الفوهرر أبو بكر البغدادي

الفوهرر أبو بكر البغدادي

بالنسبة لداعش خارطة الشرق الأدنى برمته هي صناعة صليبية (راج كراج/Getty)

رئيس الوزراء الفرنسي مانويل فالس وغيره من السياسيين الأوروبيين استخدموا مصطلح "الإسلام الفاشي" (néologisme) لوصف تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش). ومع أن تنظيمًا مثل تنظيم داعش لا يزيد بربرية عن غيره من التنظيمات الإرهابية مثل القاعدة وبوكو حرام، إلا أنه الوحيد الذي اقترن بمصطلح "الفاشية"، وهذا أمر يثير تساؤلات عديدة. بمعزل عن هوية خصمها الحقيقي أو بنك أهدافها العسكرية، هل تحارب الطائرات الغربية والروسية تنظيمًا من المحتمل أن يتحول إلى دولة فاشية؟

في بداية العشرينيات استباحت موجة من أعمال العنف إيطاليا وساند الجيش الإيطالي الحركات الفاشية

من المستبعد أن يستخدم سياسي بوزن مانويل فالس مفردة "الإسلام الفاشي" لمجرد الوصف أو التعبير. صحيح أن المفردة فضفاضة، وأن ثمة الكثير من المفردات الأخرى التي قد تناسب داعش أيضًا، لكن ماذا لو اختار رئيس الوزراء الفرنسي هذا المصطلح تحديدًا لأنه يعرف تمام المعرفة أن الأنظمة الفاشية في أوروبا لم تولد بين ليلة وضحاها، إنما هي بدأت كحركات وتنظيمات صغيرة، ناسب توسعها عدة عوامل، أبرزها العامل الاقتصادي، وما رافقه من أعطاب سيكولوجية سببها الفقر، الإحباط والهزيمة اللذان تليا الحرب العالمية الأولى؟

تاريخيًا، للفاشية الأوروبية جذور عميقة تعود إلى النصف الأول من القرن التاسع عشر، لكن أيكون من المبالغة القول إن فاشيي القرن العشرين هم المهزومون والمغبونون؟ وأنهم أنفسهم الذين خرجوا مذلولين من معاهدة فرساي بعد انتهاء الحرب؟ 

في بداية العشرينيات استباحت موجة من أعمال العنف إيطاليا، وساند الجيش الإيطالي الحركات الفاشية التي قاتلت اليسار آنذاك، ذلك أن مبادرين إلى إطلاق تلك الحركات التي انطوت تحت شعارات وطنية وقومية كانوا من قدامى الجيش الإيطالي الذي خسر الحرب العالمية الأولى. في صفوف داعش أيضًا ضباط ومدرِّبون خدموا في جيش صدام حسين سابقًا، كما هناك ضباط سوريون منشقون، إنما بنسبة أقل. بالمقارنة مع العسكر الإيطالي، قد يكون العسكر العراقي والسوري، الذي التحق بصفوف داعش أكثر إحباطًا، فالأول، أقله، خاض الحرب، بعكس الثاني الذي همشته إيران في العراق ما بعد سقوط صدام حسين، أو همشه النظام السوري منذ انقلاب الأسد الأب. 

ركن آخر من أركان الأنظمة الفاشية، يتقن لغته تنظيم داعش جيدًا. إن الخطوة الأولى في الحرب كما هو معروف لا تكون في ساحة القتال، إنما في الإعلام والدعائية اللذين يغذيان كره الآخر. ولو دققنا في إعلام داعش ودعائيته، لوجدنا، أولًا، أنه إعلام حديث، يختلف عن إعلام تنظيمات إرهابية أخرى. الدولة الإسلامية في العراق والشام استقطبت مخرجين تعلموا التصوير والمونتاج على أحدث البرامج، كما أنها تمتلك إذاعة تبث في المحافظات التي سيطرت عليها، وقد قامت بحجب كل وسائل الإعلام الأخرى. أضف إلى ذلك أن فيديوهات القتل في الأقفاص والذبح على الشطآن ليست مجرد فيديوهات لنشر الرعب وفرض سلطتها بقوة الحديد والنار كما يعتقد الجميع، إنما في تلك الفيديوهات شيء من أصالة فكر التنظيم، الذي يرفض بشكل مطلق كل شيء يخص العالم "اللاداعشي". بقولٍ آخر، يرفض داعش كل الشرع والمواثيق الدولية، على خلافها، ويتصرف كما يريد.

داعش من هذه الزاوية مثل النازية. يبدو أنه تشرب من فلسفة جوزيف غوبلز الإعلامية الذي يُنسب له قول "كل ما سمعت كلمة مثقف تحسست مسدسي". الآخر لا يعنيه ولا يعترف به أبدًا. إن التنظيم يعيش خارج سرب الأمم المتحدة وما فيها، يعيش بعيدًا عن القوانين الدولية والمحاكم والقضاء. في المدن التي سيطر عليها ومنها الرقة والموصل، لقد وضع التنظيم أسسًا جديدة للقضاء، كما أنه شكل أجهزة أمنية، افتتح المحاكم والإدارات. إن التنظيم، بحد ذاته، نوع من الإمبريالية، غير الخجولة، تعمل ضمن أطرها الخاصة وقوانينها الخاصة ولا يكترث لما يقال عنه.     

