الغرامات بحق شركات التكنولوجيا.. تصعيد غير مسبوق بين بروكسل وواشنطن
6 ديسمبر 2025
في تصعيد جديد لحملة الاتحاد الأوروبي ضد شركات التكنولوجيا الأميركية العملاقة، أعلنت المفوضية الأوروبية فرض غرامة مالية كبيرة على منصة X المملوكة لإيلون ماسك، في وقت تتسع فيه التحقيقات التي تشمل شركات أخرى مثل "غوغل" و"ميتا" و"مايكروسوفت"، ما يؤشر إلى مرحلة غير مسبوقة من الصدام التنظيمي بين بروكسل وواشنطن.
غرامة على X تُشعل المواجهة
وجاء الإعلان، الجمعة، عن فرض غرامة بقيمة 120 مليون يورو على منصة X، بعد أن خلصت المفوضية إلى أن المنصة خالفت قواعد قانون الخدمات الرقمية (DSA)، عبر السماح بانتشار محتوى ضار وعدم تقديم شفافية كافية بخصوص الإعلانات، إلى جانب سوء إدارة نظام التحقق بالعلامة الزرقاء.
ووفقًا لتقرير نشرته وكالة "رويترز"، تعد هذه الغرامة الأولى من نوعها على منصة X بموجب القواعد الجديدة، وتأتي بعد ثلاثة أشهر فقط من تغريم "غوغل" مبلغ 2.95 مليار يورو بسبب سلوكيات احتكارية متعلقة بخدمات الإعلانات.
الإجراءات الأوروبية أثارت غضب الإدارة الأميركية، التي اعتبرت أن الاتحاد الأوروبي يستهدف شركات أميركية بصورة "غير عادلة"
ويفرض قانون الخدمات الرقمية على المنصات الكبرى الالتزام بمعايير دقيقة لحماية المستخدمين، تشمل إزالة المحتوى غير القانوني بسرعة، وتوفير بيانات واضحة حول المعلنين، ومنع أي ممارسات تضليلية، وهي التزامات تقول المفوضية إن X قصّرت فيها مرارًا منذ 2023 وحتى الآن.
واشنطن ترد وتربط الملف بالرسوم التجارية
الإجراءات الأوروبية أثارت غضب الإدارة الأميركية، التي اعتبرت أن الاتحاد الأوروبي يستهدف شركات أميركية بصورة "غير عادلة". وذهب الموقف الأميركي إلى مدى أبعد، عبر ربط تخفيف الرسوم الجمركية على الصلب الأوروبي بتراجع بروكسل عن تشددها الرقابي في قطاع التكنولوجيا.
وتشير تسريبات دبلوماسية لرويترز إلى أن واشنطن وجهت تعليمات واضحة لسفرائها في العواصم الأوروبية لإجراء "حملة ضغط واسعة" ضد قوانين الأسواق الرقمية (DMA) والخدمات الرقمية (DSA)، معتبرة أنها قد تضعف الابتكار وتحد من النمو الاقتصادي.
"نستحق الاحترام… وسنحمي سوقنا"
لكن الرد الأوروبي جاء حاسمًا على لسان المفوضة الأوروبية لشؤون المنافسة تيريزا ريبيرا، التي قالت إن الاتحاد الأوروبي "لن يقبل أي تدخل خارجي في كيفية تنظيم سوقه الرقمي".
وأضافت في تصريحات حادة خلال فعالية أوروبية: "ليس من مهامي التدخل في كيفية تنظيم الولايات المتحدة أسواقها ومعاييرها الصحية، وبالمقابل لن نسمح أن يُملى علينا كيف ندير سوقنا الرقمية. حماية المستخدمين ليست موضوعًا قابلًا للمساومة".
ورفضت ريبيرا بشدة الاتهامات الأميركية بأن قوانين المنافسة الأوروبية تُستخدم كأداة لعرقلة الشركات الأميركية، مؤكدة أن "المنافسة العادلة ركيزة للأسواق المفتوحة، وليست ورقة مساومة سياسية أو أداة حمائية".
جبهة تنظيمية تتسع
ومع توالي ردود الفعل، أعلنت المفوضية الأوروبية فتح تحقيق رسمي مع شركة "ميتا" بشأن ميزات الذكاء الاصطناعي الجديدة المضافة إلى تطبيق "واتساب"، وسط مخاوف من أن هذه الميزات قد تمنح الشركة أفضلية غير عادلة على حساب منافسين أصغر.
كما يواجه "غوغل" محطة تنظيمية صعبة، بعدما رفضت الشركة حتى الآن بيع جزء من أعمالها الإعلانية استجابة لمطالب المفوضية لمعالجة تضارب المصالح في سوق الإعلانات الرقمية. واكتفت الشركة بتقديم مقترح "تسهيل وصول الناشرين والمعلنين إلى أدواتها"، وهو مقترح اعتبره خبراء غير كافٍ.
ومن المتوقع صدور قرار أوروبي بشأن هذا الملف مطلع العام المقبل، فيما يصفه مراقبون بأنه "أهم اختبار لقدرة الاتحاد على إلزام الشركات العملاقة بالخضوع لسلطته التنظيمية".
الضغط الأميركي يفقد فاعليته
داخل الأوساط الأكاديمية والقانونية الأوروبية، يرى بعض الخبراء أن المواجهة الحالية تُظهر عزمًا أوروبيًا غير مسبوق.
وقال المحامي دانيال ماندريسكو، أستاذ القانون في جامعة لايدن، إن "التهديدات الأميركية كانت صادمة في البداية، لكنها فقدت تأثيرها. سيادة القانون ليست شيئًا قابلًا للتفاوض". بينما اعتبر الباحث روبريخت بودسزون، من جامعة دوسلدورف، أن ما يقوم به الاتحاد الأوروبي اليوم "ليس مجرد تصعيد لحظي"، بل تحوّل إستراتيجي في طريقة فرض القوانين: "هناك زخم جديد في إنفاذ القواعد داخل أوروبا. التراجع الآن سيكون أصعب من أي وقت مضى". ويرى بودسزون أن الملفات الحالية، خصوصًا قضية "غوغل" المتعلقة بالإعلانات وتحقيق "ميتا" بشأن الذكاء الاصطناعي، ستكون بمثابة "المحك الحقيقي لهذا النهج".
تأثيرات محتملة على مستقبل السوق الرقمية
ويرى مراقبون أن قرارات بروكسل الأخيرة قد تعيد رسم علاقة المنصات الدولية بالسوق الأوروبية، وخاصة أن قوانين DMA وDSA تمنح الاتحاد سلطات واسعة قد تصل إلى إجبار الشركات على تغيير جذري في هياكلها وخوارزمياتها.
كما قد تدفع هذه المواجهة شركات التكنولوجيا إلى تبني نماذج تشغيل مختلفة داخل الاتحاد الأوروبي مقارنة بباقي مناطق العالم، لتجنب الغرامات والعقوبات.
ومع أن واشنطن تواصل الضغط لمنع "تغوّل القواعد الأوروبية" كما تصفه، تؤكد بروكسل أن نهجها "حماية للمستخدمين وللمنافسة"، وأنه لا يستهدف الشركات الأميركية بقدر ما يستهدف ممارسات تعتبرها غير عادلة أو خطيرة.







