الغموض يلف المشهد السياسي في الجزائر

الغموض يلف المشهد السياسي في الجزائر

تسعى مجموعة الـ19 لمقابلة بوتفليقة وإبلاغه بالتطورات الخطيرة في البلاد(فاروق بعطيش/أ.ف.ب)

يحاول الخبراء والباحثون وسفراء الدول الأجنبية، مثلهم مثل كافة الشعب الجزائري، فهم ما يجري في الجزائر وسط تخوف على مستقبل البلاد، في ظل الأحداث المتسارعة التي تعرفها على جميع الأصعدة، منذ الانتخابات الرئاسية الأخيرة، التي فاز فيها عبد العزيز بوتفليقة بعهدة رابعة شهر نيسان/أبريل 2014، رغم مرضه وظهوره على كرسي متحرك.

تشهد الجزائر اليوم صراعًا حادًا بين السلطة والمعارضة، أبرز ملامحه الاشتباكات الأخيرة بين النواب بسبب تمرير قانون المالية لسنة 2016

ومع الإعلان عن نتائج الانتخابات، التي أثارت الكثير من الجدل بانسحاب مترشحين وخروج معارضين في مظاهرات وما صاحبها من دعاية إعلامية ساخنة، تسارعت وتيرة الأحداث في البلاد، بداية بتشكيك المتطلعين إلى التغيير السلمي في نزاهة النتائج وشرعية الرئيس الحالي، الذي لم يكلم الشعب منذ سنة 2012.

إثر ذلك، تطورت أزمة ولاية "غرداية" التي خلفت العديد من القتلى بسبب الصراع بين العرب المالكيين والأمازيغ الإباضيين، وخروج آلاف السكان في منطقة "عين صالح" احتجاجًا على مشروع استغلال الغاز الصخري نظرًا لمخاطره على الإنسان والبيئة، قبل أن تعلن الحكومة الجزائرية تبني "سياسة التقشف" بعد انخفاض أسعار البترول، وما صاحبها من صراع بين السلطة والمعارضة والإقالات المتتالية في جهاز المخابرات ومحاكمات الفساد، إلى جانب التهديدات الأمنية عبر الحدود. وهو ما يثير التساؤل والقلق حول مستقبل البلاد أمام ما تتسم به هذه الأحداث من تسارع وغموض. 

صراع حاد بين الموالاة والمعارضة

وتشهد الجزائر اليوم صراعًا حادًا بين السلطة والمعارضة، أبرز ملامحه الاشتباكات الأخيرة بين نواب المعارضة والموالاة داخل البرلمان منذ أسابيع فقط، بسبب تمرير قانون المالية لسنة 2016 الذي يتضمن خوصصة مؤسسات عمومية والقيام بتحويلات في ميزانية الدولة دون العودة إلى البرلمان، رغم محاولة نواب المعارضة من حزب "تكتل الجزائر الخضراء"، "العمال" "العدالة والتنمية وحركة البناء" وغيرهم تعطيل المصادقة عليه، ما دفعهم إلى تنظيم مسيرة في قاعة المجلس الشعبي الوطني، منددين بالقانون الذي جاء حسب رأيهم لـ"بيع الجزائر".

كما حاولوا الخروج إلى الشارع لتنظيم وقفة احتجاجية، وفضح تزوير التقرير التكميلي. وبعدما باءت محاولاتهم بالفشل، لجأ نحو مائة نائب في المجلس الشعبي الوطني، لمراسلة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، من أجل إسقاط قانون المالية لسنة 2016، الذي يضم مواد تسمح بخوصصة الدولة جميع مؤسساتها دون أي مراعاة للمصلحة العليا للوطن، وتتيح لفئة قليلة من رجال الأعمال نهب خيرات البلاد. 

