الفيتو الأميركي.. حماية لإسرائيل وعجز للنظام الدولي
19 سبتمبر 2025
لم يكن الفيتو الأميركي في مجلس الأمن، مساء أمس الخميس، مفاجئًا بقدر ما كان تكريسًا لمعادلته الثابتة منذ اندلاع حرب غزة: دعم غير مشروط لإسرائيل، حتى لو وقف العالم بأسره في الجهة الأخرى.
أربعة عشر عضوًا أيّدوا مشروع القرار الذي طالب بوقف فوري ودائم لإطلاق النار وضمان وصول المساعدات الإنسانية، لكن صوت النقض الأميركي وحده أسقطه.
يعكس هذا الفيتو، السادس منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، ثبات الموقف الأميركي أكثر مما يعكس عزلة إسرائيل الدولية.
وقد برّرت المندوبة الأميركية، مورغان أورتاغوس، الموقف بلهجة حاسمة اعتبرت أن النص "يساوي بين إسرائيل وحماس" ولا يقرّ بحق تل أبيب في الدفاع عن نفسها، ويتجاهل مصير الرهائن المحتجزين منذ أكثر من 700 يوم.
بالنسبة لواشنطن، كما أوضحت أورتاغوس، فإن أي صياغة لا تنطلق من إدانة حماس ومنح إسرائيل شرعية عملياتها العسكرية تبقى غير مقبولة، وهي معادلة تُفهم جيدًا في تل أبيب، حيث يدرك قادتها أن الدعم الأميركي ما زال شبكة الأمان الأخيرة وسط عاصفة الضغوط الدولية.
المواقف المتباينة
في النقاش داخل مجلس الأمن بدت المواقف شديدة التباين، تعكس انقسامًا دوليًا عميقًا حول حرب الإبادة في غزة.
فقد اعتبر السفير الإسرائيلي داني دانون أن مشروع القرار ليس سوى "دعاية لحماس"، متهمًا النص بتجاهل "مذبحة 7 أكتوبر" وتجاهل مطلب نزع سلاح الحركة، ومؤكدًا أن إسرائيل "لن تهدأ حتى يعود كل رهينة وتُهزم حماس".
يعكس الفيتو الأميركي استمرار السياسة التقليدية لواشنطن في حماية إسرائيل داخل مجلس الأمن، حتى عندما يصوّت جميع الأعضاء الآخرين باتجاه معاكس
على الجانب الفلسطيني، عبّر المندوب رياض منصور عن "خيبة أمل عميقة" من إسقاط القرار، ورأى أن صمت المجلس "يكلف مصداقيته ثمنًا باهظًا"، داعيًا إلى نشر قوة حماية دولية ومحاسبة إسرائيل على ما وصفه بـ"مخططاتها الإجرامية".
الصين من جانبها حمّلت الفيتو الأميركي مسؤولية إضعاف فعالية المجلس، محذّرة من أن استمرار الحرب لن يجلب سوى "المزيد من الموت والكراهية".
أما روسيا فاعتبرت ما جرى "الفيتو السابع الذي يشلّ المجلس"، مؤكدة أن واشنطن تتحمل المسؤولية عن تعطيل أي حلّ متعدد الأطراف.
وفي المقابل، أيدت بريطانيا وفرنسا مشروع القرار، لكنهما انتقدتا الحملة الإسرائيلية بحدة: لندن وصفت التوسع العسكري بأنه "متهور" يبعد فرص استعادة الرهائن وإنهاء الصراع، فيما أكدت باريس أن "تجويع السكان جريمة" وطالبت بوقف الهجوم فورًا.
الموقف الأكثر حدة جاء من الجزائر، حيث بدأ السفير عمار بن جامع كلمته بالاعتذار لغزة، قائلًا: "سامحونا لأن المجلس لم ينقذ أطفالكم ونساءكم… هذا فشل أخلاقي وندبة في ضمير الإنسانية".
