الفلوجة.. استجداء الرحيل

الفلوجة.. استجداء الرحيل

بعض النازحين لم يزورا بغداد في حياتهم قبلًا (أ.ف.ب/Getty)

ليس السفر إلى أوروبا عبر تركيا واليونان ثم صربيا وإيطاليا وصولًا إلى المكان المقصود هو ما يُكلف الهاربين. في جحيم بلاد الرافدين تُدفع أموال بالدولار الأمريكي، كما في حالات الهجرة، هروبًا من الجحيم النسبي داخل البلاد، وأحيانًا هذا يُكلفهم مبالغ أكبر.

العائلات التي تعيش تحت أزيز الرصاص وأصوات المدافع في مدينة الفلوجة، غربي العراق، لا يمكنها الخروج من هذا الجحيم، إلا بعد أن تدفع 2500 دولارًا أمريكيًا لعناصر تنظيم داعش، بينما بنصف هذا السعر، أي بـ1200$، يركب الراغب بالهجرة إلى أوروبا، زورقًا يوصله إلى حيث بلاد الاطمئنان الروحي، وإن كانت الرحلة محفوفة بمشقة ومخاطر هائلة.

يمنع التنظيم، الذي يَعتبر الفلوجة نقطة ارتكازه، خروج المدنيين منه باتجاه المناطق والقرى المجاورة ومن ثم إلى العاصمة بغداد. المدنيون هناك بعدما نفذت حيلهم أمام مكر عناصر تتمتع بقوة وسلاح ونفوذ، اضطروا إلى دفع المبالغ مقابل خروجهم من مدينتهم. عائلة أحمد الجميلي، اضطرت لقضاء 12 ساعة للوصول إلى جسر بزيبز، غرب بغداد، وهو المعبر الوحيد المتبقي لمحافظة الانبار، غرب العراق الذي يؤدي إلى العاصمة بغداد.

سرق عناصر داعش  منازل المنكوبين وجواهر النساء في الفلوجة

كان الجميلي الذي يحمل ابنته منهكًا، ولا يحمل أكثر من حقيبة صغيرة، فيها ملابس له ولأطفاله الاثنين وزوجته. رغم التعب الذي بدا على ملامحه، إلا أنه كان سعيدًا بالخلاص من تنظيم "داعش" الذي يُسيطر على الفلوجة حيث يسكن مع عائلته. حوصر الجميلي نحو عام في المدينة، وتحمّل مرغمًا سماجة عناصر "داعش" وهم يسرقون كلّ يوم المنازل في المدينة المنكوبة التي استولى عليها التنظيم منذ أكثر من عام.

ويقول الجميلي، إن "الوضع داخل المدينة مُزر.. الطعام نفد من السكّان.. لم يبق هناك الكثير يكفي لأهل المدينة، فهم بحاجة إلى مساعدات طبية وغذائية، وهناك عناصر من داعش يسعون إلى ترهيبنا وتخويفنا ومساومتنا على الانضمام لهم مقابل إعطائنا الغذاء". ويوضح أن "الجميع يُحاول الهرب، إلا أن عناصر داعش يمنعون السكّان من الهرب"، مستدركاً "لقد قتلوا عائلة بأكملها حاولت الهرب.. أوثقوا أياديهم إلى الخلف وأطلقوا الرصاص عليهم. رجلان وثلاثة نساء أعدموا قبل أسبوعين، ولم تكن باليد حيلة للدفاع عنهم".

لكن الجميلي قال أيضاً أن "الفساد استشرى في التنظيم"، ولفت إلى أن "العناصر وكأن لديهم شعور بالخسارة وباتوا يجمعون الأموال من خلال صفقات مع السكّان لتهريبهم خارج الفلوجة التي يحاصرها الجيش العراقي". 

ويضيف الجميلي أن "عناصر داعش يقصفون المنازل لإقناع السكّان بأن القوّات الأمنية لا تهتم بهم"، معقبًا "إلا أن الجميع باتوا يعرفون نوايا داعش خاصة بعد أن سرقوا أموالنا وذهب زوجاتنا". ليختم بأسى "كلّفني هروبي وعائلتي من الفلوجة 3 ملايين دينار وهي كل الأموال التي أملكها".

وفي معبر بزيبز يتجمّع ناشطون من منظمات عدّة لمساعدة النازحين القادمين من مدن الأنبار التي تشهد عمليات عسكرية واسعة، وكان الجميلي قد حظي بالترحيب على المعبر من قبلهم. تلقّف رحيم الخيكاني، وهو سائق سيارة أجرة شاب، الجميلي حين أخبره بأن ليس لديه النقود لكي يوصله إلى منطقة البنوك، شرق بغداد، حيث يسكن أقرباء له. ويقول الخيكاني "هنا في المعبر نصادف الكثير من العائلات التي لا نقود لديها ونقوم بإيصالها إلى المكان الذي تريد".

العراقيون يفرون من جحيم مغلف بديمقراطية بول بريمر. أناس يهربون باتجاه أوروبا، وغيرهم يُفكر بالانتقال إلى مكان أقل خطورة أمنية على حياته من الذي يسكنه. لا استقرار في بلاد الرافدين، والعراق لم يعد صالحًا للعيش، برأي كثيرين من أهله ومحبيه.