الفن تحت قبضة الأخ الأكبر في مصر

الفن تحت قبضة الأخ الأكبر في مصر

من حفلة سابقة لفرقة عمدان نور (فيسبوك)

شرعنة التحكم بالفنون، هذا ما يمكن أن يقال عن الإجراءات القانونية الجديدة التي قررت الدولة اتخاذها في سبيل التحكم بالحفلات الفنية أيًا كان منظموها. ذلك أن هذه الإجراءات تقيّد تنظيم الحفلات، التي كان يهرع لها الشباب ويستطيع الفنانون المستقلون من خلالها تقديم فن جديد مستقل، ليس على هوى السلطة دائمًا.

قرار السلطات المصرية بقوننة الحفلات الفنية يعدّ إجراءً أمنيًا في سبيل تقييد حرية الفن والفنانين

من المعروف أن كثيرًا من الفرق الفنية المستقلة في مصر، ظهرت بعد الثورة، وغنت للثورة، من بينها مثلًا فرقة "كايروكي" و"عمدان نور"، وفرق أخرى كثيرة كلها غنت كلمات قوية عن الثورة والمصريين والحياة اليومية في مصر.

اقرأ/ي أيضًا: حرية التعبير في مصر.. خطوات نحو تشريع الانتهاكات وتقنين القمع!

حتى قرّرت الحكومة أن تفاجئ الوسط الفني والثقافي بقرار تشكيل لجنة عليا لتنظيم المهرجانات والاحتفالات، في حالة تعدِ واضحة وغير مفهومة على المناخ الفني، دون مشاورة أو حوار مع هذا الوسط الذي سيتم تطبيق القانون عليه، كعادة القوانين في مصر.

موافقة ثماني وزارات من أجل حفلة فنية!

نشرت الجريدة الرسمية في مصر قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 1238 لعام 2018، والمعني بتنظيم إقامة الحفلات والمهرجانات، والذي ينص على "عدم جواز تنظيم أو إقامة مهرجان أو احتفال إلا بعد الحصول على ترخيص بذلك من وزارة الثقافة، عقب التنسيق مع الجهات المعنية بالدولة". ما يعني التنسيق مع ثماني وزارات هي: الخارجية والسياحة، والآثار والداخلية ووزارة الطيران المدني ووزارة الشباب والرياضة ووزارة التنمية المحلية. وسيكون هناك ممثلون لهذه الوزرارات في اللجنة الموكلة بالموافقة على الحفلات الفنية تلك من عدمه.

بناءً عليه، فإن اليد العُليا في تنظيم الحفلات الفنية والثقافية ستكون للدولة، هذا بالإضافة لوقوع الحركة الفنية بشكل رسمي، ومن خلال القانون، تحت سيف القانون وبيروقراطيته.

قوبل القرار برفض كبير في الأوساط الفنية، التي أكدت على عدم دستوريته، كونه لا يجب أن تكون هناك جهة غير فنية لها دور رقابي على أي عمل فني، وبالتالي فلا معنى مثلًا لموافقة وزارة الخارجية أو وزارة الآثار على الحفلات!

أما بالنسبة للقانون فقد تعرض بالتعريف للحفلات والمهرجانات الفنية بأنها "جميع الفعاليات الثقافية والفنية ذات الطابع الاحتفالي سواء كانت الدولية أو المحلية، التي تقيمها الجهات الحكومية أو غير الحكومية، بغرض تنمية الإبداع والحفاظ على الهوية الثقافية المصرية بروافدها الحضارية المتنوعة، وتهدف إلى تعزيز التنمية الثقافية الاقتصادية والاجتماعية المستدامة وتفعيل التبادل الثقافي بين مصر ودول العالم".

المؤسف في القانون أنه يضع يده على كل أشكال الفن خارج الإطار الحكومي، وإمعانًا في هستيريا السيطرة على الفن، يشترط القانون في أحد بنوده "أن الذي ينظم الحفلة لا بد أن يكون شركة أو جمعية، وفي حالة كونها شركة لا بد ألا يقل رأسمالها عن 500 ألف جنيه"، (30 ألف دولار تقريبًا)، وهو مبلغ لا يملكه الشباب أصحاب الفرق الفنية الصغيرة أو المستقلة، الأمر الذي يطرح تساؤلًا آخر: هل الحفلات الفنية التي تقيمها شركات لها رأس مال أصغر من المقرر بكثير تشكل خطرًا على الفن في مصر؟

التدخل الأمني سابق على القانون والآن أصبح رسميًا

التدخل الأمني في الحركة الفنية في مصر، سواء أكان مسرحًا أو فيلمًا أو حتى حفلًا فنيًا، أمر سابق على أي قوانين في مصر، فمن المعروف أن الحفلة الفنية التي لا ترضى عنها الجهات الأمنية لا يمكن أن تستخرج تصاريحها، وهناك سابقة تم حبس فيها فريق عرض مسرحية "سليمان خاطر" لادعاء إهانته للجيش. هناك أيضًا مادة في هذا القانون، تجيز للجنة الفنية اقتحام الحفلات التي يتم تنظيمها خارج إطار هذا القانون، ما يوحي بالهوس الأمني في السيطرة على الحفلات الفنية، حتى في حالة تحديه.

التدخل الأمني في الحركة الفنية أمر سابق على أي قوانين في الديار المصرية

لعل أخطر ما في هذا القانون هو أنه لا يحدد مدة زمنية لموافقة كل هذه الجهات حتى في حالة تقديم طلبات للموافقة، كما أن بنود القانون تشمل صياغات فضفاضة تجعله يتحكم في أي مهرجان فني أيًا كان توجهه.

اقرأ/ي أيضًا: مسرح مصر.. "أي كفتة في أي بتنجان"!

العاملون في مصر على شرعنة التحكم في أي صوت فني أو ثقافي مغاير لأجندة الدولة، يعملون بجهد حقيقي يُحسدون عليه، بل بطريقة تطرح تساؤلًا مهمًا وهو: هل أصبح الفن المستقل أيضًا في مصر يشكل تهديدًا لأمنها واستقرارها مثلًا؟ أم هو قمع موجه لمحتوى الرسالة الفنية التي يقدمها الفن المستقل في مصر، الذي أثبت جدراته في تمثيل الشباب وأحلامهم و طموحاتهم؟

 

اقرأ/ي أيضًا:

سليم الأنصاري وزين القناوي.. ضباط خارقون لنظام بائس

5 دروس حول السلطة نتعلمها من مسلسل "Game of Thrones"