الفيضانات في تونس: تحولات مناخية وفجوات في الاستعداد والتكيّف
24 يناير 2026
تشكّل الفيضانات التي تشهدها تونس إنذارًا يكشف عن اختلال عميق في العلاقة بين المناخ والإنسان والسياسات العامة في التخطيط والتأهب والتكيّف.
فبعد سنوات شهدت موجات متتالية من الجفاف وندرة المياه، والتراجع الكبير في مخزون السدود، يواجه هذا البلد المتوسطي سيولًا جارفة وأمطار غزيرة غمرت المدن والقرى، وخلّفت وراءها خسائر بشرية ومادية جسيمة، في تناقض يكشف عن الوجه الصارخ لتغير المناخ في حوض البحر الأبيض المتوسط، الذي يُصنَّف اليوم كأحد أكثر مناطق العالم هشاشة أمام الاضطرابات المناخية.
وتأتي الفيضانات الأخيرة في تونس في سياق إقليمي ودولي أوسع، إذ تؤكد الدراسات العلمية أن ارتفاع حرارة البحر المتوسط وتغيّر أنماط الضغط الجوي أدّيا إلى إعادة تشكيل توزيع الأمطار في المنطقة، بحيث أصبحت أقل انتظامًا وأكثر عنفًا، وأن تغير المناخ يُحدث اضطرابًا متزايدًا في الدورة الهيدرولوجية، ويتمثل ذلك في تراجع المعدلات السنوية لتدفق المياه مقابل ارتفاع تواتر الظواهر المتطرفة، ما يجعل هذه المنطقة الهشة مرشحة لمزيد من فترات الجفاف الطويلة، تتخللها هطولات مطرية قصيرة وشديدة ترفع من احتمالات الجريان السطحي السريع وحدوث الفيضانات المفاجئة.
غير أن العامل المناخي على خطورته، لا يفسّر وحده حجم الأضرار، إذ تتقاطع معه مشكلات بنيوية قديمة مثل هشاشة البنية التحتية، وسوء التخطيط العمراني، وضعف سياسات إدارة المياه وإدارة المخاطر.
ما الذي حدث؟
شهدت تونس خلال الأيام الأخيرة هطول أمطار قياسية بكميات ضخمة لم تُرصد منذ أكثر من 70 عامًا في بعض المناطق، خاصة في العاصمة تونس ومناطق أخرى في الوسط الشرقي، وتجاوزت في بعض الحالات 200 – 250 ملم من الهطول خلال أيام قليلة فقط، وارتبطت هذه الأمطار بمنخفض جوي بطيء الحركة، جلب رياحًا قوية وأمطارًا مستمرة، ما زاد من حدة الفيضانات.
العامل المناخي على خطورته، لا يفسّر وحده حجم الأضرار التي حدثت في تونس، إذ تتقاطع معه مشكلات بنيوية قديمة مثل هشاشة البنية التحتية وضعف سياسات إدارة المياه
وأسفرت السيول عن وفيات وإصابات، مع استمرار البحث عن صيادين فقدوا إثر انقلاب مركبهم بسبب الأحوال الجوية القاسية، كما جرى تعليق الدراسة والخدمات في عشرات الولايات، فيما تم إجلاء مئات المدنيين من مناطق مهددة بارتفاع المياه.
وكشفت هذه الفيضانات ضعف منظومة الصرف الصحي والمجاري في المدن، إضافة إلى شبكات تصريف غير كافية في مواجهة الهطولات الشديدة، مما أدى لزيادة تجمع المياه في الأحياء المنخفضة وشل حركة النقل.
تغير المناخ الإطار الأوسع
تؤدي التقلبات المناخية الشديدة مثل موجات الجفاف الطويلة التي عرفتها تونس في السنوات الماضية، إلى هطولات غزيرة مفاجئة أحيانًا، وهو نمط يعزّزه الاحترار العالمي الذي يزيد من قدرة الجو على حمل الماء ويغير توزع الأمطار.
وبحسب تقرير حالة المناخ في أفريقيا، الصادر عن منظمة الأرصاد الجوية العالمية، تزداد حرارة الأجزاء الشمالية من القارة بوتيرة أعلى من المتوسط العالمي، مع تكرار أكبر للأحداث المناخية القصوى (جفاف ثم أمطار غزيرة)، وتخسر البلدان الأفريقية بسبب ذلك في المتوسط ما بين 2 و5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، ويحوِّل الكثير من هذه البلدان ما يصل إلى 9 في المائة من ميزانياتها لمواجهة الظواهر المناخية المتطرفة.
كما تتعرض منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط للاحترار بوتيرة أسرع من المتوسط العالمي، إذ ترتفع درجات الحرارة هناك بنسبة تقارب 20% أسرع مما يشهده كوكبنا عمومًا، وهو ما يجعلها من النقاط الساخنة للمناخ العالمي.
يؤدي ارتفاع حرارة المياه إلى تأثيرات كبيرة تتمثل في زيادة بخار الماء في الجو، ما يوفر طاقة إضافية للمنخفضات الجوية والعواصف الرعدية القوية، وزيادة احتمالات الأمطار الشديدة في فترات قصيرة، وبالتالي يفاقم مخاطر الفيضانات.
