من احتمالات ثقيلة الكلفة، بدأت الحكومة المصرية، السبت 28 آذار/مارس، تنفيذ حزمة قاسية من إجراءات ترشيد الاستهلاك، تمتد لشهر كامل قابل للمراجعة، وهي إجراءات تبدو، في جوهرها، أقرب إلى ملامح اقتصاد حرب آخذة في التشكل، حتى وإن لم يُعلن عنها بهذا الوضوح.

خطة تقشف طاقوي

توزعت الخطة التي أعلنها رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، على عدة محاور متوازية، يجمعها هدف واحد هو خفض استهلاك الكهرباء والطاقة إلى أقصى حد ممكن، وفي مقدمة هذه الإجراءات، تقرر غلق المحال التجارية والمولات والمطاعم عند التاسعة مساءً، إلى جانب تقليص إنارة الشوارع واللوحات الإعلانية، ووقف تشغيل الإضاءة في المآذن والقباب بالمساجد، في مشهد يعكس انتقال الدولة إلى مستوى أعلى من سياسات التقشف الطاقي.

كما شملت الخطة اعتماد نظام "العمل من المنزل" يوم الأحد من كل أسبوع لموظفي القطاعين الحكومي والخاص، مع استثناء القطاعات الإنتاجية والخدمية الحيوية، بالتوازي مع توجيهات مباشرة بخفض استهلاك المواد البترولية داخل الجهات الحكومية بنسبة لا تقل عن 30%، في إطار مسعى أشمل لتقليص النفقات العامة واحتواء الضغوط المتصاعدة على موارد الطاقة.

بدأت الحكومة المصرية تنفيذ حزمة قاسية من إجراءات ترشيد الاستهلاك، تمتد لشهر كامل قابل للمراجعة، وهي إجراءات تبدو، في جوهرها، أقرب إلى ملامح اقتصاد حرب آخذة في التشكل

ولم تتوقف الإجراءات عند حدود الاستهلاك اليومي، بل امتدت إلى إدارة الإنفاق والاستثمار، عبر إبطاء وتيرة العمل في بعض المشروعات القومية الكبرى، وتأجيل صرف تمويلات دولارية لعدد من المشروعات بهدف ترشيد استخدام النقد الأجنبي، فضلًا عن تعليق أي مشروعات جديدة تحتاج إلى مخصصات بالدولار في المرحلة الراهنة.

وفي موازاة ذلك، جرى اعتماد نمط إدارة طوارئ يتعامل مع الوضع الاقتصادي بمنطق "أسوأ السيناريوهات"، تحسبًا لمزيد من الضغوط، وضمانًا لاستمرار توافر المخزون الاستراتيجي من الوقود.

ومع ذلك، حرصت الحكومة على إبقاء القطاع السياحي خارج نطاق هذه القيود، إذ لا تسري مواعيد الإغلاق الجديدة على الفنادق أو المطاعم والكافيهات الواقعة داخل المناطق السياحية، في محاولة واضحة لتفادي الإضرار بأحد أكثر القطاعات حيوية بالنسبة للاقتصاد المصري.

فالسياحة لا تمثل فقط مصدرًا رئيسيًا للنقد الأجنبي، بل تشكل أيضًا ركيزة أساسية في دعم الناتج المحلي وتوفير فرص العمل، وهو ما يفسر حرص الدولة على تحييدها قدر الإمكان عن كلفة الإجراءات الاستثنائية.

ضرورة مُلحة

يرى خبراء اقتصاديون أن الإجراءات التقشفية التي أعلنت الحكومة المصرية تبنيها لم تعد ترفًا إداريًا أو خيارًا قابلًا للتأجيل، بل أصبحت ضرورة ملحة فرضتها التطورات المتسارعة في أسواق الطاقة العالمية، على وقع الحرب المستمرة في الخليج وإيران، ويحذر هؤلاء من أن أي تباطؤ في اتخاذ مثل هذه التدابير، أو التعامل معها بوصفها قرارات قابلة للمساومة، كان من شأنه أن يفتح الباب أمام كلفة اقتصادية أشد وطأة على الدولة والمجتمع معًا.

ويستند هذا التقدير إلى ما تكشفه الارتدادات الأولية للحرب على الاقتصاد المصري، بعدما قفزت فاتورة الطاقة الشهرية من نحو 1.2 مليار دولار في كانون الثاني/يناير إلى قرابة 2.5 مليار دولار في مارس/آذار، فضلًا عن الاضطراب الذي أصاب سوق الطاقة المحلية عقب وقف إسرائيل ضخ الغاز الطبيعي إلى مصر من حقلي "تمار" و"ليفياثان" في شرق المتوسط، بما تسبب في توقف إمدادات تُقدّر بنحو 1.1 مليار قدم مكعب يوميًا.