وعلى الصعيد الإعلامي، تدور حرب كلامية بين الموالاة والمعارضة، وتبادل الشتائم والاتهامات، أبرزها تلك التي كانت بين لويزة حنون، الأمينة العامة لحزب "العمال" وعمار سعيداني، الأمين العام لحزب الأغلبية "جبهة التحرير الوطني" الذي وصفها بـ"الدجاجة" ووصفته بـ"السارق". وتأتي هذه الحرب الإعلامية امتدادًا للصراع الحاد بين السلطة والمعارضة، التي طالبت في أكثر من مرة بالإعلان عن شغور منصب الرئيس باعتباره غير قادر صحيًا على تسيير البلاد وتولي جهة أخرى مهمة إدارة شؤون الدولة، في حين أشار آخرون إلى أن صاحب هذه المهمة يكون أخ الرئيس ومستشاره السعيد بوتفليقة.

واحتدم الصراع بين السلطة والمعارضة، قبل شهرين، عندما أطلقت تسع عشرة شخصية فيما يعرف بـ"مجموعة الشخصيات الـ19"، مسعى لمقابلة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، من أجل إبلاغه بالأوضاع الخطيرة التي تعيشها البلاد، لا سيما في ظل الاضطرابات الأمنية بالحدود مع مالي وليبيا وتونس، وانحلال مؤسسات الدولة، ما يجعل مكاسب الأمة في خطر، في الوقت الذي يرتفع، بشدة، مستوى المخاطر الخارجية وتدهور الوضع الاقتصادي والاجتماعي تدهورًا خطيرًا، حسب ما جاء في رسالتهم الموجهة إلى الرئيس، التي تؤكد على أن الحلول التي تقدمها سلطات البلد، تنذر بالمزيد من هشاشة وضع الفئات الأكثر تضررًا، وتجعل سلم البلد بثرواته وإمكاناته في يد المفترسين والأجانب.

وهو الأمر الذي اعتبرته السلطة بمثابة التشكيك في قدرة الرئيس على الحكم، ما دفعها لمهاجمة المجموعة، حيث هاجم عمار سعداني هذه الشخصيات، مؤكدا أنهم يضخمون الأمر بالحديث عن مخاطر وتهديدات لا توجد إلا في أذهانهم، بينما أشار الوزير الأول عبد المالك سلال إلى رغبة هؤلاء خلافة الرئيس، من خلال تصريحه بأنه "على من يريد الوصول إلى الحكم الانتظار إلى غاية سنة "2019.

أطلقت"مجموعة الشخصيات الـ19"، مسعى لمقابلة بوتفليقة، من أجل إبلاغه بالأوضاع الخطيرة التي تعيشها الجزائر وخطورة الحلول التي تقدمها السلطات

في المقابل تصر مجموعة الـ19 شخصية، التي تضم سياسيين وثوريين وحقوقيين ووزراء سابقين، على غرار زهرة ظريف بيطاط، عضوة بمجلس الأمة ورجل الثورة لخضر بورقعة، والمجاهد عبد القادر ڤروج، والمجاهدة مريام بن حمزة وغيرهم، إلى اليوم على مطلب مقابلة الرئيس، وذلك نظرًا إلى الأحداث الأخيرة، التي شهدتها البلاد من "خرق للدستور ومحاولة الاستيلاء على صلاحيات رئيس الجمهورية"، حسب تصريحاتها. حيث أكدت أن هذا اللقاء سيكون من أجل الحصول على أجوبة عن أسئلة تتعلق بقضايا تهم مصير الجزائر، بعدما استغربوا بعض القرارات التي ترهن مستقبل الوطن والتأكد إن كان الرئيس، فعلًا، هو من اتخذها،على غرار التعيينات الأخيرة التي باشرها في وظائف سامية بالجيش والمخابرات.

فوضى عارمة في المشهد السياسي

كان الرئيس عبد العزيز بوتفليقة قد أجرى عدة تغييرات في جهاز المخابرات خلال السنتين الأخيرتين، بداية بإصدار مؤسسة الرئاسة في أيلول/سبتمبر 2013، مرسومًا يتضمن حل مصلحة الشرطة القضائية التابعة لجهاز الاستخبارات والمكلفة بإجراء تحقيقات في قضايا فساد، كما تمت إحالة العديد من الضباط على التقاعد، مثل اللواء رشيد لعلالي، المسؤول السابق عن مديرية الأمن الخارجي، واللواء مهنا جبار، القائد السابق لمديرية أمن الجيش، والجنرال شفيق، مسؤول التحقيقات الاقتصادية ومكافحة الفساد بجهاز الاستخبارات.

