"العودة إلى تدمر".. إعادة اكتشاف المدينة وتراثها

لوحة لـ لويس فرانسوا كاساس (من المعرض)

إلى جانب مدينة الموصل العراقية، تعرضت مدينة تدمر، وسط سوريا، إلى محاولاتٍ عديدة لمحو ذاكرتها وإلغائها، بعد سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام "داعش" عليها، إذ شهدت المدينة، خلال الفترة الممتدة بين عامي 2015 و2017، تدمير التنظيم لبعض معالمها التاريخية، وتحويل بعضها الآخر إلى مسارح لعمليات الإعدام الجماعية، التي نفذها خلال تلك الفترة.

يستكشف معرض "العودة إلى تدمر" تراث المدينة في مراحل زمنية مختلفة، ويسعى إلى تقديم فهمٍ جديد لتأثيرها داخل محيطها وخارجه

"العودة إلى تدمر"، هو عنوان المعرض الافتراضي الذي أطلقته "مؤسسة ومعهد غيتي للبحوث"، عبر موقعها الالكتروني باللغتين العربية والإنجليزية قبل أيام قليلة، بهدف الإضاءة على معالم المدينة وتراثها، عبر مجموعة مميزة ونادرة من الرسومات والصور التي تُقدّم لمحة عامة عنها، منذ عصور ما قبل التاريخ وحتى العصر الحديث بمختلف مراحله الزمنية.

اقرأ/ي أيضًا: "موصل الفن والحياة".. إعادة بناء تراث المدينة وذاكرتها

وبحسب بيان المؤسسة، يستكشف المعرض تراث مملكة تدمر القديمة، ويسعى إلى تقديم فهمٍ جديد وشامل لتأثيرها بعيد المدى داخل محيطها وخارجه، عبر توثيق موقعها الأثري المهم، وتقديمه إلى أكبر عددٍ من المهتمين بتراثها حول العالم، من خلال الاعتماد على وسائط متعددة وتقنياتٍ رقمية حديثة، توفر للمتفرج زيارة افتراضية مميزة ومقنعة.

يشتمل "العودة إلى تدمر" على ثلاثة أقسام رئيسية، يضم القسم الأول منها مقابلة مطولة حول المدينة وتاريخها مع وليد خالد الأسعد، المدير السابق للآثار والمتاحف في المدينة. بينما يضم القسم الثاني مقالة واسعة قدّمت فيها جوان أروز، مسؤولة قسم فنون الشرق الأدنى القديم في متحف المتروبوليتان للفنون، عرضًا تاريخيًا أضاء جوانب مختلفة من سيرة المدينة وتحولاتها، باعتبارها مركزًا تجاريًا ضاربًا في القدم، مثّل، وعلى امتداد عصور عدّة، حلقة وصل ربطت بين حضاراتٍ وامبراطورياتٍ مختلفة، ومساحة فريدة حاضنة للتنوع والاختلاف الذي انعكس في تنوع نماذجها العمرانية متعددة الاتجاهات.

وتضمن القسم الثالث ست زوايا مختلفة، احتوت الأولى المعنونة بـ "تراث مملكة تدمر القديمة"، على مجموعة واسعة من الصور والرسومات النادرة للمدينة وبعض أطلالها الشهيرة التي لم تعد موجودة، التقط الجزء الأكبر منها المصور الفرنسي لويس فيغنس (1831 – 1896) خلال زيارته للمدينة عام 1864، حيث يُعتبر، وبحسب ما جاء في بيان المؤسسة، أول شخص يقوم بتوثيق معالم تدمر التاريخية فوتوغرافيًا.

وإلى جانب صور فيغنس، ضمت الزاوية رسوماتٍ مختلفة للمدينة، أنجزها الرسام والمعماري الفرنسي لويس فرانسوا كاساس (1756 – 1827)، أثناء زيارة استكشافية استمرت شهرًا واحدًا، وثق فيه أبرز معالمها التاريخية، مثل القنوات المائية والمعابد والمقابر والأقواس والتماثيل وغيرها، بالإضافة إلى رسوماتٍ أخرى توثق طبيعة الحياة ونمط العيش خلال تلك الفترة.

ويذكر المنظمون أن لويس فرانسوا كاساس أنجز خلال رحلته تلك، مخطوطًا جمع فيه ملاحظاته وانطباعاته أيضًا حول المدينة ومعالمها وتاريخها، ناهيك عن نماذجها العمرانية المميزة. يقول الرسام الفرنسي في وصفها: "كل جزء من أجزاء أراضي تدمر ممتلئ بشكل كبير ببقايا تذكارية. توجد أعمدة وتيجان أعمدة مقلوبة في منتصف أسطح معمدة، وإطارات أبواب مزينة بزخارف كثيرة ومحطمة إلى حدٍ ما. ووراء جميع هذه الأطلال الرائعة، يمتد محيط من الرمال المتوهجة التي تمتد طوال الطريق المؤدي إلى الأفق الذي يبدو مضيئًا بشكلٍ كبير مثل البحر الأزرق".

أسفل زاوية "تخطيط المدينة والمعالم التاريخية بها"، أدرج القائمون على المعرض خريطة تفاعلية تتيح للزائر التعرف على أبرز معالم مدينة تدمر، وتحديد موقعها الجغرافي داخلها، مثل شارع الأعمدة، ووادي القبور، ومعابد بعل شمين والرايات وبل، وقوس النصر، والتترابيل، وغيره. فيما تضم زاوية "مملكة تدمر القديمة"، سردًا تاريخيًا مصورًا وشاملًا، يوضح للزائر العوامل التي ساهمت في صناعة مكانة المدينة وأهميتها، خصوصًا التجارة.

أدرج القائمون على المعرض خريطة تفاعلية تتيح للزائر التعرف على أبرز معالم مدينة تدمر، وتحديد موقعها الجغرافي داخلها

وإلى جانب تلك العوامل، تستعرض الزاوية أبرز سمات تدمر، وتضيء على ثقافتها الفريدة المتنوعة، والمعتقدات الدينية التي سادت فيها، وطبيعة العيش فيها ما قبل وبعد الحقبة الرومانية، بالإضافة إلى لغاتها وفنونها وطقوسها المتعلقة بالموت والجنائز تحديدًا، والتحولات التي طرأت عليها نتيجة تبدل الطرف المسيطر على المدينة واختلاف المعتقد وغيره.

اقرأ/ي أيضًا: معرض "مبدعون خالدون".. ذاكرة الحركة التشكيلية المصرية وتحولاتها

أما زاوية "إعادة اكتشاف تدمر من قبل الغرب"، فتقدّم لمحات تاريخية عامة حول البعثات الاستكشافية التي وصلت إلى المدينة بهدف إعادة اكتشافها، وتستعرض أهم الأعمال الأدبية والفنية الغربية المنجزة حولها. بينما تسلط زاوية "تدمر في العصر الحديث"، الضوء على فقد المدينة لعددٍ ضخم من القطع الأثرية المنتشرة في عدة متاحف حول العالم، ودور الدولة والأنظمة الاستعمارية في تشجيع وقيادة عمليات الاستيلاء على هذه الآثار ونهبها وبيعها فيما بعد إلى جهاتٍ مختلفة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

معرض "صندوق الفرجة".. حفريات في الذاكرة العربية

فوتوغرافيا دون مكولين.. ما وراء الذعر