كما تتغير أنماط الهطول من جفاف مديد إلى أمطار غزيرة، وتُظهر دراسات أن التغير المناخي الناجم عن النشاط البشري قد زاد من احتمالية حدوث أمطار غزيرة شديدة التركيز في عدد من مناطق حوض البحر المتوسط، بما فيها تونس.
هذا النمط المتقلب من جفاف طويل ثم هطولات عنيفة، يزيد من شدة الفيضانات عندما تقع لأن التربة قد تكون قاحلة، مما يقلل من امتصاص المياه ويزيد من جريان السطح.
تعتمد أغلب شبكات تصريف مياه الأمطار في المدن التونسية على معايير هندسية قديمة، وُضعت على أساس معدلات أمطار تاريخية لم تعد تعكس الواقع المناخي الراهن
ولا يعني هذا أن الفيضانات حدثت فقط بسبب تغير المناخ، لكن التغيرات المناخية ترفع احتمالية تكرار وشدة هذه الأحداث، وتجعل الظروف المناخية المتطرفة أكثر احتمالًا، بما في ذلك الفيضانات بعد فترات جفاف طويلة.
مناخ جديد وبنى تحتية قديمة
تعتمد أغلب شبكات تصريف مياه الأمطار في المدن التونسية على معايير هندسية قديمة، وُضعت على أساس معدلات أمطار تاريخية لم تعد تعكس الواقع المناخي الراهن.
وساهم التوسع الحضري غير المنضبط في مضاعفة مخاطر الفيضانات، وزيادة هشاشة البلاد أمام مخاطر المناخ، إذ أقيمت المدن الساحلية والمناطق ذات التوسّع العمراني غير المنظم فوق مجاري أودية قديمة، أو في مناطق منخفضة طبيعيًا كانت تمثل مساحات امتصاص للمياه، ومع تغطية التربة بالإسفلت والخرسانة، تقلصت قدرة المدن على امتصاص مياه الأمطار، فتحولت الشوارع إلى قنوات سيول، والمنازل إلى نقاط تجمع للمياه، ومن المتوقع زيادة احتمالات الفيضانات الكارثية عشرة أضعاف بحلول منتصف القرن إذا لم تُعالج الثغرات الهيكلية في البنية التحتية.
يشير المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية في بيان إلى أن "شبكات تصريف مياه الأمطار والصرف الصحي باتت مهترئة ولم تشهد توسعة حقيقية منذ ثمانينيات القرن الماضي، رغم التوسع العمراني الكبير، كما أن غياب الصيانة الدورية وتراكم النفايات داخلها يساهمان في انسدادها، ممّا يؤدّي إلى فيضانها في الطرقات".
بهذا المعنى، تكشف الفيضانات المتكررة أن الأزمة ليست فقط في "كمية المطر"، بل في كيفية بناء المدن وإدارتها في زمن لم يعد فيه المناخ ثابتًا أو متوقعًا.
من خطر طبيعي إلى فشل مؤسسي
تكشف الآثار الكارثية للفيضانات في تونس أن المشكلة لا تكمن فقط في شدة الظواهر المناخية، بل في قدرة الدولة ومؤسساتها على إدارتها والتكيّف معها.
ويشير البيان الصادر عن المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية إلى غياب سياسات بيئية ومناخية جديّة وناجعة، قادرة على مجابهة التحديات الراهنة، ويؤكّد أن الفيضانات الأخيرة ليست "قضاءً وقدرًا" فحسب، بل هي نتيجة مباشرة لسياسات عمومية قاصرة وتراكم سنوات من الإهمال وسوء التخطيط العمراني.
كما تشير تقارير البنك الدولي إلى أن العديد من الدول، ومن بينها بلدان جنوب المتوسط، تمتلك استراتيجيات وخططًا وطنية للتكيف مع تغير المناخ، لكنها تعاني فجوة واضحة بين الالتزام السياسي المعلن والتنفيذ الفعلي على مستوى القطاعات المحلية والبلديات، لا سيما فيما يتعلق بالتدخلات في السياسات الاقتصادية والمالية، ومتابعة وتقييم الإجراءات لتعزيز المرونة المناخية.
تكشف الآثار الكارثية للفيضانات في تونس أن المشكلة لا تكمن فقط في شدة الظواهر المناخية، بل في قدرة الدولة ومؤسساتها على إدارتها والتكيّف معها
وغالبًا ما تبقى سياسات التكيّف حبيسة الوثائق، دون أن تُترجم إلى استثمارات فعلية في إدارة الفيضانات، وتحديث شبكات التصريف، أو تطوير نظم إنذار مبكر فعّالة.
أحد أوجه القصور الرئيسية يتمثل في تشتت المسؤوليات المؤسسية، إذ تتقاسم وزارات وهيئات متعددة صلاحيات إدارة مخاطر الفيضانات، دون وجود إطار حوكمة موحّد يضمن التنسيق وتبادل البيانات واتخاذ القرار السريع.
في هذا السياق، لا يمكن فصل الفيضانات عن جودة الحوكمة البيئية، فالمناخ المتغير لا يصنع الكارثة وحده، بل يكشف حدود الإدارة العامة عندما تكون السياسات مجزأة، والتمويل غير كافٍ، والتخطيط الحضري منفصلًا عن الحقائق المناخية الجديدة.