"العودة القسرية الناعمة": الاقتصاد والقانون والأمن في مواجهة اللاجئين السوريين
18 مايو 2026
نشرت الوكالة السورية للأنباء "سانا" تقريرًا حول عودة اللاجئين السوريين الطوعية إلى البلاد حيث إنه منذ سقوط نظام بشار الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، تحوّل ملف اللاجئين السوريين إلى أحد أبرز مؤشرات المرحلة الجديدة في سوريا، مع تصاعد الحديث عن العودة الطوعية وبدء تسجيل موجات عودة متزايدة من دول الجوار. وفي هذا السياق، ركّزت تقارير الوكالة خلال عامي 2025 و2026 على تقديم العودة بوصفها "طوعية" وبوصفها أيضًا جزءًا من مسار "التعافي والاستقرار" داخل البلاد، مع إبراز الأرقام المتزايدة للعائدين من تركيا ولبنان والأردن والعراق، وربط هذه العودة بتحسن البيئة الأمنية والسياسية بعد سقوط نظام الأسد. أبرزت تقارير "سانا" البعد الدولي المرتبط بملف العودة، عبر التركيز على دعوات مسؤولي الأمم المتحدة إلى زيادة الدعم الدولي لإعادة الإعمار وتحسين الخدمات والبنية التحتية، بالتوازي مع الحديث عن توقعات بعودة نحو مليون لاجئ إضافي خلال عام 2026. وفي الوقت ذاته، عكست هذه التقارير تحوّل ملف اللاجئين من قضية إنسانية مرتبطة بالحرب والنزوح إلى ملف سياسي واقتصادي يرتبط بإعادة تشكيل العلاقة بين سوريا ودول الجوار، وبإدارة مرحلة ما بعد الحرب، وسط ضغوط اقتصادية متزايدة داخل الدول المستضيفة وتراجع التمويل الدولي المخصص للاستجابة الإنسانية.
في نهاية آذار/مارس 2026، وصل الرئيس السوري أحمد الشرع إلى برلين في أول زيارة رسمية له إلى ألمانيا، وبعد استقباله من قبل الرئيس فرانك فالتر شتاينماير، عقد مباحثات مع المستشار فريدريش ميرتس، في لقاء وضع ملف اللاجئين السوريين في قلب النقاش السياسي الأوروبي للمرة الأولى بوصفه ملف ما بعد الحرب، لا مجرد أزمة إنسانية مؤقتة. تستضيف ألمانيا اليوم ما بين 900 ألف ومليون سوري، ما يجعلها أكبر دولة أوروبية من حيث عدد السوريين المقيمين فيها. وعقب اللقاء، أعلن ميرتس اتفاق الجانبين على عودة نحو 80% من السوريين الموجودين في ألمانيا خلال السنوات الثلاث المقبلة، بينما طرح الشرع نموذج الهجرة الدائرية، الذي يسمح للسوريين بالمشاركة في إعادة إعمار سوريا مع الحفاظ على استقرارهم الاقتصادي والاجتماعي داخل ألمانيا. وقد عكس هذا اللقاء المعضلة الأوروبية الجديدة منذ سقوط الأسد وهي تفادي ضغط سياسي داخلي متصاعد يدفع نحو تسريع العودة، يقابله واقع سوري ما يزال يعاني من هشاشة أمنية واقتصادية وخدمية تجعل العودة الواسعة والمستدامة عملية شديدة التعقيد.
تحوّل ملف اللاجئين السوريين إلى أحد أبرز مؤشرات المرحلة الجديدة في سوريا، مع تصاعد الحديث عن العودة الطوعية وبدء تسجيل موجات عودة متزايدة من دول الجوار
خلال 14 عامًا من الثورة السورية، والتي كانوا يطلقون عليها عمومًا في عدة مؤتمرات "الحرب الأهلية السورية"، اضطر ملايين السوريين إلى النزوح الداخلي أو اللجوء خارج البلاد. وعندما سيطرت فصائل المعارضة المسلحة على دمشق في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024 وفرّ الأسد إلى روسيا، كانت سوريا تضم نحو 7.4 ملايين نازح داخلي، في حين أقام نحو 4.9 ملايين لاجئ سوري في دول الجوار، إضافة إلى 1.3 مليون استقروا في دول أخرى، معظمها في أوروبا.
