الفنان وفنه في عدسة

الفنان وفنه في عدسة "Me Too"

يد متظاهر أثناء تجمع ضد العنف الجنسي في باريس (The Independent)

صرّحت الممثلة الفرنسية أديل هاينل في يوم 4 تشرين الثاني/نوفمبر الجاري عن تعرضها للتحرش من قبل المخرج الفرنسي كريستوف روجيا أثناء عملها تحت إدارته في فيلم الشياطين عام 2002. وقد جاءت تصريحاتها تحت عنوان "الصمت يلعب دائمًا لصالح المذنبين" في إشارةً منها لضرورة البوح وقول ما قد تم السكوت عنه، أو كتمانه حتى بعد زمنٍ طويل.

قالت الممثلة الفرنسية أديل هاينل أنها تعرضت للتحرش من قبل المخرج كريستوف روجيا أثناء عملها تحت إدارته في فيلم الشياطين 

حرّكت تصريحات هاينل الأوساط الثقافية والفنية السينمائية، وسرعان ما تحولت إلى قضية مجتمع. لم تمر على شهادة هاينل بضعة أيام حتى تبعتها تصريحات المصورة الفرنسية فالنتين مونييه في يوم 8 تشرين الثاني/نوفمبر، في جريدة "لو باريزيان"، كشفت فيها عن تعرّضها للاغتصاب والضرب المبرح من قبل المخرج البولندي الفرنسي رومان بولانسكي، الحادثة تعود لعام 1975. برّرت مونييه عدم قدرتها على التصريح بذلك الاعتداء منذ ذلك الوقت بأنها كانت تعاني من الصدمة جراء ما حدث معها، بالإضافة للشعور بالعجز. أما الدافع إلى إعلان الأمر اليوم، بعد 44 عامًا على وقوع الحادثة، فقد جاء وعلى حد قول الصحافة التي نشرت الخبر، من قولٍ للمخرج نفسه، ورد في حوار أُجري معه عن فيلمه الأخير إني أتهم، يربط فيه بين قصة الفيلم واتهامات سابقة صادرة بحقه حول اعتداءات جنسية وتعنيف جسدي، تواجهه منذ وقت طويل في الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا.

اقرأ/ي أيضًا: نقاشات "#Me_Too" الغائبة عربيًا

لم يقفل رومان بولانسكي أبواب كثيرة كانت قد فتحت في وجهه في وقتٍ سابق، بل يعود اليوم مجددًا إلى ساحة الجدال وسط أجواء من الغضب العام، ودعوات نسوية لمقاطعة أعماله بعد هذا الاتّهام الجديد الذي يلاحقه حاليًا، مترافق مع بدء عروض فيلمه الأخير "إنّي أتّهم"، الفائز بجائزة الأسد الفضّي ـ لجنة التحكيم، لمهرجان البندقية السينمائي في شهر سبتمبر/أيلول من هذا العام.

لاقت دعوات مقاطعة الفيلم أصداءً بين المهتمين بقضية بولانسكي، وعليه تم إلغاء العرض الافتتاحي للفيلم في سينما Le Champo يوم 12 من الشهر الجاري، وتتابعت اعتذارات أبطاله عن إجراء حوارات ترويجية عنه، وانطلقت دعوات إلى إيقاف عروضه في جميع دور العرض أو مقاطعتها.

عودة حملة Me Too

تتالي الأحداث السابقة دفع حملة "Me Too" الأمريكية إلى الواجهة، وأعاد التذكير بواحدة من أكثر الحملات النسويّة جماهيريةً وشهرةً في العالم. وضعت  "Me Too"مسألة التحرش الجنسي والعنف ضد المرأة في إطار جديد وألقت الضوء على مسؤولية المجتمع والأفراد أمام مثل هذه الانتهاكات، وأتاحت لقضية التحرش الجنسي فرصة للوجود في المجالات العامة، السياسية والحقوقية، فصار يمكن الإدلاء بشهادات وتقديم شكاوى ضد أي حالة عنف جنسي أو تعنيف منزلي تتعرض له المرأة.

