العودة إلى المجهول: الغربة تدفع السودانيين في مصر إلى خيار بلا بدائل
30 يناير 2026
مساء اليوم الأخير من عام 2025، جاءني اتصال لم أكن مهيأً له، بمعنى أدق لم اتوقعه، على الطرف الآخر من الهاتف كان عثمان، ذلك الشاب السوداني الهادئ الذي اتخذ من ميدان لبنان بالجيزة مقامًا مؤقتًا، وحلمًا مؤجلًا.
كان يتدرّب صحفيًا في إحدى المؤسسات المصرية، ويحاول – مثل كثيرين – أن يصنع لنفسه موطئ قدم بعيدًا عن نارٍ تركها خلفه في بلاده، قال بصوت خافت: "أريد رؤيتك… أودّعك".
نزلت كلمة الوداع على أذني منزلًا صعبًا، لماذا الآن؟ لم يكن في ملامح لقائنا الأخير، قبل نحو أسبوع فقط، ما يوحي بنهاية قريبة أو سفر عاجل، كان عثمان، القريب في ملامحه ولغته من المصريين، يومها يتحدث عن العمل، عن مقال جديد، عن غدٍ مؤجل كالعادة.
بعد ساعتين، كنت واقفًا أمامه، أحمل دهشتي وأسئلتي المؤجلة، جلسنا، وبدا عليه إرهاق عامين كاملين، قال بهدوء موجع: "قررت أعاود للسودان".. سألته سريعًا، وكأنني أبحث عن مخرج منطقي للقرار: "يعني الأوضاع اتحسنت في أم درمان؟"، حيث يقيم هناك.
ابتسم ابتسامة قصيرة، أقرب للسخرية منها للطمأنينة، وقال: "لا… بالعكس. الأمور أسوأ، الاستقطاب بين الجيش والدعم السريع بيزيد، والمدينة بقت على حافة الخوف"، وهنا زاد استغرابي، وربما قلقي، فقلت: "طيب إذا كان الوضع كده، إزاي ترجع؟"
تنهد طويلًا، وكأن السؤال أثقل عليه مما يحتمل، ثم قال: "لأن الوضع هنا بقى صعب. مصر كانت ملجأ، لكن المعيشة مرهقة، والتكاليف فاقت كل طاقتي، اللي كان معايا من مال انتهى خلال سنتين، والإقامة أصبحت عبئًا".
مئات الأسر السودانية باتت تجد نفسها أمام معادلة مستحيلة، إما البقاء في دوامة الديون وملاحقة تصاريح الإقامة والأسعار المشتعلة، أو العودة لمقامرة كبرى قد تنتهي برصاصة أو قذيفة
في تلك اللحظة فهمت لماذا كان قرار عثمان بالعودة مفاجئًا، ولماذا كان عكس عقارب المنطق، فهو لا يختار بين الأمان والخطر، بل بين خطرين، بين حربٍ معلنة في وطنه، وحربٍ صامتة تستنزفه يومًا بعد يوم في الغربة.
عثمان لم يكن استثناءً، لم يكن قصة فردية عابرة، كان واحدًا من مئات، ربما آلاف، من أبناء الجالية السودانية الذين قرروا العودة إلى المجهول، عودة تشبه المغامرة أكثر مما تشبه القرار.
ضاقت بهم السبل في مصر، ارتفاع جنوني في تكاليف المعيشة، بيروقراطية خانقة في الأوراق والإقامات، وانسداد أفق لا يعد بتحسن قريب، هكذا، صار الوطن المشتعل أقل قسوة من غربةٍ لا ترحم، وصارت العودة – بكل مخاطرها – آخر ما تبقى من خياراتٍ أنهكها الانتظار.
الأمور تزداد قسوة
خلف كواليس المقاهي في "أرض اللواء" و"فيصل" و"ميدان لبنان" و"الكوربة"، يتردد صدى قرارات مشابهة، مئات الأسر السودانية باتت تجد نفسها أمام معادلة مستحيلة، إما البقاء في دوامة الديون وملاحقة تصاريح الإقامة والأسعار المشتعلة، أو العودة لمقامرة كبرى قد تنتهي برصاصة أو قذيفة، لكنها على الأقل ستكون في "الديار".
