الفرح الغائب عن حياة السوريين

الفرح الغائب عن حياة السوريين

أطفال سوريون ينتظرون العلاج بعد قصف لمنطقتهم بالقرب من دمشق 21/12/2014 (Getty)

 

"انسرق الفرح منا"، بهذه العبارة تصف "وردة" السورية المقيمة في ألمانيا حال السوريين اليوم، بعد ما يقارب خمس سنوات من حرب متواصلة، وتتفق معها "راما" التي تقول إن الحزن بات لا يفارق السوري حتى في مناسبات يفترض أن تحمل الفرح، كالزواج أو الولادات.

 صارت اللقاءات العائلية أقل، إذ انشغل الجميع بتفاصيل الحياة الصعبة تحت الحصار

ويبدو أن ما حملته هذه السنوات من قتل ودمار وتشريد، انعكس بوضوح في شكل العلاقات والمناسبات الاجتماعية لدى السوريين عامة، ممن يعيشون في مناطق تسيطر عليها قوات النظام أو فصائل المعارضة، ممن لا يزالون داخل سوريا أو من لجؤوا إلى دول الجوار وأوروبا.

عليا -سبعة وثلاثين عامًا- تعيش مع ولديها بين دمشق وحمص بانتظار الحصول على فيزا لم شمل، حتى تلتحق بزوجها في ألمانيا، تقول: "عمومًا أصبحت العلاقات الاجتماعية خفيفة، للأسف باتت معظم اللقاءات تتم في مناسبات العزاء أو الولادة، طرفي النقيض"، وتتابع: "بالتأكيد تختلف الطقوس كليًا عند المهجرين من مناطقهم، خاصة المتضررين ماديًا، وتكاد تكون شبه معدومة، أما في المناطق التي لم تتأثر بشكل مباشر طرأت تغيرات لكنها طفيفة".

بدوره يرى أنس -خمسة وعشرين عامًا-، من مدينة الزبداني في ريف دمشق، وهو حارس بإحدى النقاط العسكرية في المدينة المحاصرة، أن هناك اختلافًا كبيرًا طرأ على حياته وعلاقاته الاجتماعية بالمقارنة بين ظروفه قبل الثورة وبعدها، ويقول: "كنت أسهر مع أصدقائي ونتسلى بلعب الورق، ويكون مضيفنا مشغولًا بتقديم الشاي والقهوة والفواكه والحلوى، أحاديثنا تدور حول عمل سنقوم به أو خلاف مع رب العمل أو التخطيط لنزهة يوم العطلة"، ويتابع مقارنًا: "أما الآن أسهر في موقعي بالنقطة العسكرية يوميًا حتى الصباح، مع المنظار وأجهزة الاتصال اللاسلكي، لا يشغلني إلا مراقبة تحركات قوات النظام، أو تشغيل أي آليات من قبلهم أو توجيه مدفعيتها باتجاهنا".
أحمد -ثمانية وعشرين عامًا- من الزبداني أيضًا، كان في سنته الجامعية الثالثة يدرس أدب إنجليزي بجامعة دمشق عند اندلاع الثورة، يتذكر حياته قبل الثورة بشيء من الحسرة، ويفتقد كثيرًا "فضاوة البال" على حد تعبيره، ويستعيد ذكرياته قائلًا: "كنت أدرس وأجتمع بأصدقائي وأهلي وأقاربي، أما الآن تفرقنا كل في منطقة أو بلد، حيث تعيش والدتي في لبنان، بينما ذهب إخوتي إلى ألمانيا وبقيت هنا في الزبداني، أعيش في الحصار منذ سنة دون أن أتمكن من رؤية أهلي".

ويتحدث "أحمد" عن اللقاءات العائلية التي كانت تجمع أسرته وأقرباءه بشكل أسبوعي، في منزل جديه، ويضيف: "كان المنزل صغيرًا لكننا لم نكن نشعر بصغره رغم كثرة عددنا، أمي وخالاتي كن يحضرن عشاء لكل الموجودين، فنتناول الطعام معًا ونسهر ونضحك، وفي نهاية السهرة يغادر البعض ويبيت البعض في منزل جدي".

كذلك يوضح "أحمد" أن همومهم وأحاديثهم اختلفت اليوم كثيرًا، فبينما كان مع أبناء خالاته يتبادلون النكات والتعليقات ويستمتعون بوقتهم معًا، صارت اللقاءات العائلية أقل، إذ انشغل الجميع بتفاصيل الحياة الصعبة تحت الحصار، فيمضون اليوم في البحث عن الحطب وعمَّا يأكلونه، ويضيف معلقًا: "إذا ما لميت حطب بتقعد بلا طبخ، هذا إذا لاقيت شي تطبخو".

يعيش "أحمد" اليوم في منزل واحد مع أبناء عمومته، ويقول: "نلتقي أحيانًا بعضًا من معارفنا، وتقتصر السهرات على شرب كأس من الشاي أو المتة، ولا تشغلنا أحاديث إلا الحصار، والتساؤل عن متى ينتهي وهل ستدخل مساعدات إلى المدينة".

