"العيب" وأسعار الفوط الصحية في مصر.. سطوة على احتياجات المرأة

لايزال التعامل الشعبي في مصر مع الفوط الصحية على أنها سلعة "معيبة" (Times of India)

عالمنا مليء بالتابوهات، خاصة تلك التي تخص النساء وأجسادهن، فبعيدًا عن الاحتفاء بالجسد الأنثوي في الأدب مثلًا، فإن معاناة هذا الجسد واحتياجاته لم تكن أبدًا محل احتفاء.

يتم التعامل شعبيًا في مصر مع الفوط الصحية كسلعة "معيبة" لا يجوز الجهر باستخدامها، وتتعامل الحكومة معها كـ"سلعة استفزازية"

في عام 2016 أصدرت الحكومة المصرية قرارًا بزيادة التعريفة الجمركية على 363 سلعة وصفتها بـ"السلع الاستفزازية". كانت الزيادة رهيبة، فقد تراوحت ما بين 10% إلى 60% دفعة واحدة على مجموعة من السلع المستوردة، حتى جاء بند مجموعة مستحضرات العناية بالجسم ضمن البنود التي شملتها الضريبة، أما مصير الفوط الصحية والسدادات القطنية الضرورية للنساء، واللاتي يستخدمنها بمعدل قد يصل إلى ثمانية أيام في الشهر وأكثر؛ فلم يأتِ أحد على ذكرها أبداً، لكن سعرها في السوق كان بمثابة الخبر اليقين.

اقرأ/ي أيضًا: كيف يدمر "بيزنس" النظافة النسائية صحة المهبل وثقة المرأة بنفسها؟

ارتفع متوسط أسعار الفوط الصحية في مصر من خمس جنيهات إلى 15 جنيهًا دفعة واحدة، أي أنها أصبحت تباع بثلاثة أضعاف سعرها تقريبًا، مع استمرار بعض الشكاوى من سوء جودتها. ولايزال التعامل الشعبي مع الفوط الصحية على أنها سلعة "معيبة"، لا يجوز الجهر باستخدامها، لذا فإنك في مصر حين تدخل لشرائها من إحدى الصيدليات، فإنها توضع في أكياس سوداء، أو يتم تغليفها بأوراق الجرائد!

ولتحديد رؤية الحكومة لسلعة مهمة كهذه، نشرت إحدى الصحف الإلكترونية المصرية على صفحتها- بالتزامن مع قرار رفع التعريفة الجمركية لبعض السلع الاستفزازية- موضوعًا تحت عنوان: "مصر استوردت فوط صحية وحفاضات أطفال بـ149 مليون جنيه"، أما متن الخبر فقد وضع الفوط الصحية كـ"سلعة استفزازية"، إلى جوار سلع أخرى كالملابس الداخلية وأقلام الرصاص وخلافه.

"خارج ميزانية الكثير من الأُسر"

يذكر أحد التحقيقات التي نشرتها صحيفة الإندبندنت البريطانية، أن المرأة تستخدم ما يقارب 11 ألف فوطة صحية أو سدادة قطنية على مدى حياتها، وقد يزداد هذا الرقم في حالات النزيف، أو عند المرأة التي تستخدم أحد موانع الحمل المتصلة بالرحم، مثل اللولب النحاسي، حيث يزيد معدل تدفق الدم وتزيد مدة الدورة الشهرية والألم أيضًا.

وجدير بالذكر أن القانون البريطاني أيضًا اعتبر سابقًا الفوط الصحية سلعة تجميلية، وفرض ضريبة عليها حتى عام 2016، حين أعلن رئيس الوزاء البريطاني آنذاك، ديفيد كاميرون، في مجلس العموم، أنها سلعة ضرورية، وأعفى عنها الضريبة.

أما في مصر، حيث الحد الأدنى للأجور 1200 جنيه تقريبًا، أي أقل من 70 دولار شهريًا، فتحتاج المرأة تقريبًا خلال أيام استخدام الفوط الصحية، إلى تغييرها كل ساعتين، أي أنها تحتاج كحد أدنى إلى ثلاث علب منها كل شهر. وبحساب أن العلبة الواحدة يبلغ متوسط سعرها 15 جنيهًا، فهي تحتاج بذلك إلى 45 جنيهًا شهريًا، ثم بحساب أن يوم الموظفة الحكومية العادية تصل ساعات عمله إلى ثماني ساعات، وساعة العمل الواحدة تساوي حوالي خمس جنيهات، فهي تحتاج إلى تسع ساعات عمل يومية، أي أكثر من يوم عمل كامل لتحصيل قيمة الفوط الصحية المستخدمة شهريًا.