لكن سقوط النظام لم يؤدِّ تلقائيًا إلى إنهاء أزمة اللجوء، وإنما نقلها إلى مرحلة أكثر تعقيدًا، إذ علّقت عدة دول أوروبية معالجة طلبات اللجوء السورية، ما طال عشرات آلاف الملفات المعلّقة، في وقت بدأت فيه الحكومات الأوروبية إعادة صياغة خطابها السياسي تجاه السوريين، من خطاب "الحماية الإنسانية" إلى خطاب "العودة وإعادة الإعمار".
في المقابل، كان جزء كبير من السوريين في أوروبا قد حصل بالفعل على الجنسية أو الإقامة الدائمة، وأسس أعمالًا وشبكات اقتصادية واجتماعية مستقرة نسبيًا، ما جعل قرار العودة مرتبطًا بحسابات معقدة تتجاوز العامل الأمني وحده، لتشمل التعليم والعمل والرعاية الصحية ومستقبل الأطفال والاستقرار القانوني، بالإضافة إلى أبعاد مرتبطة بالدين والأخلاق و التعامل الإنساني.
العودة الطوعية كسياسة ضغط غير مباشرة
برزت خلال عامي 2025 و2026 ظاهرة جديدة في التعامل مع اللاجئين السوريين، تقوم على الدفع التدريجي نحو العودة، دون اللجوء بالضرورة إلى الترحيل الجماعي المباشر أو الإبعاد القسري التقليدي. وبدلًا من ذلك، جرى إعادة تشكيل شروط الحياة اليومية بصورة تجعل الاستمرار في اللجوء أكثر هشاشة وكلفة؛ وبالتالي لم تصبح العودة قرارًا مرتبطًا فقط بتحسن الأوضاع داخل سوريا، بقدر ما أصبحت نتيجة لمسار طويل من الضغوط الاقتصادية والقانونية والاجتماعية والنفسية داخل دول اللجوء. وتحولت الإقامة والعمل والمساعدات والخدمات إلى أدوات لإعادة تنظيم الوجود السوري وتقليص استدامته على المدى الطويل.
تشير بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى عودة نحو 1.630.874 لاجئًا سوريًا خلال المرحلة الأخيرة، توزعوا بواقع 639.995 عائدًا من تركيا، و630.697 من لبنان، و284.881 من الأردن، إضافة إلى 41.179 من العراق، و27.970 من مصر، و6.152 من دول أخرى. وتعكس هذه الأرقام تحولات متسارعة في ملف اللجوء السوري، مرتبطة بمجموعة واسعة من الضغوط البنيوية داخل دول الاستضافة، إلى جانب التحولات السياسية والتحركات الدبلوماسية المرتبطة بالملف السوري نفسه.
من الباب المفتوح إلى إدارة العودة
تحولت تركيا، مثلًا، منذ بداية الثورة السورية إلى الوجهة الرئيسية للاجئين السوريين، مستفيدة من حدودها الممتدة لأكثر من 900 كيلومتر مع سوريا، ومن سياسة الباب المفتوح التي تبنتها أنقرة خلال السنوات الأولى من النزاع. ومع تصاعد الحرب بعد عام 2013، ارتفعت أعداد السوريين بصورة هائلة، لتمنحهم تركيا نظام الحماية المؤقتة (كيمليك) بدل صفة اللجوء الكاملة، بما يسمح بالحصول على الخدمات الأساسية دون منح الحقوق الكاملة المرتبطة بالإقامة الدائمة.
وبحلول عام 2021، استضافت تركيا نحو 3.7 ملايين سوري مسجل، لتصبح الدولة الأكبر عالميًا من حيث عدد اللاجئين. وخلال سنوات اللجوء، ساهم السوريون في نظم العمل التركية خاصة في إسطنبول وغازي عنتاب وهاتاي وأورفا، بينما استمرت مشكلات العمل غير المنظم والهشاشة القانونية والتوترات الاجتماعية.