ورغم استئناف الضخ لاحقًا، إلا أنه عاد بمعدلات أقل من تلك المنصوص عليها في الاتفاق القائم بين الطرفين، فضلا عن الارتباك الذي حدث في إمدادات النفط الكويتي، وهو ما أبقى الضغوط قائمة على السوق المصرية.

وفي هذا السياق، يرى الدكتور محمد الشوادفي، أستاذ الإدارة والاستثمار، أن الدولة المصرية اختارت التحرك قبل الوصول إلى لحظة الانفجار، مفضلّة نهج الاحتراز المبكر على سياسة الانتظار المكلف، وبحسب تقديره، فإن حزمة التدابير التي شرعت الحكومة في تنفيذها تعكس توجهًا استباقيًا يهدف إلى تقليص التداعيات السلبية للصراعات الإقليمية على الاقتصاد المحلي.

موضحًا أن اعتماد نظام العمل من المنزل يوم الأحد من كل أسبوع لا ينبغي النظر إليه بوصفه مجرد إجراء تنظيمي، بل باعتباره رسالة طمأنة سياسية واقتصادية تفيد بأن الدولة لا تزال ممسكة بزمام المبادرة، وتسعى إلى خفض فاتورة الكهرباء والوقود داخل المؤسسات الحكومية قبل أن تبلغ أسعار الطاقة العالمية مستويات أكثر حرجًا.

ويضيف الشوادفي أن المقاربة الحكومية الراهنة تقوم على ما يمكن تسميته بـ"التحوط الاستباقي" في مواجهة الاضطرابات المحتملة في الممرات الملاحية الدولية، ولا سيما مضيقا باب المندب وهرمز، فبدلًا من انتظار صدمة مفاجئة في الإمدادات أو الإيرادات، تتجه الحكومة إلى ترشيد نفقات المواصلات والطاقة، بهدف تكوين ما يشبه "فائض أمان" يخفف من حدة أي اهتزاز محتمل قد يطال إيرادات قناة السويس أو الموازنة العامة تحت ضغط الحرب الإقليمية.

وفي الاتجاه نفسه، يرى الدكتور ياسر شحاتة، رئيس قسم إدارة الأعمال بكلية الاقتصاد في جامعة السادس من أكتوبر، أن هذه التدابير لا ينبغي قراءتها باعتبارها عبئًا إضافيًا على المواطنين أو عقوبة جماعية مفروضة عليهم، بل باعتبارها جزءًا من خطة وطنية شاملة لإدارة الأزمة، وصون الاستدامة الاقتصادية والاجتماعية في ظل بيئة إقليمية شديدة التعقيد.

ويشدد شحاتة على أن عبور هذه المرحلة بأقل الخسائر الممكنة يظل مرهونًا بقدر من التعاون المجتمعي، والالتزام بالسياسات الحكومية، بما يضمن احتواء التداعيات ومنعها من التحول إلى ضغوط حادة تمس الاقتصاد الوطني والحياة اليومية للمواطنين.

تداعيات قاسية.. خسائر اقتصادية بالجملة

في الوقت الذي تمضي فيه الحكومة المصرية نحو خفض فاتورة استهلاك الطاقة، تتكشف على الجانب الآخر كلفة اجتماعية واقتصادية متصاعدة لهذه الإجراءات التقشفية، إذ تبدو التداعيات أكثر حدة على ما يمكن وصفه بـ"الاقتصاد الشعبي"، أي ذلك الاقتصاد اليومي الذي تعتمد عليه الغالبية الواسعة من المصريين في تسيير شؤون المعيشة وتدبير متطلبات الحياة الأساسية.

وقد تلقى هذا الاقتصاد ضربة مباشرة مع قرار الحكومة إغلاق المحال التجارية والمراكز التجارية والمنشآت الترفيهية والمقاهي والكافيهات عند التاسعة مساءً، وهو قرار لا يطال فقط شكل الحياة العامة، بل يهدد بصورة مباشرة مصادر رزق ملايين المصريين المرتبطين بهذه الأنشطة، سواء من أصحاب المشروعات الصغيرة أو من العاملين فيها، ممن تقوم دخولهم على حركة السوق المسائية وما تدره من عائد يومي.

وفي بلد اعتاد أن يكون الليل فيه امتدادًا طبيعيًا للحياة الاقتصادية والاجتماعية، لا تبدو السهرة مجرد مساحة للترفيه، بقدر ما تمثل ذروة النشاط بالنسبة لقطاعات واسعة من الاقتصاد الشعبي، ومن ثم، فإن فرض الإغلاق المبكر لا يعني ببساطة تقليص ساعات العمل، بل يترجم عمليًا إلى حرمان عدد كبير من المتاجر والمحال ودور السينما والمسارح والأنشطة الترفيهية من أكثر الفترات ربحية، وهو ما ينعكس مباشرة على الإيرادات والأجور، ويفاقم الضغوط الواقعة أصلًا على أوضاع معيشية شديدة الهشاشة.

