الفلسطيني السوري.. ذاتٌ تتشظى

الفلسطيني السوري.. ذاتٌ تتشظى

فلسطينيون من سوريا في محاولة الدخول إلى بلادهم من جبهة الجولان (أ.ف.ب)

دفعت المأساة سكان المخيمات الفلسطينية في سوريا إلى المغالاة في تمسكهم بهويتهم الوطنية، إلى درجةٍ وصلت في بعض الأحيان حدّ الإعلان عن تلك الهوية على نحو مرضيّ، في كل مرة كانوا يواجهون فيها سؤال "من أنتم؟". 

لن يستطيع الفلسطيني العودة إلى أرضه إلا عبر الرؤى السماوية الثلاث "الحلم، الشهادة، التحرير"

في الحقيقة، لا يحتج الفلسطيني على أحقية طرح الآخرين عليه أسئلةً ذات طابع بديهي، أو حتى تبسيطي، بقدر ما يحتج على خبث مقاصدهم أو حتى جهلهم. لا يزعجه القول إنه فلسطيني من مخيم اليرموك أو خان الشيح أو مخيم درعا، أو من أي مخيم فلسطيني آخر في سوريا، بقدر ما يزعجه جهل السائل بقضية اللاجئين بعد ما يقارب السبعين عامًا على نشوءها.

الفلسطيني الذي نشأ وعاش في سوريا، لا يستطيع، بل لا يعرف، أن يقدم نفسه إلا بصيغة الفلسطيني السوريّ، تلك الثنائية علامته الفارقة، لأنه يشعر في قرارة نفسه أنّه تركيب خلاقٌ من ذاتين. هو فلسطيني يشعر بأنه صاحب مهمة رسولية لا يمكن أن تنتهي إلا عند تحرير فلسطين أو العودة إليها. وهو سوري أيضًا، أو في حكمهم، كما دأبت على تعريفه الإعلانات الحكومية. كونه جزءًا صميمًا من شعب سوريا، ففيها يستطيع أن يكون صاحب بيت، وطالبًا في جامعاتها، وحالمًا بالخبز والحرية كما عامة شعبها. 

كُتب على الفلسطينيّ السوريّ، كجزءٍ من الذات الفلسطينية الكبرى، أن يعيَ نفسه كشخصٍ منذورٍ لمهام نضالية كبرى. فهو يتعامل مع فلسطين كما لو أنها جنةٌ مفقودةٌ لن يستطيع العودة إليها إلا عبر حدود الرؤى السماوية الثلاث "الحلم، الشهادة، التحرير". 

تنحدر إجابات الفلسطيني دائمًا، وعلى نحو ضمني، نحو أسئلة الهوية. ففي سؤال الهوية يتعرّف المرء على نفسه مقابل الإنسان الآخر الذي يشبهه. إنّ هوية المرء هي جميع الصفات الرئيسية التي تميز شخصًا عن آخر، وشعبًا عن سواه، بما هي تحصيل نفسي اجتماعي أنثروبولوجي. فالفلسطيني السوري، كما نظيره في القطاعات الجغرافية الفلسطينية الأخرى، جزء من سياق ذات تكونت في مجرى الصراع الوجودي بينها وبين المشروع الصهيوني.

الذات الفلسطينية تعبير عن جماعة بشرية ترفض الخضوع لمعتدٍ، هدفه الأول والأخير اقتلاعها من أرضها أو استعبادها. وهي إذْ تعي مصيرها المحتوم المتجسّد بالزوال تقاوم بكل ما أوتيت من قوة. وإذ تفعل ذلك لا تبالي بحجم الثمن لأنها تفضل الموت بكرامة على العيش بذل، وإلا كيف نفسر هذا السرب الطويل من الشهداء دون أن تنكسر إرادتها؟

تستدعي قيمة المقاومة قيمة الدفاع عن الحرية بوصفها صفةً ملازمةً للذات البشرية. قيمة الإنسان المقاوم تتجلّى في قيمة الاختيار بين الحرية أو العبودية، فهو إما يعمّق وجوده الإنسانيّ أو يسطّحه بناءً على ما يرجّحه. 

