12-أغسطس-2015

الملثم قارئاً لـ منذر جوابرة/ فلسطين

باتت فكرة أننا مجتمع لا يقرأ حاضرة كبديهية يقينية، وبات طبيعياً جداً أن يقول القائل في وصف حالتنا "أمة اقرأ لا تقرأ". لكنّ واقع الحال ليس كذلك، بل إنّ الأمر يشبه الإشاعة التي يتداولها الجميع دون أن يتأكّدوا من مصداقيتها. 

إذا كنا مجتمعًا لا يقرأ فلماذا إذًا ينشر الناشرون؟

ربما يكون الناشرون العرب هم من ينشر هذه الفكرة، ليظلّوا محافظين على يأس الكتّاب من أية عائدات ممكنة قد تدرها كتبهم. بينما هؤلاء الناشرون الشكّاؤون يواصلون نشر الكتب الجديدة، والمشاركة في مختلف معارض الكتاب العربية، فما الذي يدفعهم إلى هذا العناد والإصرار على تكبّد الخسائر لو لم يكن الأمر كذبة من اختراعهم؟

اقرأ/ي أيضًا: محمد فطومي.. قناص الشوارد

الأرقام التي تستمتع الصحافة ببثها بشكل سادي حول معدلات القراءة في العالم العربي، تقول نصف الحقيقة حين تضع القارئ العربي في مقايسة مع القارئ في إحدى الدول الأوروبية، لا سيما حين تشير بتبجيل إلى ساعات قراءة الأخير الأكثر، دون إشارة إلى أمر جوهري وحاسم، وهو ما الذي يقرؤه هذا القارئ المتفوق في بريطانيا أو فرنسا؟ ولن تهم هذه الساعات كلها حين يتعلق الأمر بقراءة الروايات البوليسية أو العاطفية، فهذه أقرب إلى التسالي منها إلى العملية الثقافية.

ورغم تعدّد أسباب ضعف الإقبال على الكتب، والتداخل السياسي والاجتماعي والاقتصادي، حيث يكون الفقر هو السبب مرّةً، وأخرى غياب البرامج الوطنية للتنمية، وثالثة الرقابة والمنع؛ رغم ذلك ثمة إشارات قوية لاستعداد مجتمعي، لا سيما لدى الشباب، للدخول في عملية تثقيف حقيقية، نراها في آراء القراء في موقع "غود ريدز"، وفي الانتشار الواسع لصفحات الكتب الالكترونية في الفيس بوك وتويتر، والاهتمام المتنامي بالروايات والدراسات الفكرية ذات الصلة بآفات ومشاكل عالمنا العربي، كما يكتب الكثير من هؤلاء الشباب على صفحاتهم الشخصية في وسائل التواصل الاجتماعي. 

ناهيك عن الابتكارات الخلاّقة التي باتت تشكّل عوامل جذب إضافية، كظاهرة الكتاب المسموع، وهي اختراع عمليّ يجعل الكتاب صالحاً لمناوشة حاسة السمع هذه المرة، وتصبح "القراءة" ممكنةً حتى لمن يقود سيارته، أو يقوم بأعمال منزلية كالطبخ وسواها. وقد صارت هناك كمية كبيرة من الروايات الكلاسيكية، وكتب التراث والدواوين الشعرية، مسجلّةً بأسلوب احترافي ومتوفرة بكثرة.

شكّلت وسائل التواصل الاجتماعية نوعًا من التفجير الحقيقي لعالم القراءة، ففي الوقت الذي فتحت فيه التجمعات الثقافية على الناس ضمن البلد الواحد، وفتحت نقاشاً عاماً على الملأ، فإنها فعلت الأمر نفسه على صعيد واسع بين مختلف البلدان العربية. 

يبدو وجود موقع مثل "غود ريدز" تعبيرًا مثاليًا عن صعود القارئ إلى المنصة، ومشاكسته الكاتب أو مشاركته

وقد أدّت هذه الجغرافية الثقافية المفترضة، والثقافة والفنون جغرافيات مفترضة أصلاً، إلى خلق فضول عريض للاطلاع على إنتاجات أدباء البلدان، وقدّم مجيء الثورات، بشكلها السلمي العاصف، فرصة للبحث في أسباب التراجع والتردي السياسيين، وإعادة قراءة التاريخ المعاصر قراءة مغايرة لما أرادت أنظمة الاستبداد أن تكرّسه، لكنّ هذه الفترة الذهبية لم تعمّر طويلاً، فقد أدى تحوّل الثورات إلى حروب، في بعض البلدان، إلى قطع هذه العملية الثقافية الطبيعية، بعدما صار القرّاء معتقلين أو لاجئين وفارين من الموت. أو إلى تحوّل، في البلدان التي تشهد توتراً سياسياً إلى ما يشبه الكمون.

على كل حال، يبدو وجود موقع مثل "غود ريدز" تعبيرًا مثاليًا عن صعود القارئ إلى المنصة، ومشاكسته الكاتب أو مشاركته. بل صار للقارئ أرشيف قوامه نصوص على نصوص متاح لمن يرغب بالاطلاع. كذلك لم يعد مهماً أن يعود المرء إلى ما كُتب من مراجعات وقراءات عن كتب معينة، من قبل صحافيين أو نقاد أو باحثين، فآراء القراء وانطباعاتهم وملخصاتهم وأهوائهم أكثر إغراءًا، وتشكل مساحة أخرى لتداول قراءة القارئ، تلك التي تتكاثر وتختلف بتكاثرهم واختلافهم، وهو ما يعبّر عن سر الكتب الأصليّ؛ اللانهاية.

اقرأ/ي أيضًا: إيمان مرسال.. الشعر في جنّة السرد