مع الأخذ في الاعتبار أن هناك أسرًا تضم ثلاث أو أربع فتيات تجاوزن سن البلوغ، أي أنهن يحتجن تقريبًا إلى 180 جنيهًا لتغطية تكاليف الفوط الصحية، أي أكثر من 10 دولارات شهريًا، وهو مبلغ خارج ميزانية الكثير من الأسر المصرية، في بلد تصل معدلات الفقر فيه إلى 25% من نسبة السكان، وأكثر. 

المستورد "مضروب"

مع العلم بأن الأسعار المشار إليها هي أسعار الفوط الصحية محلية الصنع. وبخصوص الفوط الصحية المستوردة، والتي بطبيعة الحال تقل نسبة القادرين على شرائها، تقول عنها شروق إسماعيل لـ"ألترا صوت": "جربت المستوردة، واكتشفت أنه يتم تصدير الدرجة الثالثة لنا". أما يسرا عبدالعزيز فتقول: "أسعارها غير عادلة، وفي كثيرمن الأوقات كنت أستخدم بدائل أخرى في أواخر أيام الدورة الشهرية".

وتؤكد نوران الشريف على أن معظم أنواع الفوط الصحية الموجودة في مصر الآن "سيئة" و"تسبب حساسية"، بل إن بعضها مغشوش و"مضروب" أو مقلد.

هذا وتفضل بعض الفتيات اللجوء لحيلة استخدام حفاضات الكبار القطنية التقليدية. تقول ميادة: "أنا أفضل العودة للحفاضات القطنية التقليدية التي يتم غسلها وإعادة استخدامها"، مشيرة إلى أنها من جهة أوفر ومن أخرى "صديقة للبيئة"، مضيفة أن "المشكلة في أوقات النزيف الشديد، حيث لا يمكن التعويل عليها، خاصة لمن يعملن لساعات طويلة خارج المنزل".

أما ميّ، فقالت: "نحن أربع بنات في البيت، بالإضافة إلى والدتي، وقد لجأنا إلى تقليل شرب المياه والسوائل في فترة الدورة، حتى لا نضطر لتغيير الفوط الصحية، رغم أننا نعلم أن ذلك قد يسبب أمراض الحساسية والالتهابات، إلا أن البديل الأرخص غير متاح، ومنّا من تعمل خارج المنزل لفترات طويلة".

تجربة "Pad Man"

بطل هذه التجربة هو رجل من إحدى القرى الهندية يدعى أروناتشالام موروغانتام، والذي اجتهد لصنع فوط صحية زهيدة الثمن، يمكن لنساء قريته والقرى المجاورة استخدامها بشكل أفضل من الوسائل التقليدية التي قد تسبب خطرًا على صحتهن، إذ تستخدم نساء كثير من القرى الهندية خرقًا بالية، بدلًا من الفوط الصحية المصنعة، لأسباب كما ذكرنا تتعلق بـ"العيب" و"العار" ولأسباب اقتصادية أيضًا متعلقة بارتفاع أسعارها.

وتعد تجربة هذا الرجل ثورة في المجتمعات الهندية المحافظة التي يعتبر من العيب أن تتحدث المرأة عن دورتها الشهرية، فضلًا عن أن "تتجرأ" للسؤال عن الفوط الصحية وشرائها. 

تفرض الحكومة المصرية مزيدًا من الضرائب على الفوط الصحية باعتبارها "سلعة استفزازية"، في بلد تصل معدلات الفقر فيه إلى 25% وأكثر.

والتقطت بوليوود تجربة موروغانتام، وقامت بتجسيدها في فيلم باسم "باد مان - Pad Man"، الذي يروى قصة مواجهة هذا الرجل وزوجته، وقليلون من حولهما، للأفكار المنتشرة في كثير من مناطق الهند، حول العار من جسد المرأة واحتياجاته الطبيعية، فهل من باد مان مصري؟

 

اقرأ/ي أيضًا:

"انتي عانس" وغيرها.. إعلانات تهين المرأة المصرية؟

في اليوم العالمي لمناهضة العنف ضد المرأة: 5 حقائق صادمة من واقع المصريات