وخلال السنة الجارية، تمت إحالة مسؤول الأمن الرئاسي، الفريق جمال كحال مجدوب، على التقاعد، وإقالة اللواء أحمد ملياني من قيادة الحرس الجمهوري، وكذلك إنهاء مهمات اللواء علي بن داوود رئيس مصلحة الأمن الداخلي ومكافحة التجسس التابعة لجهاز الاستخبارات، قبل أن يقرر الرئيس بوتفليقة في أيلول/سبتمبر الماضي، إحالة رئيس جهاز الاستخبارات محمد مدين المعروف باسم "الجنرال توفيق" الذي ظل أكثر شخصية غامضة في الجزائر لربع قرن كامل، وتعيين اللواء "عثمان طرطاق" خلفاً له.

هذا وأثارت محاكمة الجنرال "عبد القادر أيت واعرابي" المعروف باسم "الجنرال حسان"، والذي شغل منصب رئيس مديرية مكافحة الإرهاب، التابعة للاستخبارات الجزائرية، بعد اعتقاله شهر آب/أغسطس الماضي بتهم تشكيل جماعة مسلحة والحصول على أسلحة حرب والاحتفاظ بها، العديد من ردود الأفعال والجدل، لا سيما بعد إدانته بداية شهر كانون الأول/ديسمبر الماضي بخمس سنوات سجنًا نافذًا.

يرى محللون أن ما يحصل بالجزائر عملية تصفية حسابات بين شخصيات سياسية نافذة في البلاد

وهو ما خلف استنكار العديد من الشخصيات والأحزاب المعارضة، أولهم الجنرال المتقاعد محمد مدين، ووزير الدفاع السابق، اللواء خالد نزار، بالإضافة إلى مجموعة الـ19 شخصية وعلى رأسهم الرئيسة الأمينة العامة لحزب "العمال" لويزة حنون، الذين انتقدوا حكم المحكمة، وشككوا أن يكون الرئيس عبد العزيز بوتفليقة على علم بالأمر الذي يعتبر، حسبهم، "جريمة ضد الوطنية والكفاءة والتفاني في العمل والوفاء، ولا يستهدف حسان لوحده بل جيلًا بأكمله من الضباط الذين وقفوا في وجه من أرادوا تحطيم الجزائر".

كل هذه الأحداث السياسية، الأزمات الاقتصادية والاجتماعية إلى جانب التهديدات الأمنية تجعل من الصعب فهم حقيقة ما يحصل في الجزائر والمستقبل الذي تسير نحوه البلاد، وإن كان المحللون يعتبرون أن ما يجري حاليًا، هو عملية تصفية حسابات بين شخصيات سياسية نافذة دخلت في حالة صراع، هذا الأخير الذي جاء كنتيجة للعهدة الرابعة وأدخل البلاد في فوضى عارمة تشبه الوضع السياسي المتأزم الذي عرفته الجزائر في تشرين الأول/أكتوبر 1988، أي قبل الانتفاضة الشعبية التي غيرت نظام الحكم الاشتراكي وأفرزت التعددية الحزبية.

في المقابل تؤكد فئة أخرى من الدارسين والسياسيين أن ما يحدث اليوم في البلاد من إقالة ضباط ومحاكمات فساد وأزمات، لا يتعدى مجرد سيناريوهات مفتعلة من قبل السلطة الحاكمة الغرض منها شغل الرأي العام الجزائري عن مشروع آخر.

اقرأ/ي أيضًا:

تعديل الدستور في الجزائر.. الوعد المنتظر

قانون الموازنة 2016 يقسم البرلمان الجزائري ​

الجزائر.. حراك اجتماعي متصاعد