الـ

الـ"فريلانسر" في مصر: ثورة على نظام العمل

يتابع معظم الفريلانسرز أعمالهم من بيوتهم (Getty)

أصحو عند السادسة والنصف صباحًا، خمسة أيام في الأسبوع. أرتب حقيبة ابنتي وأعد لها ما ستأخذه من طعام إلى المدرسة، وطقمًا كاملًا من الملابس وربما لعبتها المفضلة. ثم خمس دقائق من الغناء الناعم والاستعطاف كي تصحو رائقة. ألبسها وأسلمها إلى يد مشرفة باص الروضة. قد تلقي لي بقبلة في الهواء، إذا كان مزاجها طيبًا، أما في الصباحات الضحلة، فتعلق بصرها بي بنظرة ملؤها الابتزاز العاطفي "تتركينني ماما؟".

يعاني الـ"فريلانسر" من نظرة سلبية من الأهل، والبعض يعتبره عاطلًا عن العمل

بعد مغادرتها، أفتح جهاز الحاسوب وأبدأ العمل، في البيت طبعًا. هذه حال الـ""فري لانسرز"، أي الذين يعملون بالاستكتاب، من دون معاش ثابت. وهذه حالتي منذ عامين تقريبًا.

خمس سنوات من حياتي قضيتها في ذلك الذي يسمونه العمل الثابت، الذي يقتضي التزام الحضور في مواعيد معينة، خمسة أيام في الأسبوع من الثامنة صباحًا وحتى السادسة مساء. عملت كممثلة خدمة عملاء باللغة الإسبانية في "كول سنتر"، لمدة خمس سنوات من العمل الصعب والشاق وتحت الضغط المتواصل، الذي قد يحرمك أحيانًا من الأكل أو الذهاب إلى دورة المياه. كان العمل هو حجز فنادق ومنتجعات لعملاء إسبان. يمكنكم أن تحزروا كيف كان ضغط العمل قبل العطلات، حيث يهرع الإسبان إلى البحر أو إلى احتفالات الفنادق بالـ"كريسماس".

اقرأ/ي أيضًا: نكرهُ العمل.. يا رفيق لينين ما العمل؟

أن تكون "فري لانسر" في مصر هو أمر غير مفهوم في مجتمع لا يزال يحتفظ بكثير من الكلاسيكية في مفهوم "الموظف العامل". فهو كما قدمه نجيب محفوظ في كل رواياته وفي السينما المصرية: الرجل الذي يذهب إلى عمله صباحًا ويعود بعد انتصاف النهار بقليل. أما الـ"فري لانسر" فهو ليس حتى درجة وظيفية مفهومة وهو إنسان يجني المال ولكنه لا يذهب إلى عمله. وهو ليس راتبًا محددًا في عقد، ولا ساعات عمل إلزامية فيه.

تشاركني آلاء، وهي في الثالثة والعشرين عامًا، الحالة نفسها. فهي تعمل باحثة في العلوم السياسية وتدرس الـ"ماجستير"، وتكتب لعدة صحف ومواقع. تقول آلاء، في مقابلة مع "ألترا صوت": "من مميزات العمل عن بُعد، مرونة مواعيد التسليم، الحرية في أن تعمل شيئًا تحبه، وأنك قد لا تضطر أن تتورط في مواصلات للعمل قد تكون مكلفة". أما العيوب فهي الصعود والهبوط في زخم العمل، كما أشارت إلى أن "الفريلانسر"، قد يتعرض لعملية نصب فليس هناك عقد يضمن حقوقه، كما أنه يمكن تسريحه في أي وقت. وتوضح أن الناس حين يسمعون أنها تكتب في أماكن لها ثقلها سواء في صحف أو مواقع ذات "اسم كبير" تتغير معاملتهم تمامًا.