لكن ما بعد سقوط الأسد غيّر المشهد بصورة واضحة. فمع تصاعد الحديث عن مرحلة ما بعد الحرب، بدأت الحكومة التركية الإعلان عن ارتفاع أعداد العائدين، وأشارت الأرقام الرسمية بحلول منتصف 2025 إلى عودة مئات آلاف السوريين منذ كانون الأول/ديسمبر 2024، وهو ما أكدته أيضًا بيانات المفوضية السامية لشؤون اللاجئين. وقدّمت أنقرة هذه العودة باعتبارها جزءًا من الاستقرار السوري وتخفيف الضغط الداخلي، خاصة في ظل تصاعد الخطاب المعادي للاجئين داخل بعض الأوساط السياسية والشعبية التركية، وربط السوريين بالبطالة وارتفاع الإيجارات والضغط على الخدمات؛ لكن ما لا يتحدث عنه الإعلام عادة هو تصاعد موجات العنصرية ضد اللاجئين السوريين والاعتداءات المتكررة عليهم، والدعوات غير المنقطعة لمقاطعة أعمالهم وتجاراتهم لا سيما وأن الأتراك يعتبرونهم مسيطرين على بعض البازارات وسوق المأكولات العربية في البلاد.
في لبنان، الذي يُعد من أكثر دول العالم استقبالًا للاجئين مقارنة بعدد السكان؛ ارتبطت أزمة اللجوء بانهيار اقتصادي واجتماعي شامل. فالأزمة المالية، وتداعيات جائحة كورونا، وانفجار مرفأ بيروت عام 2020، والتوترات الإقليمية، دفعت أوضاع اللاجئين نحو مستويات غير مسبوقة من الهشاشة. وتشير التقديرات إلى أن نحو تسعة من كل عشرة لاجئين سوريين في لبنان يحتاجون إلى مساعدات إنسانية لتأمين احتياجاتهم الأساسية؛ ووفق تقديرات المفوضية، استضاف لبنان نحو 1.5 مليون لاجئ سوري حتى منتصف 2024، إضافة إلى نحو 11 ألف لاجئ من جنسيات أخرى.
بعد سقوط النظام السوري، دخل ملف اللاجئين مرحلة جديدة، إذ عاد أكثر من 200 ألف لاجئ سوري إلى بلادهم عبر آليات متعددة، قبل إطلاق برنامج العودة الطوعية في تموز/يوليو 2025 بدعم من السلطات اللبنانية والمنظمات الدولية، متضمنًا تقديم استشارات قانونية ومساعدات نقل ودعمًا ماليًا بقيمة 100 دولار لكل فرد عائد؛ بينما الأهم من هذا هو مستوى المعيشة التي كان بعاني منها اللاجئون السوريون في لبنان متمثلة بانعدام مقومات حياة طبيعية ونقص في الامدادات و التمويل للمنظمات المسؤولة عنهم، مع صعوبة في العيش في ظروف مناخية قاسية لا سيما وأن اغلب مناطق النزوح هي مناطق حدودية
جاءت هذه العودة في ظل انهيار التمويل الدولي؛ فبحلول 2025، لم يتجاوز التمويل المتاح 26% من الاحتياجات الإنسانية المطلوبة، ما دفع المفوضية إلى تقليص برامج الرعاية الصحية والمساعدات النقدية والإيواء. كما حذّرت تقارير مرتبطة بتقليص تمويل الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID) من ارتفاع الديون وعمالة الأطفال والتسرّب المدرسي والأمراض غير المعالجة والإخلاء القسري بين اللاجئين السوريين.
الأردن ونهاية الاستثناء السوري
في الأردن، تراوح عدد اللاجئين في مخيم الزعتري بحلول 2024 بين 77 ألفًا و80 ألفًا، وظلت تتبدل هذه الأرقام بحسب العمليات العسكرية وتصاعد أعمال العنف في سوريا، وهو المخيم الذي أنشئ عام 2012 وحوى نحو 25 ألف كرفان بدأ العمل عليها في المدة بين 2012 و2013. بعدها ارتبطت سياسة استيعاب اللاجئين السوريين منذ عام 2016 بما عُرف بـ"وثيقة العهد الأردنية" بعد مؤتمر لندن، والتي سمحت بمنح السوريين إعفاءات واسعة من رسوم تصاريح العمل مقابل دعم دولي لدمجهم اقتصاديًا، مع الحصول على استثناءات للعمل في المناطق خارج مخيمي الزعتري والأزرق. لكن هذه المرحلة بدأت تتغير بصورة واضحة خلال 2024 و2025.
