الغائب عن

الغائب عن "صفقة القرن"

مقاوم فلسطيني أثناء تأدية واجبه، بما تيسر من أدوات (رويترز)

منذ استئناف فريق رجل الأعمال و"الصفقات" وساكن البيت الأبيض الحالي، دونالد ترامب، لمهماته الرئاسية تجدد ذات الحديث القديم عن إنهاء ملف "المسألة" الفلسطينية. بينما لا يحمل حديث تصفية المسألة الفلسطينية وشطب الحقوق الفلسطينية أي جديد في جوهره، إلا أن بعض التجديد يحسب لفريق دونالد ترامب في هذه الجولة من "الانتهاء من الفلسطيني" انتهاء نهائيًا.

المقاومة، عبر الحرب الشعبية الهجينة على تنويعاتها، هي سبيل الشعوب نحو كرامتها وتقرير مصيرها، سواء بصفقة قرن أو صفقة تتعالى على سرمدية الزمكنة ونسبيتها

ما يريده فريق ترامب وما تريده إسرائيل من وراء هذه الجولة يبدو أنه غير ذات صلة بالضرورة بالتمثيلات الواقعية للوضع القائم في فلسطين الاستعمارية اليوم. وهذا مرده لناحتين أساسيتين، أولهما أن حالة الاستعمار والاحتلال العسكري والفصل العنصري التي تفرضها إسرائيل في مختلف مناطق تواجدها في فلسطين ضد الشعب الفلسطيني في كل مناطق تواجده، داخل فلسطين وخارجها، تحمل فيما تحمله من تحقير للحقوق الفلسطينية وخطورة على مستقبل واقع هذه المجموعات المشتتة تحت عنوان الشعب الفلسطيني المحتل والمهجر قسريًا.  أما ثانيهما فهي تتعلق بما طرح على الطاولة أساسًا، وبمتابعة البنود المزعومة من عدمها لن يفرق شيء بالضرورة. فالسؤال المركزي هنا، ماذا بعد هذه الجولة من محاولة تصفية المسألة الفلسطينية؟ والأهم عن سبل المواجهة، الحاضرة فرضيًا، والغائبة فعلًا؟

اقرأ/ي أيضًا: بحضور بحريني إماراتي.. ترامب يعلن تفاصيل مشروعه لتصفية القضية الفلسطينية

تحدثت قيادة النظام السياسي الفلسطيني في الضفة الغربية المحتلة وقطاع غزة المحاصر كثيرًا أيضًا بالنسبة لمشروع فريق دونالد ترامب، الممول والمغطى عربيًا، سعوديًا إماراتيًا وبحرينيًا بشكل أولي. لكن في مجمل هذا الحديث، الذي تعلو نبرته المفاجأة ولغة الانبهار و"الكارثة والبطولة"، لم يتوفر أي بارق يتعلق بما يمكن فعله في أرض الممارسة.

قالت "القيادات" الفلسطينية بمختلف مستوياتها وتنويعاتها، بضرورة مواجهة "ضفقة القرن" ومجابهتها وإحباطها. لكن هذه القيادات نفسها ربما لم تفكر في أمرين اثنين، أولهما عن واقعية السبل وطبيعة الأدوات اللازمة، في المرحلة التالية للإطلاق الخطابي المجاني. ثانيهما، عن موقع هذه القيادات نفسها. إذ بعيدًا عن العناصر الحزبية والتنظيمية لكل من فتح وحماس، وبعيدًا عن موظفي السلطتين في غزة ورام الله ومتموليهما، من يلقي بالًا لما تقوله "قيادات" الحالة الفلسطينية؟!

تضع خطوة فريق ترامب وإسرائيل ومعهما النظام الرسمي العربي في غالبه اليوم فلسطين ومعها الفلسطينيين أمام استحقاق سؤال مركزي ولا متسع لتجاوزه دون الحسم بشأنه. ولا يقتصر السؤال الفلسطيني اليوم في ظلال حديث "صفقة القرن" على ما العمل؟ بل يتجاوز ذلك لمساءلة شاملة لا تبقي ولا تذر. ما العمل في العلاقة مع واشنطن، وهي علاقة قائمة بين السلطة بالتمويل والتحشيد والتبعية، سواء أقر بذلك رئيس السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية محمود عباس أم أنكر. وما العمل في علاقة السلطة بشقيها وتفاهماتها في غزة مع الاحتلال الإسرائيلي، وخدماتها الأمنية في الضفة الغربية؟ وماذا سيحصل بشأن العلاقة مع الأطراف العربية الرسمية، الراعية لصفقة القرن أو الساكتة عنها؟

كل ما سبق وغيره من التساؤلات والأسئلة شرعي وضروري ومن شأنه أن يفتح الباب للتفكير في إجابات، قد لا تكون نهائية، لكنها نافعة في أقل مستويات التقدير، للتعاطي مع الطروحات النهائية للمسألة الفلسطينية، والتي استأنفت منذ منتصف عقد سبعينيات القرن  الـ20 مع برنامج الحل المرحلي وتبني النقاط العشر وما تلا ذلك من مسار التسوية رديئة السمعة والسيط وصولًا إلى صفقة ترامب والعرب.

لكن يبقى سؤال واحد كبير ومتشعب، يطرح على الذات العربية الفلسطينية، ليس في باب التقزيم والعتب وفرض مزيد من الإرهاق، إنما من باب الضرورة المرحلية والواجب النضالي الممارساتي. قوى الشعب الفلسطيني الكامنة، التي استمرت في إبهار العالم بشأن ديمومتها أولًا ومن ثم فعاليتها. فيما سمي تارة ذئابًا منفردة ومرة انتفاضة سكاكين وأخرى إرهابًا فرديًا أو مجموعات بمعزل عن واقعها التنظيمي والحزبي في معظم الحالات التي شهدها العقد الأخير.

إرادة المقاومة شاخصة وتمثيلاتها العيانية لم تزل ولم تنتف من الواقع الفلسطيني بعد، إنما القصور فهو ذو مستوى سياسي وقيادي. في حين تنفق "قيادات" الشعب الفلسطيني، الرسمية، ساعات بث مطولة في حديث المواجهة والرفض لصفقة القرن، لم يتبق أمام الشارع الفلسطيني، خاصة داخل فلسطين، إلا "سؤال القلب" ففي الرياح الرديئة يعتمد القلب.

هنا تكون العودة لموجبات الفطرة السليمة واجبة ولا مفر من أمامها. مقاومة الظلم والقهر، بكل تجرد وبعد عن مثالية الشعار، هي الحاجة الأساسية التي يعيها الشعب العربي الفلسطيني، وإن كانت لوجستيات الواقع وتكتيكاته لا تسمح بالرخاء والاسترخاء إن أريد لنهج المقاومة أن يقدم ما يمكن تقديمه. كونه بصفقة قرن ودونها، موقع المقهور لن يكون إلا موقع مقاومة الجلاد، وإلا فإن عتهًا كونيًا كبيرًا يكون واجب العثور عليه وتفكيكه من باب الضرورات، هذا لو لم يتضح حتى اللحظة!

 

اقرأ/ي أيضًا:

غضب شعبي عربي قبيل الإعلان عن صفقة القرن.. فما هي أبرز بنودها؟

أبرز 5 شخصيات في مسلسل التّطبيع السّعودي والإماراتي مع إسرائيل