في المقاومة يتعرّف الفلسطيني على معنى أن يكون غيره، لذا لم يكن عبثًا أن يسمّى في مرحلة من نضاله بـ"الفدائي" الذي يموت ليمنح الحياة لجارٍ أو لأخٍ له في آخر البلاد. في المقاومة يكبِّر الفلسطيني في داخله الإنسان، فلا يمكن أن يكون معتديًا، ولا قاتلًا مأجورًا، ولا ظالمًا. لا يدافع الفلسطيني عن الأرض فقط، بل يتعلم أثناء ذلك كيف يتشارك مع غيره في صنع الحياة والخبز. المقاومة فلسطينيًا درسٌ في السياسة، واختبار دائم لحقه في إدارة المجتمع الذي يعيش فيه، وحماية حق الآخر، المختلف أيديولوجيًا، في المعتقد أو الرأي.

ما يحدث اليوم، خصوصًا للفلسطيني السوري لا يعد إلا بمزيد من التشظي لهذه الذات

تفاعل أبناء المجتمع الفلسطيني مع أحداث الثورة السورية، كلٌّ حسب قراءته للذات الفلسطينية، فمنهم من رأى أن يكون أمينًا لجوهر روح الذات المقاومة، فانخرط في جميع فعالياتها على نحو جاد، كونه رأى فيها قضية عدالة اجتماعية ومسار تحول إلى مجتمع ديمقراطي يعلي من شأن السياسة كفعل مشاركة بدلًا من ممارسات الإقصاء والتهميش، ولحظة لاستعادة جريته المستباحة التي تحول بينه وبين أن يصير إنسانًا فاعلًا. فيما انخرط البعض الآخر في الحراك السلمي بشكل أقرب إلى الفطري، ناهيك عن من هم في بعض التجمعات الفلسطينية التي تشاركت مع السوريين عيشًا مشتركًا اشتمل على مفردات حياتية، تبدأ بالمصاهرة ولا تنتهي بالمنفعة المتبادلة. هكذا ربطت تلك التجمعات مصيرها بمصير جيرانها المنتفضين، دون اعتبار إلا للجيرة وفزعة الدم ووحدة المصير، فيما انخرطت فئة أخرى في الحراك السوري لاعتبارات أيدولوجية ذات طابع ديني.

إلا أن الأغلبية الفلسطينية فضلت أن تأخذ جانب الحياد انطلاقًا من رجاحة عقل سياسية كي لا تدفع أثمانًا أكبر من طاقتها. إلا أن ذلك لم يمنعها من المشاركة في أكبر نشاط احتجاجي ضد التوظيف اللاأخلاقي من قبل النظام، والفصائل المتحالفة معه، التي حاولت في ذكرى النكسة عام 2011، نقل رسائلَ إلى "إٍسرائيل"، ممهورةٍ بدماء شابات وشبان المخيمات، تتلخص في التلويح بفتح جبهة الجولان المغلقة منذ قرابة 40 سنة. 

لم تفلح المخيمات في تجنُّبِ المصير الذي آلت إليه، رغم كل أشكال الحياد التي حاول بعض أبنائها اتخاذه، فقد تناسوا أنّ المخيمات والتجمعات الفلسطينية المتناثرة ليست غيتوات معزولة عن محيطها الجغرافي، بل هي جزء لا يتجزأ من النسيج السوري، ولعل بلاغة الاندماج الفلسطيني السوري تتجلّى في أنّ عنف النظام لم يميّز بين حمص ومخيمها، أو درعا ومخيمها، فهو تعامل مع كل المناطق بسياسية الأرض المحروقة.

دفع الفلسطينيون على نحو ما أثمانًا باهظة تراوحت بين القتل والاعتقال والاختطاف والتشرد مرة ثانية، ولعل ما يحدث اليوم هو نوع من تكثيف إعادة إنتاج لنكبة عام 1948، فحيث كان على فلسطينيي الأمس أن يعبروا من أرضهم إلى البلدان الشقيقة المجاورة، بات على فلسطينيي اليوم أن يعبروا ما لا يقل عن ست دول ليصلوا إلى بر الأمان في مخيمات أوروبا.

إذا كانت فلسطينية الفلسطيني في ما مضى تتركز على فكرة الثورة والمقاومة، وجاء تعثر المسار الفلسطيني الذي أفضى إلى أوسلو بمثابة ضربة في صميم هذه الروح، فإن ما يحدث اليوم، خصوصًا للفلسطيني السوري لا يعد إلا بمزيد من التشظي.