ففي نهاية حزيران/يونيو 2024، أعلنت وزارة العمل الأردنية انتهاء الإعفاء العام للسوريين من رسوم تصاريح العمل، ومعاملتهم وفق نظام العمالة الوافدة المعمول به لبقية الجنسيات. كان هذا التحول شديد التأثير اقتصاديًا؛ إذ ارتفعت تكلفة تصريح العمل لبعض الفئات من نحو 10 دنانير رمزية إلى ما يقارب 420 دينارًا سنويًا، أي بزيادة وصلت إلى نحو 4100%. كما أصبحت هناك غرامات قد تصل إلى 800 دينار على صاحب العمل في حال تشغيل عامل سوري دون تصريح أو بمهنة غير مصرح بها. ورغم تمديد بعض الإعفاءات المؤقتة حتى منتصف 2025، فإن التوجه العام عكس انتقال السوريين من وضع “استثنائي” مرتبط بأزمة اللجوء إلى وضع أقرب إلى العمالة الأجنبية العادية داخل السوق الأردني. ويرتبط هذا التحول بعوامل اقتصادية وسياسية متداخلة، أبرزها ارتفاع البطالة وتكاليف المعيشة داخل الأردن، وتراجع التمويل الدولي، وتصاعد الحديث الإقليمي عن مرحلة ما بعد الحرب في سوريا، وتحسن المناخ العام تجاه الإدارة الجديدة وتصاعد العلاقات الدبلوماسية والتعاون الأمني والاستخباراتي بين البلدين.
لكن عمليًا، أدت هذه السياسات إلى زيادة هشاشة قطاعات واسعة من اللاجئين السوريين، خاصة العاملين في الاقتصاد غير الرسمي، إذ دفع ارتفاع تكاليف الإقامة والعمل كثيرين نحو العمل غير النظامي، أو الخروج التدريجي من سوق العمل الرسمي، أو التفكير بالعودة إلى سوريا تحت ضغط اقتصادي متصاعد.
في مخيم الزعتري، تبدو التحولات أكثر وضوحًا؛ فالمخيم الذي افتُتح بوصفه استجابة طارئة للحرب السورية، تحوّل تدريجيًا إلى فضاء اجتماعي واقتصادي شبه دائم يضم لاجئين من درعا والقنيطرة وريف دمشق وحمص، وولد فيه جيل كامل ولم يعرف من سوريا سوى الذاكرة العائلية والصور والروايات. وهكذا، لم يعد الحديث عن مخيم مؤقت، وإنما عن مدينة لجوء تمتلك أسواقًا ومدارس ومراكز صحية وبنية اجتماعية كاملة، لكنها تفتقر إلى أفق سياسي واجتماعي وأمني واقتصادي مستقر.
تكشف تقارير المفوضية أن التحدي الأساسي داخل الزعتري تعدى مرحلة الخوف على الغذاء أو المأوى ليطاول إدارة الفقر المزمن، على اعتبار أن ارتفاع أسعار الغذاء عالميًا وتراجع المساعدات وفرص العمل حوّل الديون إلى جزء بنيوي من اقتصاد المخيم، مع اعتماد أعداد كبيرة من العائلات على الاستدانة أو تقليل استهلاك الغذاء أو اللجوء إلى أعمال خطرة وغير مستقرة. كما بدأت برامج المساعدات بالتراجع بصورة حادة؛ إذ إنه منذ عام 2023، خفّض برنامج الأغذية العالمي المساعدات النقدية والغذائية في الزعتري والأزرق من 23 دينارًا أردنيًا إلى 15 دينارًا للفرد شهريًا، أي بانخفاض يقارب الثلث، قبل أن تتوسع التخفيضات خلال 2024 لتشمل نحو 100 ألف لاجئ إضافي خارج المخيمات. ارتبط تراجع الدعم الإنساني بتحولات أوسع في أولويات المجتمع الدولي؛ فالحرب في أوكرانيا، ثم الحرب في غزة، والأزمات الاقتصادية العالمية دفعت الملف السوري تدريجيًا إلى هامش الاهتمام الدولي، وبالتالي لم تعد أزمة اللاجئين السوريين ذات مغزى لدى المنظمات الدولية، وأصبح الحديث عن عودة فعلية وتصفية ملف اللاجئين بسبب الحديث عن مناطق نزاع أخرى أشد.