ولا يختلف حال نور -خمسة وعشرين عامًا-، إذ تفرقت عائلتها، وأصبح مجرد التواصل للاطمئنان على بعضهم البعض صعبًا، وتشرح "نور" أن التواصل الوحيد المتبقي بين أفراد العائلة يتم عبر الهاتف، بالاتصال العادي أو "واتس آب وفايبر"، وتقول: "لم يعد يهمنا إلا أخبار الاعتقال أو الوفاة، كل ما عدا ذلك نحمد الله عليه، فعلى الأقل لا يزالون بخير".

وتتحدث مال الشام -خمسين عامًا- عن ذكرياتها بأسى: "أنا أكبر أخواتي، كن يجتمعن في منزلي دائمًا ونخرج معًا للتسوق وزيارة منزل أهلي، وأسهر يوميًا مع جارتي، التي ظلت رفيقتي طوال ثلاثين عامًا، واليوم بعد أن نزحنا جميعًا عن بيوتنا لا أعرف أين ذهبت ولم أعد أسمع أخبارها".

وتضيف دامعة: "أنا اليوم لاجئة في النرويج، أدفع عمري كله لأشرب فنجان قهوة مع جارتي في منزلي، فقدنا الكثير من المحبة والذكريات الجميلة، ولا أعتبر نفسي اليوم على قيد الحياة، أشتاق لأبناء عمي الذين ربيتهم بنفسي وفقدتهم خلال الثورة، إخوتي وأخواتي وأبناؤهم أيضًا كل منهم في دولة".

الأعراس فقدت فرحتها

حفلات الزواج اختلفت كثيرًا كذلك، فبينما كانت الأعراس السورية مميزة بفخامتها وحضور كثير من الأقارب والأصدقاء والمعارف، والسهرات الطويلة في هذه المناسبات، وما يرافقها من عزف وغناء ورقص ودبكة، أصبحت اليوم مقتصرة على أفراد الأسرة والمقربين، ويقام معظمها نهارًا مراعاة للأوضاع الأمنية.

الأوضاع الاقتصادية المتردية لمعظم السوريين، ساهمت إلى جانب الوضع الأمني، بإفقاد الأعراس وحفلات الزفاف رونقها وفرحتها

تتذكر "وردة" زفافها الذي لم يحضره أهل زوجها عام 2012، حيث كانوا يعيشون في منطقة محاصرة، وتقول: "لم أتخيل يومًا أن يكون عرسي بهذا الشكل، لم يتوقف الحاضرون عن السؤال عن أهل زوجي، إذ فرض الحصار على منطقتهم قبل الزفاف بأيام".

"إيناس" سورية تعيش في ألمانيا أيضًا، تؤكد كلام "وردة" قائلة: "تزوجت في 2013 بلا حفل زفاف ولا مدعوين، كان هناك نحو عشر نساء ولم تتمكن أخواتي من الحضور"، وتضيف ساخرة: "لم يحتفل بعرسي إلا الطيران والدبابات، التي لم تتوقف عن القصف".

الأوضاع الاقتصادية المتردية لمعظم السوريين، ساهمت إلى جانب الوضع الأمني، بإفقاد الأعراس وحفلات الزفاف رونقها وفرحتها، ولا يختلف الأمر في المناطق الخاضعة لسيطرة النظام في هذه الناحية أيضًا، وتشرح "سلمى -أربعة وعشرين عامًا- من السويداء، أن معظم الأهالي اتفقوا على عدم إقامة ولائم في الأعراس، والاقتصار على ضيافة بسيطة، إلى جانب التوقف عن تقديم الهدايا في مثل هذه المناسبات مع الاقتصار على المباركات، وتقول: "حتى في الصبحيات وزيارات النساء، تكتفي الجارات غالبًا بتقديم المتة، ولا يقدمن القهوة ولا الفواكه ولا الحلوى".

"راما" من مدينة حلب تعيش مع زوجها في ألمانيا، تتحدث عن تجربتها قائلة: "تعرفت إلى زوجي في بداية الثورة، واستغرق مشروع خطبتنا نحو سنة، كنت شديدة التعاطف مع ما يدور في سوريا، ومع ذلك لم أتخيل أن تمر مناسبة كهذه تعتبر فرحة العمر في حياة كل فتاة، دون أن أقيم عرسًا جميلًا ودون أن ألبس الفستان الأبيض".

وتضيف: "مع تسارع الأحداث وتصاعد الأوضاع خاصة في حلب، صرت مستعدة للتخلي عن كل شيء في سبيل الاجتماع بزوجي، وبالفعل تغاضينا عن كثير من الأشياء ولبست الفستان الأبيض لأسافر به إلى مكان إقامة زوجي، دون إقامة أي مراسم احتفال".

وتعتبر "راما" أن هناك ما هو أعمق وراء التغير الذي طرأ على الطقوس الاجتماعية بمختلف أشكالها، وهو "غياب الفرح الحقيقي من عيون وقلوب الناس" وفق قولها، مرجعة السبب إلى الخوف والقلق الدائمين جراء الوضع في البلد، وتقول موضحة: "ربما تقام حفلات وأغان وتصوير وغيرها من مراسم الاحتفال، لكن ما يستحيل رؤيته اليوم هو الفرح الحقيقي في عيون الناس".

اقرأي/ أيضًا: 

سوريا التي ليست لنا

سوريا تواصل تصدير أزمتها للعالم