عبدالله، شاب سوداني في العشرينيات يدرس بجامعة القاهرة، يحكي بمرارة أن والدته قررت العودة إلى الخرطوم، لم يكن القرار سياسيًا ولا أمنيًا، كما جرت العادة في قصص النزوح، بل اقتصاديًا خالصًا، "لم تعد تحتمل الكلفة الباهظة للإقامة هنا"، يقولها وكأنه يعتذر عن قرار لم يكن بيدهم.
قبل عامٍ ونصف، جاءت الأسرة إلى منطقة "فيصل" بالجيزة. يومها استأجروا شقة سكنية بإيجار شهري بلغ عشرة آلاف جنيه ( 210 دولار) وكانت أوضاعهم المادية "مقبولة" إلى حدٍ ما.
دخلوا مصر وهم يحملون معهم ما يكفيهم لفترة، على أمل أن تهدأ الحرب سريعًا ويعودوا إلى السودان، لكن الحرب طالت، والوقت كان أقسى من كل التوقعات.
نفد المال الذي جاؤوا به، هكذا يضيف عبدالله في حديثه لـ "الترا صوت"، وتضاءلت المساعدات التي كان يرسلها خاله من إحدى دول الخليج، حتى لم تعد تصمد أمام موجة الغلاء والتضخم المتصاعدة، شيئًا فشيئًا، تحولت الإقامة من ملاذ مؤقت إلى عبء ثقيل ينهش ما تبقى من قدرتهم على الاحتمال.
الرواية نفسها تكاد تتكرر على لسان أم محمد، الخمسينية السودانية التي قررت بدورها العودة بعدما أنفقت آخر دولار كان بحوزتها قبل شهرين.
حاولت أن تعمل في أحد المحال التجارية، لكن ما كانت تتقاضاه – نحو 100 دولار شهريًا – لم يكن يكفي حتى نصف قيمة الإيجار، فضلًا عن تكاليف الطعام والدواء، ومصاريف الإقامة لها ولأبنائها الثلاثة.
أم محمد، في حديثها لـ "الترا صوت" تقول بصوت تختلط فيه المرارة بالامتنان، إنها تكن كل الحب والتقدير للمصريين، "ما قصروا معنا"، كررتها أكثر من مرة، مؤكدة أن كثيرين حاولوا مساعدتها قدر استطاعتهم، لكن الواقع أقسى من نوايا الخير، "الوضع صعب على الجميع، مصريين وسودانيين"، هكذا تلخص المشهد.
عند هذه النقطة، لم يعد القرار خيارًا، بل اضطرارًا، عودة محفوفة بالمخاطر، قد تكلفهم حياتهم، لكنها – رغم كل شيء – تبدو أهون من غربة تستنزفهم ببطء، يومًا بعد يوم.
عودة محفوفة بالمخاطر
يقول وائل كينان، مدير أحد مكاتب السفريات في منطقة "الهرم"، إن المشهد تغيّر كثيرًا في الأشهر الأخيرة، المكتب الذي اعتاد تنظيم رحلات السودانيين من مصر إلى بلادهم بات شاهدًا يوميًا على موجة عودة متزايدة، لا تحرّكها رغبة في الرجوع بقدر ما يفرضها العجز عن الاستمرار، "الناس لم تعد تحتمل كلفة المعيشة في مصر"، يقولها ببساطة تختصر حكايات طويلة من الإرهاق.
في حديثه لـ"الترا صوت"، يوضح كينان أن تكلفة العودة للفرد الواحد تقارب 150 دولارًا. نحو 60 دولارًا من منطقة "الهرم" حتى الحدود السودانية، ثم قرابة 90 دولارًا أخرى لعبور المسافة من الحدود إلى قلب الخرطوم.
مبلغ يبدو محدودًا على الورق، لكنه في واقع كثيرين رقم مستحيل، "عدد كبير من السودانيين يضطرون لاقتراض ثمن العودة"، يضيف، وكأن الرحلة إلى الوطن تبدأ بدَين جديد.
ومع ذلك، يؤكد كينان أن العودة، في كثير من الأحيان، ليست طريقًا آمنًا، داخل الأراضي السودانية، تظل الأوضاع الأمنية هشّة وبعيدة عن الاطمئنان، ورغم أن العودة محفوفة بالمخاطر، لكن لا يوجد طريق آخر، هكذا يضيف، لافتًا أن بعض السودانيين يفكرون في السفر إلى دول ثالثة، بحثًا عن فرصة نجاة مختلفة، إلا أن القيود الصارمة، وضيق الإمكانيات، تجعل هذا الحلم مؤجلًا أو مستحيلًا.