حتى داخل سوريا نفسها، اضطر برنامج الأغذية العالمي عام 2026 إلى خفض عدد المستفيدين من المساعدات الغذائية من 1.3 مليون إلى 650 ألف شخص فقط، مع وقف برامج دعم الخبز في عدة مناطق بسبب نقص التمويل. وفي الوقت نفسه، ساهمت التحولات السياسية في الولايات المتحدة وأوروبا في إغلاق أحد أهم مخارج أزمة اللجوء، أي إعادة التوطين في الغرب. فخلال الولاية الأولى للرئيس دونالد ترامب انخفض سقف قبول اللاجئين في الولايات المتحدة من 110 آلاف لاجئ إلى 18 ألفًا فقط بحلول عام 2020، وهو أدنى مستوى منذ تأسيس برنامج إعادة التوطين الأميركي عام 1980. ومع الولاية الثانية لترامب، وصل الأمر إلى تعليق شبه كامل لبرنامج إعادة التوطين مطلع 2025، ما أدى إلى تجميد ملفات آلاف اللاجئين الذين أنهوا بالفعل المقابلات والإجراءات الأمنية والطبية. وبالتالي لم يعد مرغوبًا لدى المزاج العام التعاطي مع ملف اللاجئين على أنه قضية إنسانية بحتة، وتعداه الأمر ليصل إلى الاقتصاد والأمن والصحة والتعليم والمسؤولية الإقليمية. وهكذا تشكّلت معادلة اللجوء بلا مخارج، القائمة على فرص إعادة التوطين وضغوط اقتصادية متزايدة داخل دول الجوار، وواقع سوري ما يزال يعاني من هشاشة اقتصادية وخدمية وأمنية واسعة.
تدفع الضغوط التي تمارس على اللاجئين السوريين من الدول المستضيفة هؤلاء إلى التفكير بجدية في العودة إلى بلدهم، رغم إدراكهم أن الواقع يختلف عن الصورة التي يروّج لها الإعلام من حيث الوظائف والأجور والأسعار والخدمات والترفيه ومستويات الحياة الآمنة. ترافقت التحولات الإقليمية والدولية في ملف اللجوء السوري مع سياسات ضغط متراكمة أعادت تشكيل الحياة اليومية للاجئين داخل دول الجوار، عبر مزيج من الأدوات القانونية والاقتصادية والأمنية والنفسية، خصوصًا في سياق الحرب على الإرهاب ومكافحة الجريمة المنظمة والخلايا النائمة والحرب على تجارة المخدرات، ولا سيما على الحدود الشمالية للأردن والقريبة من مخيم الزعتري.
اتجهت هذه الدول المستضيفة إلى تقليص الوضع القانوني للاجئين من خلال تشديد شروط الإقامة ورفع الرسوم وتوسيع القيود البيروقراطية المرتبطة بالتجديد والعمل والتنقل، ما عمّق شعور قطاعات واسعة من السوريين بالهشاشة القانونية والخوف من الترحيل أو الغرامات أو الملاحقة، ودفع بعضهم إلى التفكير بالعودة بوصفها مخرجًا من حالة الاستنزاف المستمرة.
في الأردن مثلًا، يعيش كثير من السوريين الخارجين من مخيم الزعتري حالة قانونية واجتماعية معقدة؛ إذ إن مغادرة المخيم نحو المدن الأردنية ترتبط غالبًا بفقدان جزء من الامتيازات والمساعدات، فيما يواجه بعضهم صعوبة في العودة إلى المخيم لاحقًا، ما يضعهم بين هشاشة العمل غير النظامي وارتفاع تكاليف المعيشة وضعف الحماية الاجتماعية، وفي حال قرر العودة إلى سوريا فإنه سيُمنع من دخول المملكة بأي حال بعدها.
كما ارتبطت هذه التحولات بتضييق اقتصادي متزايد من خلال تشديد الرقابة على العمالة غير الرسمية، خصوصًا أعمال النساء المنزلية والمشاريع الصغيرة داخل المخيمات، إضافة إلى قضايا التحرش والابتزاز الجنسي وزواج القاصرات، سواء من قبل بعض الممولين أو العاملين في المنظمات غير الحكومية أو حتى أجانب ومواطنين في هذه الدول، فضلًا عن مشكلات قانونية وحقوقية مرتبطة بنساء المخيمات. وتزامن ذلك مع خفض المساعدات الغذائية والنقدية والسكنية، ما دفع عائلات كثيرة إلى التفكير بالعودة رغم المخاطر الأمنية والاجتماعية داخل سوريا، بما في ذلك احتمالات الثأر المحلي أو العنف أو الفوضى الأمنية في بعض المناطق. أما في لبنان، فارتبطت الأزمة بصورة أكثر قسوة مع غياب الاستقرار القانوني واشتراط الكفيل في مراحل سابقة، إضافة إلى حملات التفتيش والترحيل، ما دفع بعض اللاجئين إلى التنقل سرًا عبر الأحراش وطرق التهريب هربًا من الحواجز والملاحقات الأمنية.