اليوم تعود "Me Too" لكن بنسخة فرنسية وفي مجال أكثر إشكالية وهو مجال الفنون والثقافة، لتفتح الباب أمام قضايا التحرش والعنف الحاصلة في الأوساط الفنية والمسكوت عنها لأسباب عديدة. الأهم من عودة الحملة بحد ذاتها، هو ما حرّكته تلك التصريحات في مياه الأجواء السينمائية والثقافية التي لم تطرح منذ زمن طويل الأسئلة الضرورية حول مكانة المرأة في العمل وسؤال المساواة بين النوعين، وبشكل خاص سؤال حقوق المرأة في مجال العمل السينمائي وحريتها الشخصية. فصار بإمكاننا التنبؤ بما يشبه الالتزام الملموس في المؤسسات السينمائية، الفنية والثقافية عمومًا اتجاه كل حوادث التحرش والعنف الجنسي. ويمكننا التفاؤل أيضًا بأن مسار الموضوع سيتغير من وعي شخصي للضحية ويصبح ملك الوعي العام الذي يكشف ويقرر ويحاكم.

لكنها على الرغم من ذلك أعادت طرح سؤال محاكمة الفنان وتأدية دينه الأخلاقي أمام المجتمع، ووضعت تلك الأحداث سؤال قيمة العمل الفني أيضًا أمام سؤال احترام الآخر. لنعود ونسأل مرة جديدة "نحاكم الفنان أم نحاكم أعماله؟".


 الممثلة الفرنسية أديل هاينل 

طرحت صحيفة اللوموند الفرنسية منذ أيام تساؤلًا يقول: "هل يمكننا مشاهدة أعمال رومان بولانسكي اليوم كأعمال فنية كما هي عليه؟"، سؤال مثل هذا إشكاليّ جدًا، ولا تمكن الإجابة عليه بالرفض أو الإيجاب، وقد يكون من غير المجديّ النظر إلى مجمل أعماله اليوم في الوقت الذي طُرحت فيه قضية انتهاك وتحرش، غير أن هناك الكثير من الأعمال الفنية صاحبة القيمة والشأن التي من الممكن أخذها بعين الاعتبار، عمل عليها أصحابها دون المساس بكرامة وحرية الأخرين. ما نقصد قوله بأنه قد يكون من المجدي اليوم، ترك سؤال القيمة الفنية وعدم التطرق له في حال كان الفنان نفسه مدان ومتهم ولم تثبت براءته بعد.

بين الفنان وأعماله، العديد من المستويات التي يجب أن نفكر بها قبل طرح السؤال، والأهم من ذلك هو المحاسبة والمحاكمة الإنسانية، والوقوف إلى جانب الضحية ومناصرتها، واعتبار ذلك الفنان، إنسان ارتكب خطأ بحق غيره، ووضع الاعتبارات الأخرى على الجانب. أمّا العمل الفني فيجب مقاربته مع أعمال فنية أخرى من جنسه وطبيعته للوقوف عند قيمته، وذلك لتخليص العمل الفني من لعنة اسم صاحبه، وتلقيه كعمل يتحدث عن كذا، عوضًا عن عرضه على أنه عمل فلان. على سبيل المثال لما لا نقارن عمل بولانسكي الأخير مع أعماله السابقة أو يمكن مقارنته مع أعمال تاريخية أخرى تناولت ذات القضية، وهنا يمكننا الوقوف عند قيمته الفنية الحقيقية. ولكن ما قد نراه إشكاليًا في كل ذلك هو أن الفنان المدان يعبر عن مظلوميته من خلال حكاية فيلمه كما جرى مع بولانسكي وما قاله في التصريح الأخير، وهو السبب ذاته الذي دفع مونييه لاتهام بولانسكي. وعليه فقد تكون المقاطعة في تلك الحالة خير الحلول.

