الفن في زمن الحرب: الأعراس تعيد رسم خريطة الغناء اليمني
8 نوفمبر 2025
يطرح المشهد الفني في ساحة الغناء اليمني مفارقة اقتصادية، ففي ظل الحرب وبقاء الوضع السياسي عالقًا وتواصل الانهيار الاقتصادي بفعل الصراع الممتد الذي أنهى فعليًا أي بنية تحتية ثقافية رسمية، يزدهر جيلٌ جديدٌ من الفنانين الذين تصل أجورهم إلى آلاف الدولارات للحفلة الواحدة، وهذا المعطى يشير إلى تحولٍ جذري في نموذج اقتصاد الفن فرضه نمط مختلف، فبعد أن كان الفنان يعتمد على شركات الإنتاج رغم إجحافها وتذبذب صلة الفنانين بها، بدلاً من ذلك ازدهر الغناء في الأعراس وتوسع إلى المستوى الذي جعل "صاحب العرس" المضيف يحتل مرتبة المنتج والممول، في مقابل اسم الفنان الذي أصبح بدوره علامة تجارية تُباع خدماتها كـ "باقة ترفيه" متكاملة يحظى بها صاحب العرس وضيوفه، في حالة من التفاخر بالقدرة على دفع أجرة الفنان الأكثر شهرة والأعلى أجرًا.
هذا الاقتصاد البديل في عالم الفن يكشف كيف أصبح "العُرس" في اليمن مسرحًا للغناء يتكفل "المضيف" بدفع تكاليف الفنان ومرافقيه من الإيقاعيين ومهندسي الصوتيات والتصوير، بينما تؤدي وسائط الإنترنت ومنصّاته وفي مقدمتها "يوتيوب" دور آلية التسويق وتوفر جزءًا من التمويل والنفقات التي تضمن استدامة العاملين في هذا القطاع.
بدأ هذا النمط من الأعراس التي ارتبطت بإنعاش الفن مع انتشار صالات الاحتفالات الكبرى التي تتسع لآلاف المدعوين، بعد مرحلة انتقالية كان أصحاب الأعراس يضطرون إلى نصب خيمة فسيحة لاستيعاب الضيوف نتيجة لضيق البيوت وعدم صلاحية مساحاتها لاستقبال المدعوين. وتطور هذا النمط الذي دعم انتعاش المطربين الشعبيين بفعل الفراغ الذي خلّفه انهيار المؤسسات الثقافية الرسمية للدولة في العاصمة وغيرها من المحافظات اليمنية. لكن الأساس الذي بُني عليه هذا الاقتصاد هو غياب البنية التحتية للفن الجماهيري؛ فلا تقاليد للمسرح ولا متعهدي حفلات ولا حفلات مدفوعة ولا تذاكر، وهذا هو الواقع المهيمن. ولم تكن مؤسسات مثل إذاعة وتلفزيون صنعاء غائبة، بل كانت في الماضي القريب الراعي والمنتج الأول للأجيال الفنية السابقة. لكن الواقع الحالي زاد من تهميش الفنانين وعمّق الانهيار الكامل لأي نشاط ثقافي عام بسبب الصراع الذي لم يصل إلى نهاية. بالإضافة إلى أن البنية التحتية للفنون شبه منعدمة، والمراكز الثقافية المعدودة أُغلقت، والأهم من ذلك هو فقدان عنصر الأمان اللازم لتنظيم حفلات جماهيرية مدعومة من الدولة.
في ظل هذا الفراغ، هاجر عدد من الفنانين إلى الخارج، حيث الحفلات التي تقيمها الجاليات اليمنية في دول المهجر، تاركة الساحة الفنية في الداخل لنموذج وحيد استطاع الصمود والتكيف مع "اقتصاد الحرب" وهو الفن الذي لا يحتاج سوى "قاعة عُرس". وبذلك تحول العُرس إلى جانب كونه مناسبة اجتماعية إلى بنية تحتية اقتصادية متكاملة للمشتغلين بالغناء والعزف والتصوير، وأصبحت حفلات الأعراس في صنعاء وخارجها المنصة وسوق العرض والطلب في آنٍ واحد. وفي هذا الشكل الجديد يتحمل صاحب العرس المضيف العبء ويدفع أجرة الفنان كاملة وفي المقابل يحصل الجمهور (المعازيم) على حفلات مجانية. السؤال الاقتصادي الأهم هو: لماذا يقبل المضيف دفع مبالغ طائلة في ظل اقتصاد منهار؟ الجواب يكمن في أن العائد على الاستثمار ليس ماليًا، بل اجتماعي، وفي مقابل الشعور بالوجاهة لم يعد أجر الفنان المرتفع عبئًا بقدر ما أصبح ميزة بحد ذاتها للتفاخر. لأن دفع مبلغ ضخم لفنان مشهور هو إعلان صريح عن القوة المالية للمضيف، إلى حدّ أن المجتمع في اليمن يتداول عبارة مفادها أن الفنان بمفرده صار يكلّف صاحب العرس أكثر مما يمنحه للعروسة. وأدى هذا التفاخر إلى بروز آليات دفاع مضادة، مثل الإقبال على حفلات الزفاف الجماعي كوسيلة للهروب من سباق الوجاهة.