والدتها كانت واحدة من هؤلاء الذين يرون أن الموضوع لا طائل منه، لكنها في النهاية حين رأت تفاعل الناس مع كتاباتها بدأت تعاملها بشكل أفضل. المشكلة أن هذا الوسط تحكمه الشللية والوساطة والعلاقات، وأن الأرشيف الذي قد يحوي العمل قد ينتهي إذا تم إغلاق المواقع وهذا أمر وارد.

معظم الـ"فريلانسرز" يبحثون عن أمان وظيفي خارج قيود الدوام الثابت

أحمد ( 22 عامًا)، أيضًا يتفق مع آلاء، في "انعدام الأمان" وأن "الأهل" يرون أنه عاطل وأنهم يتمنون له وظيفة ثابتة. أما أحد أهم العناصر المتحكمة في عمله فكانت الـ"ترافيك"، الذي يجعله أحيانًا يتقيد بالتطرق لمواضيع معينة تهم الناس دون غيرها. أما آية (26 عامًا)، فتعمل من البيت كطاهية بنظام الـ"أوردر" (خدمة الطلبات). تقول، إنها لم تتخيل في حياتها أبدًا أن تعمل في هذا المجال، إلا بعد تشجيع صديقاتها لها. حتى أصبح لها عملاء، "المشكلة أن ارتفاع الأسعار أصاب العمل بالركود"، تقول بحزن، ثم تضيف: "لكني لا أريد العودة إلى العمل الثابت أبدًا. لا أزال غير مضطرة لهذا".

أم عادل، طاهية من مبادرة "سوريا الأهل"، لدعم السوريين العاملين في مصر. وفدت أم عادل إلى مصر في العام 2012 من حلب، ولم تكن تعمل من قبل. تقول لـ"ألترا صوت"، إنها كانت ربة منزل. و"كان معي من تطهو وتنظف لي". وكان زوجها يعمل مقاولًا، "كانت العيشة بخير"، وفق ما تعلق، مشيرة إلى أن قدومها إلى مصر، لاجئة مع عائلتها، اضطرها إلى افتتاح مطعم للمأكولات السورية ككثير من السوريين.

اقرأ/ي أيضًا: العمل التطوعي في الأردن.. بأعين شبابه

 تقول: "عملنا في أشد الظروف صعوبة وقسوة. في حظر التجوال والاضطرابات الأمنية لكي نأمن ظروفنا المادية لكن العمل باء بالفشل وخسرنا كل أموالنا تقريبًا"، واضطرت أن تعمل من المنزل حتى تغطي تكاليف الإيجار، فهي تطهو بنظام الأوردر، ولكن أيضًا بعد موجة ارتفاع الأسعار أصيب عملها بنكسة. أما أولادها فهم ثلاثة شباب يعملون ويدرسون. تقول أم عادل بمرارة: "ابني يعمل اثني عشر ساعة يوميًا، وهو غير قادر على الجمع بين الدراسة والجامعة، والصغير غير قادر على التكيف مع المدرسة".

الأمان الوظيفي من أهم عوامل نجاح أي مؤسسة أو قطاع أعمال، فإذا شعر العاملون في أي مؤسسة بانعدام الأمان الوظيفي فإن ذلك ينعكس على إنتاجية تلك المؤسسة ونجاحها حتى وإن كانت تضم كفاءات عالية ومتخصصة في مجالها.

الموظف الذي لا يشعر بالأمان أيضًا هو مشروع "باحث" عن عمل، وهذه النقطة تحديدًا تجعل طاقته تتسرب منه في منافذ أخرى. المشكلة الحقيقة أنه مع الظروف الاقتصادية العالمية والاضطرابات الاقتصادية فإن نسب الأمان أيضًا لا تتوفر بشكل كامل في الوظيفة الثابتة. فتتحول الحياة إلى "ماراثون" بحث عن عمل يجعل الـ"فري لانس" على كل مساوئه أفضل، في مساحات معينة، رغم المخاطرة التي تحيط به.

اقرأ/ي أيضًا:

كيف تنجح في العمل كـ"فريلانسر"؟

"قانون السوق".. مأساة عاطل عن العمل