هل يمكن الادعاء على شخصية في رأس الهرم؟

قبل كل هذه الاتهامات وتصريحات بفترةٍ قصيرة، طفت على سطح الأخبار الفنية قضية أسطورة الغناء الأوبرالي الشهير بلاسيدو دومينغو، والذي أصبح اليوم شخصية غير مرغوب فيها في عالم الموسيقى الأمريكية. استقال المغني الشهير البالغ من العمر 78 عامًا يوم الأربعاء 2 أكتوبر/تشرين أول الماضي، من منصبه كمدير عام لأوبرا لوس أنجلوس (كاليفورنيا) التي كان يشغلها منذ عام 2003 بعد اتهامه بالتحرش الجنسي.

طرحت صحيفة اللوموند الفرنسية منذ أيام تساؤلًا يقول: "هل يمكننا مشاهدة أعمال رومان بولانسكي اليوم كأعمال فنية كما هي عليه؟"

أسطورة الغناء الأوبرالي في العالم، لم يعد اليوم اسمًا مكرسًا في الأوساط الثقافية والفنية العالمية، وهذا بعد أن قدمت ثماني مغنيات شكاوى حول تعرضهنّ للمضايقات من جانبه، عبر اتباع سلوك غير مناسب في العمل. الأمر الملفت للنظر في قضية المغني ليس فضح سلوكه مع النساء، إلاّ أن الملفت هو سبب السكوت وعدم البوح بتلك الشكاوى. تعتقد سبع نساء ممن تعرضنّ للمضايقة من قبل دومينغو بأن رفضهنّ له سيعود بأثرٍ سلبي على حياتهنّ المهنية. كما أشارت ست مغنيات أخريات إلى أنهن شعرنّ بالخوف من الانتقام، أو أن خطر الظهور في الأماكن العامة سيلاحقهنّ، وهذا يعود لأن دومينغو واحد من أكثر الأسماء شهرةً في عالم الأوبرا، وكما يصفه البعض، رجل في أعلى السلم، وهذا ما يدعونا للتساؤل حول الهرمية والتسلسلية في بعض الوظائف والمناصب التي يشغلها رجال يشكلون سلطة معنوية لا يمكن المساس بها. والجدير بالذكر بأن تاريخ تلك الوقائع يرجع إلى أواخر الثمانينيات من القرن الماضي، كما أن هناك شهادات مجهولة، لم ترغب المدعيات الإفصاح عن هويتهنّ لأسباب مختلفة.

اقرأ/ي أيضًا: احتجاب نوبل للأدب.. المتحرش جون كلود أرنو في الزنزانة

حكاية دومينغو ربما تدفعنا لوضع سؤال الفن أمام سؤال الحرية الفردية، وتدفع للغوص في البحث عن مهمة الفن بحد ذاته، ووضعه في مواجهة مع الأسئلة الإنسانية الملحة والضرورية. في الضفة المقابلة، هناك من دفع ثمن كونه فنانًا عبر إنسانيته، كالعديد من الفنانين الذين قتلوا أو تم نفيهم وتعرضوا للمضايقات بسبب أعمال فنية قدموها، وبذلك تكون محاكمة الفن تمر عبر محاكمة الإنسان. وعليه فقد يبدو من غير المبرر إقامة الحدود بين العمل وصاحبه، بشكلٍ خاص، إذا كان صاحب الفن هو إنسان متهم أو مدان. يجب أن تنتهي تلك الأحكام والتعميمات التي تدفعنا للتمييز بين صاحب العمل والعمل نفسه، وتخيل أن هناك فرقًا بين الاثنين في حال ارتكاب أذيّة تضر بالآخرين. لأن تحييد العمل من أجل الحفاظ على قيمته في مثل تلك الظروف هو إجحاف بحق العمل نفسه.

 

اقرأ/ي أيضًا:

مسودة في نقد النسوية

فيلم "أنا أولغا هيبناروفا": لأنني ضحية بهيميتكم