العيش في زنزانة الوباء

العيش في زنزانة الوباء

غلاف إحدى طبعات رواية العمى

 

"سيكرهك البعض لأنك تستطيعين أن تبصري، لا تظني أن العمى يجعلنا أناسا أفضل".

  • العمى - جوزيه ساراماغو

 

تخيل ما يشعر به شخص أبكم في مواجهة عالم محتدم الضجة. ما الذي يعانيه من أهوال ليطلب فقط كأسًا من الماء. ليقول لك: أنا عطشان. رفعت الأوبئة اللثام عن الخبايا التي حجبتها السياسة والربح، وانتهت بالفرد مغتربًا عن ذاته وعن الآخر مهزومًا أمام كلمة "أنا عطشان".

فتح الوباء سؤال الموت على مصراعيه، فهشاشتنا أمام الفناء هي الدافع الوحيد لكي نتعلم التعايش مع "السؤال" الأبدي

اقرأ/ي أيضًا: وباء كورونا وإعادة التفكير في سياسات الطوارئ

تكشف لنا رواية "العمى" مدى هشاشة الحياة أو الوجود بصفة عامة. هذه الهشاشة التي نعاصرها اليوم مع انتشار وباء كورونا: صراع بين اليأس والمقاومة، قلق من الموت واللامبالاة، عزلة مفرطة، خوف من الآخر، خوف من جسمك: حاذر أن تلمس يداك وجهك. ها هو الموت قبالتنا وجه لوجه يضحك فاتحًا ذراعيه كل دقيقة.

"إننا نهاب جدًا فكرة موتنا ولهذا نحاول دائمًا إيجاد الأعذار للموتى وكأننا نطلب مسبقًا أن نُعذر عندما يحين دورنا".

فتح الوباء سؤال الموت على مصراعيه، فهشاشتنا أمام الفناء هي الدافع الوحيد لكي نتعلم التعايش مع "السؤال" الأبدي. الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يعرف مسبقًا أنه ميت ويحمل هذا الثقل معه حتى وهو يعيش عاديات أيامه.

علمتنا الأوبئة أن نشم رائحة الموت. وجعلت من إحساسنا ومشاعرنا لعبة بين يديها. وعمّق الحجر الصحي إحساسنا بالخوف وأيقظ فينا نوبات الهلع، وأصبحنا كائنات تبحث عن الحماية وعمن يطمئنها، ولو كاذبًا، بالقول: إن كل شيء سينتهي قريبًا. وبتنا جميعًا، كما لو أننا نعيش في رواية ساراماغو، نصطدم بشخصيات تشعر بالألم والخوف نفسيهما اللذين ينتاباننا. في ظل هذا الوضع الكارثي تستعيد الدولة سلطة وصايتها في زي تنكري اسمه القلق، لتوسيع سيطرتها وتهيئة أجهزتها من أجل اقتحام خصوصية المواطنين والحد من حرياتهم.

ترهيب الدولة للناس أثناء الحجر الصحي يتجلى في محاولة القضاء على الوباء أولًا، ويتجلى ثانيًا في تذكير المواطن بأنه يقع تحت سلطاتها ويخضع لقراراتها بلا شروط، لأنه في حاجة إليها ما دامت هي الوحيدة القادرة على حمايته. وكأن الأوبئة هي هدايا السماء للسلطات لتجعل المواطن يشعر بضعفه تجاهها. فكلما زرعت الخوف داخل المواطن كلما بات التحكم به أسهل.

تقول زوجه الطبيب في رواية ساراماغو: "لا أعتقد أننا عميان، بل أعتقد أننا عميان يرون عميانًا يستطيعون الرؤية، ولكنهم لا يرون"، كأنما صدمة العمى المفاجئ هي دوران تائه للبحث عن بداية ما، تقع خارج سطوة السلطة، لأن كل ما عشناه هو مجرد خضوع لأنظمة "فاسدة" يصعب الخروج على سلطانها.

تقول زوجه الطبيب في رواية ساراماغو: "لا أعتقد أننا عميان، بل أعتقد أننا عميان يرون عميانًا يستطيعون الرؤية، ولكنهم لا يرون"

"لقد اعتاد الناس على استخدام أعينهم لدرجه أنهم يداومون على استخدامها حتى عندما تكون عديمة الفائدة". تخيل غربة هندي لا يتكلم الإنجليزية بين جموع تتحدث الإنجليزية. ويعجز عن إيجاد وسيلة ليخبرهم عن الزلزال الذي أصاب قريته الصغيرة. تخيل وحدة امرأة وحزنها وهي تحاول عبثًا شرح آلام الحيض لرجل.

اقرأ/ي أيضًا: مفارقة جورجيو أغامبين حول كورونا

تخيل ما يحدثه عسر الفهم وانقطاع التواصل وتذبذب الروح وضياع الصوت وغياب إدراك النفس، والعيش منسيًا في صحراء الصمت.

كل هذا التيه المرعب يمكن علاجه بعناق من القلب. عناق حقيقي يبادرك به شخص لم يفهم لغتك، لكنه أدرك معاناتك وقرر أن يهبك قليلًا من الحب.  أن يهب الأمان لكائن مذعور ومرهق يستجدي أن يكون مفهومًا. هذا العناق الذي بات مستحيلًا وممنوعًا وأقرب إلى الجريمة في زمن كورونا.

 

اقرأ/ي أيضًا:

"الموت الأسود" في أعمال كتاب ومؤرخي الشرق

الإنفلونزا الإسبانية.. حكاية "الوباء الشاحب" الذي عالجه العالم بالنسيان