العود في اليمن.. من صفائح زيوت السيارات

العود في اليمن.. من صفائح زيوت السيارات

يقضي سعيد يومه في صنع ثلاثة أعواد غناء(الترا صوت)

سعيد سلمان، فنان نازح من مديرية "حرض"، المحاذية للمملكة العربية السعودية، يقوم بصنع وبيع آلة العود انطلاقًا من صفائح زيت السيارات وقطعة من الخشب وأوصال الألمنيوم. وساهم ذلك في أن ذاع صيت سعيد بين سكان مديرية "عبس" في محافظة "حجة"، شمال اليمن.

صار سعيد سلمان، الفنان اللاجئ، في عبس اليمنية لحنًا للسلام وطقسًا من طقوس البهجة في المدينة وأهلها

يقضي سعيد يومه في صنع ثلاثة أعواد غناء، حيث يقوم بجمع صفائح زيوت السيارات الفارغة وتنظيفها وتشكيلها لتكوّن قلب العود، الذي يتوسط خشبة تخترقه بطول ذراع لكي يتمكن العازف من احتضان العود والتمكن منه، ثم يضغط بإحدى يديه أوتار العود المشدودة من الألمنيوم إلى خمسة مسامير ثم يرصُّها بعناية لتتناسب مع "دندنة الريشة"، التي تمسكها اليد الأخرى للمطرب.

اقرأ/ي أيضًا: "البالون".. ديكور لحفلات اليمن

عن سعيد وهوايته، يقول فهيم القدسي، أحد سكان الحارات التي يتجول فيها سعيد عادة لبيع أعواده، لـ"الترا صوت": "الفنان سعيد رجل مبدع، يعيش في العراء وينام في الشارع متى أوقفه التعب، يفترش الأرصفة بلا مأوى ولا مأكل ولا مشرب، إلا ما تحصل عليه من طعام من أحد السكان أو من مكسبه اليومي الذي لا يتعدى الدولارين".

عندما وصل الفنان الشعبي سعيد قبل نحو ثمانية أشهر إلى مدينة "عبس" بعد أن فرَّ من ويلات الحرب والقحط في مدينته، حاول البحث عن عمل يغنيه عن التسول ويسد جوعه لكنه لم يجد ففكر في طريقة لصنع "آلته المحببة"، آلة العود، التي لم يستطع يومًا امتلاكها لغلاء سعرها، وقرر صنعها من أدوات متوفرة وفي متناول الجميع وتطور الأمر إلى بيعها أيضًا، خصوصًا وأنه يعرف عن العود وأسراره الكثير، خبرةٌ مكنته من عدم الاستسلام للجوع أو للتسول.

وتحدث الفنان سعيد سلمان، لـ"الترا صوت"، قائلاً: "البطالة التي سببتها الحرب الدائرة بين الأطراف المتصارعة في اليمن أدت إلى نزوحي وامتهاني صناعة العود، يستغرق مني صنع العود الواحد نصف النهار لأبيعه بأقل من دولار واحد". الأطفال أيضًا يتسابقون عصر كل يوم إلى مكان وجود سعيد، ليستمعوا إلى ألحان عوده البدائي، ولتتمكن أيديهم من مداعبة أوتار عود "العم سعيد"، كما يسمونه. وعن ذلك، يعلق سعيد: "يتجمهر من حولي كل يوم عشرات الأطفال، لديهم حس التطفل وحب التعلم، فأقضي وقت العصر في تعليمهم طريقة مسك العود والريشة والدندنة بلحن جميل".

اقرأ/ي أيضًا: مها عوض.. صورة عن تحدي نساء اليمن

ويقول الصحافي عيسى الراجحي، لـ"الترا صوت": إن "الفنان سعيد سلمان أضاف لشوارع مدينة "عبس" نكهة جديدة لم يتعود عليها الناس في المدينة"، شارحًا أن سعيد بألحانه وأعواده البسيطة والجميلة، والتي تؤدي غرضها كما لو أنها أعواد الطرب العربية الأصيلة، يجتذب الكثيرين لمجالسه على رصيف الشارع". ويوضح: "صار سعيد لحنًا للسلام في المدينة ونأمل أن يتم توفير مكان يسكن فيه سعيد في عبس بعد انتهاء الحرب لأنه أصبح طقسًا من طقوس البهجة في المدينة".

آلاف النازحين كأمثال الفنان سعيد، شردتهم الحرب من بيوتهم وقُراهم وحرمتهم من مصادر رزقهم ووظائفهم وحتى من أسرهم في رحلة لا يعرفون آخرها، يبحثون عن مأوى جديد ولقمة للعيش، يصلون كل يوم، كلٌ على طريقته، إلى أن تتوقف الحرب وتعود الحياة إلى مجراها الطبيعي ويعودون الى أسرهم ووظائفهم، سعيد أحدهم، بطريقته الخاصة في صنع آلة العود، يحاول ترويج الحب والفن في أوساط الناس بدلاً من السلاح والحرب.

اقرأ/ي أيضًا:

القمامة.. كل ما تبقى لنازحي "الحديدة" في اليمن

مخلفات الحرب.. آلاف المعاقين في جنوب اليمن