وترافقت هذه الضغوط مع تصاعد خطاب سياسي وإعلامي يربط اللاجئين بالأزمات الاقتصادية والبطالة والضغط على الخدمات العامة، خصوصًا في الأردن ولبنان، بالتوازي مع الترويج لفكرة "المناطق الآمنة" وتحسن الوضع الأمني داخل سوريا لتبرير الدفع نحو العودة المسماة إعلاميًا "طوعية". تشير البيانات الواردة من تقارير المفوضية إلى عودة نحو 177 ألف لاجئ سوري مسجل خلال المرحلة الأولى بعد سقوط الأسد، حيث بلغت نسبة النساء والفتيات 49% من العائدين مقابل 51% من الرجال والفتيان، بينما شكّل الأطفال 42% من إجمالي العائدين.
تدفع الضغوط التي تمارس على اللاجئين السوريين من الدول المستضيفة هؤلاء إلى التفكير بجدية في العودة إلى بلدهم، رغم إدراكهم أن الواقع يختلف عن الصورة التي يروّج لها الإعلام
وخلال كانون الثاني/يناير 2025، أشار استطلاع إلى أن 40% من اللاجئين السوريين يخططون للعودة خلال عام واحد، قبل أن تنخفض النسبة إلى 22% في حزيران/يونيو 2025، بالتزامن مع عودة جزء ممن كانوا يخططون للعودة بالفعل، ومع تزايد إدراك التحديات الاقتصادية والخدمية داخل سوريا. شهد عام 2025 موجتين رئيسيتين للعودة؛ الأولى مباشرة بعد سقوط النظام، حيث سجل شهرا كانون الثاني/يناير وشباط/فبراير أعلى معدلات العودة بمتوسط بلغ نحو 700 شخص يوميًا، قبل أن تتراجع الأعداد إلى أقل من 200 شخص يوميًا خلال آذار/مارس بسبب شهر رمضان والتوترات الأمنية في الساحل السوري. ثم عادت الأرقام للارتفاع خلال الصيف، خاصة بين حزيران/يونيو وآب/أغسطس، مع انتهاء العام الدراسي ورغبة كثير من الأسر في تجنب تعطيل تعليم أطفالها. وبين 8 كانون الأول/ديسمبر 2024 و30 حزيران/يونيو 2025، عاد أكثر من 100 ألف لاجئ سوري مسجل لدى المفوضية إلى بلادهم، شكّلت العائلات الكاملة 56% منهم، مقابل 44% من حالات العودة الجزئية أو التدريجية، حيث عاد بعض أفراد الأسرة بينما بقي آخرون مؤقتًا في دول اللجوء.
العودة ليست نهاية الأزمة
رغم حالة التفاؤل الحذر التي أنتجها سقوط الأسد، فإن التطورات اللاحقة كشفت أن العودة المستدامة لا ترتبط فقط بتحسن أمني جزئي أو بفتح المعابر، بل بمنظومة كاملة تشمل الاقتصاد والبنية التحتية وسوق العمل والخدمات والتعليم والرعاية الصحية والاستقرار القانوني. يعتمد كثير من اللاجئين الذين يعيشون في الزعتري أو في المدن التركية واللبنانية على شبكات دعم إنسانية وصحية وتعليمية تشكلت خلال سنوات طويلة من اللجوء، بينما تعاني مناطق سورية واسعة من انهيار اقتصادي حاد وتدهور في البنية التحتية وضعف في الخدمات الأساسية.
ولهذا، فإن أي عودة واسعة وغير مدروسة تحمل خطر إعادة إنتاج الهشاشة داخل سوريا، عبر انتقال الفقر والاعتماد الإنساني من المخيمات إلى الداخل السوري، في ظل محدودية القدرة الاقتصادية والمؤسساتية على الاستيعاب. وفي هذا السياق، تحولت قضية اللاجئين السوريين إلى أزمة إدارة طويلة الأمد لمجتمعات معلّقة بين حدود اللجوء وحدود العودة؛ مجتمعات تعيش تحت ضغط البقاء داخل دول تتجه نحو تقليص الاستضافة المفتوحة، وفي الوقت نفسه تواجه واقع دولة سورية ما تزال منشغلة بإعادة بناء الاقتصاد والبنية التحتية والمؤسسات بعد أكثر من عقد من الحرب والانهيار.