بدأ هذا النمط من الأعراس التي ارتبطت بإنعاش الفن مع انتشار صالات الاحتفالات الكبرى التي تتسع لآلاف المدعوين
وبالعودة إلى بورصة الأعراس في صنعاء يجد المتابع أن الأعراس تحولت إلى سوق تُحدد فيه أسهم الفنانين بناءً على نجاحهم في فرض الأجر الأعلى بجانب مستوى حضورهم في عالم الإنترنت ومنصاته. السمة الأبرز لهذه البورصة هي تسعير الأجور بالعملة الصعبة وفصلها تمامًا عن الاقتصاد المحلي المنهار. فبينما كانت الأجور حتى العام 2018 تدفع بالريال اليمني، وتُقدر في حدود 400,000 إلى 600,000 ريال لكبار الفنانين، شهد العام 2024 قفزة هائلة وتحولًا كاملًا للدفع بالدولار الأمريكي أو الريال السعودي. أما الأرقام المتداولة حاليًا فتشير إلى أن أجور فناني الصف الأول (مثل حمود السمه أو أصيل أبو بكر) تتراوح ما بين 3000 دولار إلى 5000 دولار للحفلة الواحدة، وقد تصل أجور فناني الصف الثاني إلى 1500 دولار. ومن الناحية العملية أصبح أجر الفنان في كثير من الأحيان أغلى بالفعل من تكلفة استئجار صالة الفرح نفسها. لكن هذا النظام الاقتصادي أسهم في ولادة الجيل الجديد من النجوم؛ على رأسهم أسماء باتت معروفة مثل حمود السمه، حسين محب، أصيل علي أبو بكر، ومحمد نبيل، وهؤلاء بنوا نجوميتهم بشكل أساسي في جلسات الأعراس التي تمثل المسرح الشعبي والجماهيري الوحيد المتاح، وأسهموا بدورهم في تحويل المناسبات الاجتماعية إلى بنية متكاملة لصناعة النجوم.
ولمنصة يوتيوب وغيرها من المنصّات على الإنترنت دور كبير بعد أن حلت محل شركات الإنتاج التقليدية، وتولت كثير من القنوات على يوتيوب مهمة "الإنتاج والتوزيع"، وبذلك لم يعد العُرس في صنعاء وما حولها حدثًا خاصًا ينتهي بانتهاء ليلة السمر ومغادرة الضيوف، بعد أن أصبحت أغاني الفنان المدعو تمثل المادة الخام لإصدار فني عام يجد طريقه للتوثيق والانتشار والوصول إلى القاعدة الشعبية للفنان عبر الإنترنت. وبالتالي تُعامل جلسة العرس معاملة الألبوم، وبدوره أصبح المضيف يدفع لتوثيق عرسه بجودة عالية وتقديمه ضمن أحدث إصدارات الفنان الذي أحيا العرس. ويلعب "الترند" وعدد المشاهدات على يوتيوب دورًا إضافيًا في رفع أجور الفنانين وتحديد القيمة السوقية للفنان. أما أرباح يوتيوب من المشاهدات داخل اليمن فإنها بحسب المختصّين شبه معدومة بسبب انخفاض الإنفاق الإعلاني، لكن عائد الإعلانات للمشاهدين في البلدان التي يتركز فيها اليمنيون في المهجر تحدث الفارق، وعلى وجه الخصوص في الولايات المتحدة والسعودية، ما يجعل من المغترب اليمني الذي يشاهد الإعلان عالي القيمة يساهم في رفع جودة إنتاج قنوات الأغاني اليمنية ورفع أسهم الفنانين وأجورهم في صالات الأعراس، فيدفع المضيف أجرًا أعلى ليضمن أن عرسه سيكون "الترند" القادم في أوساط اليمنيين الذين يشاهدون حفلات الأعراس والفنانين الذين يفضلّونهم عبر الإنترنت.
لكن هناك ضريبة يدفعها فن الغناء في صنعاء، لأن طبيعة الغناء في صالات الأعراس تقتضي إسعاد المدعوين بحلبة رقص تصاحب الغناء، ما يجعل المطرب ينتقي أغانٍ مفصلة لحلبة الرقص على حساب تطوير الأغنية ومغادرتها للإيقاعات الأزلية المرتبطة بالرقص الرتيب وطبيعة ما يتوقعه الجمهور الضيف الذي يحضر حفلات الأعراس ليتعاطى فيها مثل غيره نبتة "القات" المشهورة في اليمن بمناسبة وبدون مناسبة.
من هُنا يمكن القول إن حفلات الأعراس في اليمن تسهم في استمرار هيمنة الإيقاعات المتوارثة على الألحان ومنح الأولوية للإيقاع الراقص أو الاعتماد على نمط "الميدلي" الذي يدمج أغانٍ عدة في مقطع راقص واحد متصل يأخذ من كل أغنية "المقطع الراقص" فقط، ويزيل من ذاكرة الجمهور الأغنية الأصلية. ومع ذلك خدمت حفلات الأعراس نجومية الفنانين وأنعشت أجواء الفن والغناء في اليمن، وأعلت من مكانة الفنان في وجدان الأجيال الجديدة، وأظهرت أن الساحة الفنية في اليمن قادرة على التكيف مع كل المراحل والحفاظ على صِلة بالجمهور.