وفي السياق نفسه، وصف ممثل الصومال ما حدث بأنه "فشل أخلاقي ذريع"، داعيًا إلى مواصلة الجهود الدولية لوقف الإبادة وإنقاذ الفلسطينيين من الكارثة المستمرة.
الأبعاد السياسية
يعكس الفيتو الأميركي استمرار السياسة التقليدية لواشنطن في حماية إسرائيل داخل مجلس الأمن، حتى عندما يصوّت جميع الأعضاء الآخرين باتجاه معاكس.
فبالنسبة للإدارة الأميركية، لا يُعد أي نصّ مقبولًا ما لم يتبنَّ روايتها حول "إدانة حماس" و"حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها"، وهو شرط يُفرغ المطالب الإنسانية من مضمونها.
لكن النتيجة أعمق من مجرد إسقاط قرار، إذ يجد المجتمع الدولي نفسه مرة أخرى أمام مجلس مشلول، عاجز عن فرض إرادته حتى في القضايا التي تحظى بإجماع شبه كامل.
هذا التناقض بين "إجماع العالم" و"الفيتو الأميركي" لا يضع واشنطن في عزلة سياسية فحسب، بل يطرح أيضًا أسئلة حول شرعية النظام الدولي نفسه: هل لا يزال مجلس الأمن مرجعًا لحفظ السلم العالمي، أم تحوّل إلى أداة تتحكم بها دولة واحدة لحماية حليفها، ولو على حساب القانون الدولي وحقوق ملايين المدنيين؟
ما بعد الفيتو
لا يعني سقوط القرار نهاية المعركة الدبلوماسية. فمن المنتظر أن تُطرح القضية مجددًا في الجمعية العامة للأمم المتحدة خلال الأسبوع الرفيع المستوى، حيث لا وجود لحق النقض الأميركي، وإن كانت قراراتها تفتقر للإلزام القانوني.
أعلنت الدول الراعية للمشروع، وعلى رأسها الجزائر والدنمارك، أنها ستواصل التحرك لتوسيع دائرة الضغط على إسرائيل وحليفتها الأميركية.
ورغم حديث المندوب الفلسطيني عن حضور القيادة إلى نيويورك للتعبير عن "موقف الشعب الفلسطيني"، فإن هذا الخطاب لا يجد صداه في غزة نفسها. فبينما يعيش أهالي القطاع مجازر يومية، ودمارًا شبه كامل في بنيتهم الاجتماعية والاقتصادية، تبدو السلطة الفلسطينية غائبة أو عاجزة عن تقديم ما هو أبعد من بيانات وتصريحات.
يُنظر إلى هذا الحضور البروتوكولي، وفق انتقادات متكررة، باعتباره محاولة لإبقاء السلطة في دائرة الاعتراف الدولي أكثر مما هو سعي لحماية المدنيين تحت القصف. فالسلطة التي فقدت جزءًا كبيرًا من مشروعها السياسي ومكانتها بين الفلسطينيين، تبدو اليوم معزولة عن واقع غزة الإنساني، فيما يكشف التباين بين خطابات رام الله وما يعيشه القطاع من مجازر ودمار عن أزمة شرعية وتمثيل آخذة في التعمّق.
حماية لإسرائيل وانهيار لمصداقية النظام الدولي
لم يسقط الفيتو الأميركي السادس على غزة مشروع قرار إنساني فحسب، بل كشف عمق العجز الدولي. فبينما يُقتل الأطفال والنساء بالآلاف ويُحرم المدنيون من الغذاء والدواء، يظل مجلس الأمن رهينة لتوازنات القوة.
ما جرى يكرّس معادلة خطيرة: حماية أمن إسرائيل فوق أي اعتبار، حتى لو كان الثمن تجويع شعب بأكمله.
وهكذا تبرز غزة اليوم كساحة تكشف حدود فاعلية النظام الدولي، بين نصوص قانونية تُخرق على الأرض، وآليات مؤسسية تعجز عن حماية المدنيين.