في الوقت الذي تمضي فيه الحكومة المصرية نحو خفض فاتورة استهلاك الطاقة، تتكشف على الجانب الآخر كلفة اجتماعية واقتصادية متصاعدة لهذه الإجراءات التقشفية، إذ تبدو التداعيات أكثر حدة على ما يمكن وصفه بـ"الاقتصاد الشعبي"

وتبرز دلالة هذه الارتدادات بوضوح فيما كشفه عضو غرفة صناعة السينما المصرية، المنتج جابي خوري، حين أشار إلى أن قرار الغلق المبكر ألحق بدور السينما، منذ يومه الأول، تراجعًا في الإيرادات بلغ 55 %، في مؤشر لا يعكس فقط حجم الخسائر التي أصابت القطاع السينمائي، بل يفتح الباب أيضًا أمام توقعات بخسائر مماثلة أو أكبر في بقية الأنشطة الفنية والترفيهية المرتبطة باقتصاد الليل.

وتزداد الصورة قتامة مع اتجاه الحكومة إلى توسيع العمل من المنزل لبعض موظفي القطاع العام أو تقليص ساعات العمل، وهي خطوات قد تبدو، في ظاهرها، جزءًا من سياسة احترازية تستهدف ترشيد الاستهلاك، لكنها تثير في المقابل أسئلة جدية حول جدواها الاقتصادية الحقيقية، وحول كلفتها الاجتماعية غير المباشرة على دورة النشاط اليومي، وحركة الأسواق، وشبكات الخدمات التي تتغذى بطبيعتها على كثافة الحركة والعمل والطلب.

وهنا تحديدًا تتجلى الكلفة الفعلية للحرب على الداخل المصري، إذ لا تُقاس فقط بمؤشرات الاقتصاد الكلي أو بحجم الضغوط التي تتعرض لها الموازنة وموارد الطاقة، بل تُترجم يوميًا في حياة المواطن العادي، الذي يجد نفسه، مرة أخرى، في مواجهة فاتورة أزمة لم يكن طرفًا في صنعها، لكنه يتحمل عبئها كاملًا، ساعة بعد أخرى ويومًا بعد يوم.

وهكذا، تثبت الأزمات الكبرى أن الحروب لا تفتك فقط بمن يخوضها مباشرة، بل تمتد نيرانها إلى الدول الأضعف مناعة والأكثر هشاشة، فحين يكون الاقتصاد مثقلًا بالاختلالات، والسياسات عاجزة عن امتصاص الصدمات، وتجد الدولة نفسها في قلب العاصفة، تدفع ثمن حرب لم تشارك فيها، من دون أن تطلق رصاصة واحدة.

كلمات مفتاحية
القمح في مصر

لماذا لم تحقق مصر الاكتفاء الذاتي من القمح؟

يأتي القمح في صدارة هذه المعادلة بوصفه العمود الفقري للأمن الغذائي المصري والعالمي

صورة تعبيرية

من سياسات تقليل الإنجاب إلى "الأطفال ثروة".. ماذا يحدث في الهند؟

على الرغم من كون الهند أكثر بلدان العالم سكانًا، بدأ صناع القرار في البلاد ينظرون بقلق إلى الانخفاض المستمر في معدل الخصوبة

صورة تعبيرية

لماذا يتصرف المسنون كالأطفال؟

رعاية كبار السن والتعامل معهم ليس بالأمر السهل، فلا يمكن حصر رعايتهم بتوفير الاحتياجات الأولية فقط، والحفاظ على جودة حياة المسن يحتاج إلى بذل مجهود مضاعف

القمح في مصر
مجتمع

لماذا لم تحقق مصر الاكتفاء الذاتي من القمح؟

يأتي القمح في صدارة هذه المعادلة بوصفه العمود الفقري للأمن الغذائي المصري والعالمي

حشوة الزومبي
الترا لايت

"حشوة الزومبي" تثير الذهول.. عندما تدخل دهون الموتى عالم التجميل

بسبب محدودية الدهون البشرية المتاحة، وصلت تكلفة بعض عمليات حشوة الزومبي في الولايات المتحدة إلى نحو 100 ألف دولار

التضامن مع فلسطين
قول

الألمان يكرهون البطّيخ

لا يحتاج اللّوبيّ الصّهيونيّ لعناء كبير لاستدراج السّواد الأعظم من النّخب السّياسيّة والفكريّة والإعلاميّة في ألمانيا حتّى ينحاز لإسرائيل

صورة تعبيرية
رياضة

هل قتلت التكنولوجيا عفوية كرة القدم؟

التكنولوجيا جعلت الحياة أسهل بلا شك، لكنها في المقابل سحبت شيئًا من التفاصيل الإنسانية الصغيرة التي منحتها روحها الخاصة، وربما هذا تمامًا ما حدث لكرة القدم أيضًا