حتى الآن يمتلك داعش الإحباط المناسب في المجتمع السني العربي وغير العربي بشكل متفاوت

حتى الآن يمتلك داعش الإحباط المناسب في المجتمع السني العربي وغير العربي بشكل متفاوت، وتناسب التنظيم تلك الحالة من الإحباط لأنه من دونها لن يجد غزارة في موارده البشرية. لكنه يمتلك أيضًا المواد الأولية والمصادر المادية. ذلك إن التنظيم الذي أمن موارده البشرية في الوسط السني، وفكره القتالي في الوسط العسكري سيطر على آبار النفط وتقدم باتجاه الأنهار ليؤمن المياه الحلوة التي سوف تُصنف قريبًا جداً كمورد "نادر". 

بالمقارنة مع القاعدة أو غيرها من التنظيمات الإسلامية الأخرى، لا تبدو استراتيجية الدولة الإسلامية استراتيجية مجموعة من الرعاع، يفجرون سفينة أمريكية تصطاد سمك التونا، ثم يهللون ويحتفلون بتدمير الشيطان، ليعود العناصر إلى جحورهم لاحقًا، فيأكلون علب التونا المعلبة عند الإفطار. ضف إلى ينابيع الطاقة رأس مال التنظيم. وهذا سؤال يقض مضجع الجميع: كيف يدير داعش ثروته التي تقارب الملياري دولار؟ ومن هم المتواطئون في تصريف ثرواته النفطية؟ وهل النظام العالمي، كنظام مؤلف من مجموعة دول، عاجز عن إيقاف تلك التجارة؟ لا نبالغ إن قلنا إننا دخلنا في عصر تراجعت فيه الدول أمام المصارف والشركات متعددة الجنسيات.

اقرأ/ي أيضًا: كيف تموّل داعش؟

لو دققنا في هذه الأركان، (السيكولوجي، الإداري، العسكري، الإعلامي والإقتصادي) لوجدنا أن الدولة الإسلامية في العراق والشام تتحكم بها. وثمة هناك وجه آخر للشبه بين التنظيم والفاشية، يتعلق بالتسلسل الهرمي. في العقيدة النازية، كان "الفوهرر" فوق جميع الألمان، وكان الشعب الألماني فوق غيره من الشعوب، والسبب هنا عرقي. في داعش أيضًا، الخليفة فوق الجميع، ثم يليه الأمراء وقادة الجبهات، وصولًا إلى المقاتلين العاديين الذين هم فوق الشرائح والطوائف الأخرى. الفارق إذن يكمن في أن الفاشية اختارت العرق، مع التذكير بأن النظرية العرقية انطلقت من القارة العجوز لا من مكان آخر، وقد نتساءل عن رديف لها في فكر التنظيم.

اقرأ/ي أيضًا: "دابق".. إلى العالمية!

إذن، لا ينقص تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام اليوم سوى ركن واحد من أركان الفاشية، يرتبط بالجغرافيا. ولكن إن كانت الحركات الفاشية الأوروبية قد احتاجت إلى حدود ودولة، هل يحتاج التنظيم لها حقًا؟ معلقون في صحف أجنبية قالوا إن التنظيم لا يمكن أن يصبح دولة فاشية لأنه لا يمتلك دولة لها حدود جغرافية مرسومة. السؤال التالي يرسم السنوات القادمة: هل يحتاج داعش فعلًا إلى حدود جغرافية ليؤسس فاشيته ويبسطها؟ ربما يجدر بنا التذكير أن التنظيم لم يدَّعِ يومًا إنه يريد تغيير الخارطة السياسية الموجودة، ذلك لأنه لا يعترف بها أساسًا.

المفارقة هي أن التنظيم واليسار العربي (وغيره من الأحزاب القومية)، كليهما متفقان على السبب الذي أنتج الخارطة ولو اختلفت لغة الاثنين. بالنسبة لداعش، إن خارطة الشرق الأدنى برمته هي صناعة "صليبية"، أنتجتها اتفاقية سايكس-بيكو. بالنسبة لليسار إنها خارطة "استعمارية"، أنتجتها اتفاقية سايكس-بيكو أيضًا. وإن كان اليسار العربي لا يمتلك خارطة، لأنه لا يمتلك أصلًا أي مشروع سياسي، فإن تلك التي يعترف بها التنظيم واضحة مثل ضوء النهار، ترسمها الديموغرافيا السنية، لا في العالم العربي وحده، إنما في كل مكان. 

بمعزل عن تسمية (داعش) التي انتشرت في كل مكان، يبدو جليًا أن أحدًا لم يتبنَّ التسمية بمعناها الحرفي. الغالبية العظمى من وسائل الإعلام، مرئية كانت أم مسموعة، لا تعترف بوجود دولة لها هذا الاسم على خارطة العالم العربي، بينما الواقع يقول في كل يوم أنها هنا وأنها تقاتل. حتى الآن، ما زلنا نقول العراق، سورية، والأردن. البعض يبالغ ويقول إن داعش منتج أمريكي، وهذا القول، بعيدًا عن السياسة، يخفي شيئًا من الطمأنينة. أصحاب القول يعتقدون أن الولايات المتحدة الأمريكية يمكن أن تنتهي منه خلال أيام لو قررت القيام بذلك. في هذا التفكير شيء من التجاهل والاستخفاف. في الحقيقة، لو لم يكن عضال الكسل هو المرض الأكثر انتشارًا في المنطقة العربية لما وصلنا إلى ما نحن عليه اليوم. نأمل فقط ألا يكون في هذه القراءة أي شيء من الصحة. 

اقرأ/ي أيضًا: الفاشوسْفير.. عالم يتكلم لغة البراميل