وهكذا بين غلاء الغربة وخطر العودة، يقف كثيرون على عتبة قرار لا يشبه أي قرار آخر، عودة إلى وطن جريح، لا لأنه آمن، بل لأنه لم يتبقَ سواه.
خلف هذا الحضور النابض، تختبئ تحديات ثقيلة. ارتفاع غير مسبوق في تكاليف المعيشة، في المناطق التي يفضلها السودانيون، ضغط متزايد على الخدمات بفعل الأعداد الكبيرة، وإجراءات بيروقراطية معقدة تتعلق بالإقامات وتصاريح العمل
تحديات متفاقمة
منذ أن اندلعت حرب الجنرالات في السودان في نيسان/أبريل 2023، تغيّرت خريطة الحضور السوداني في مصر على نحوٍ لافت، ارتفعت الأعداد حتى تأرجحت التقديرات بين أربعة وخمسة ملايين سوداني، حملتهم الحرب على أكتافها ودَفعت بهم عبر الحدود بحثًا عن ملاذ.
تركز وجودهم في القاهرة والجيزة، في أحياء صارت مألوفة بلهجتهم وملامحهم، "فيصل"، "الهرم"، "الدقي"، "أرض اللواء"، ومدينة نصر، وفي الجنوب، بقيت أسوان – بوابة الدخول الأولى – شاهدًا على موجات العابرين، لا سيما في مدينة أسوان ودراو، بينما احتضنت الإسكندرية بدورها جالية كبيرة، أكثر استقرارًا، وأكثر تصالحًا مع البحر والانتظار.
يقيم السودانيون في مصر استنادًا إلى اتفاقية "الحريات الأربع"، تلك الصيغة التاريخية التي منحت مواطني البلدين حق التنقل والإقامة والعمل والتملك، وجعلت الحدود أقل قسوة مما هي عليه في أماكن أخرى.
غير أن هذه الحريات، رغم جذورها العميقة، واجهت في الآونة الأخيرة قيودًا تنظيمية فرضتها محاولة ضبط تدفق الوافدين، فتحولت السهولة القديمة إلى إجراءات، والإقامة إلى أوراق لا تنتهي.
كثير من الوافدين الجدد لجأوا إلى مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، بحثًا عن بطاقة لجوء تمنحهم صفة قانونية وشعورًا نسبيًا بالحماية، وفي الوقت نفسه، طالبت الحكومة المصرية جميع غير المصريين باستخراج بطاقة "إقامة مميكنة"، خطوة رآها البعض ضرورة تنظيمية، ورآها آخرون عبئًا جديدًا يضاف إلى أعباء الغربة.
ورغم كل ذلك، لم يكن الوجود السوداني في مصر مجرد حضور عابر أو هامشي، عشرات المراكز التعليمية السودانية انتشرت لتدريس المنهج الوطني لأبناء الجالية، فيما فتحت المدارس والجامعات المصرية أبوابها للطلاب السودانيين.
وفي الأسواق والشوارع، ترك السودانيون بصمتهم الواضحة، في العقارات، وفي المطاعم التي أعادت للعابرين طعم العصيدة والكسرة ودفء البيوت البعيدة، وفي تجارة الماشية والسلع، حيث تحولت الغربة إلى عمل، والعمل إلى وسيلة للبقاء.
لكن خلف هذا الحضور النابض، تختبئ تحديات ثقيلة. ارتفاع غير مسبوق في تكاليف المعيشة، خصوصًا إيجارات الشقق في المناطق التي يفضلها السودانيون، ضغط متزايد على خدمات الصحة والتعليم بفعل الأعداد الكبيرة، وإجراءات بيروقراطية معقدة تتعلق بالإقامات وتصاريح العمل.
هكذا، يعيش السودانيون في مصر بين ترحيب حقيقي وواقع مرهق، بين شعور بالألفة يشبه الوطن، وأعباء يومية تذكّرهم بأنهم، مهما طال المقام، ما زالوا ضيوف حربٍ لم تنتهِ بعد.