العنف الرقمي ضد المرأة في الجزائر: بين الفضاء المفتوح وتحدّيات التّوثيق
9 ديسمبر 2025
تحوّلت شبكة الإنترنت ووسائل التّواصل الاجتماعيّ في السّنوات الأخيرة إلى جزء لا يتجزّأ من الحياة اليومية في الجزائر، فهي تُستغل للعمل، والتّعليم، والتّواصل، وحتّى للتّعبير عن الذّات والآراء والأفكار. لكن هذا الفضاء الذي يُفترض أن يفتح آفاقًا للحرية والمُشاركة، يكشف في الوقت ذاته عن تَحوّلاتٍ مُخيفة ومُقلقة في آليات السّيطرة والهيمنة، خاصّةً ضد النساء.
بدأ العنف الرقمي، المتمثّل في التحرّش والابتزاز والتشهير، وما يخلقه من ضغط نفسيّ واجتماعيّ كبير، في استهداف النساء بشكل متزايد يومًا بعد يوم، في حياة افتراضية تشبه إلى حدّ كبير ما يحدث في حياتهن الواقعية، مع اختلاف أنّ الضحية — في كثير من الحالات — تجد نفسها بلا سند وبلا حماية، في مواجهة صعوبة التّوثيق أو المطالبة بالعدالة.
من هنا، يكمن التّحدي الأكبر أمام من يتوغّل في البحث عن أصل العنف الرقمي في الجزائر في نقص التّوثيق المنهجيّ، إذ لا توجد تقريبًا قاعدة بيانات وطنية تُعنى بتجميع حالات العنف الرّقمي، ولا مسح شامل يُقيّم انتشار هذه الظّاهرة، ولا دراسات أكاديمية مُحكَمة تكشف العمق والنّطاق. لهذا، يضعنا هذا الفراغ المعرفي أمام سؤال جوهريّ: كيف نؤمِّن للضّحايا الحق في الاعتراف، والحماية، والعدالة، عندما لا تُرصد حالاتهنّ؟
وفي خضمّ تساؤلاتنا، ورغم هذا النّقص الفادح، تبقى هناك بيّنات تشير إلى أنّ الظّاهرة موجودة، وأنّ هناك منظمات مدنية تسعى للدفاع عن حقوق المرأة، لتحصل على فرصة بناء جسر بين التّوثيق الجزئيّ والعمل الحقوقي الفعلي.
بدأ العنف الرقمي، المتمثّل في التحرّش والابتزاز والتشهير، وما يخلقه من ضغط نفسيّ واجتماعيّ كبير، في استهداف النساء بشكل متزايد يومًا بعد يوم، في حياة افتراضية تشبه إلى حدّ كبير ما يحدث في حياتهن الواقعية
من التحرش إلى التّشهير.. عنفٌ متعدّد الأبعاد
لا يتّخذ العنف الرقمي في الجزائر شكلًا واحدًا، بل يتغذّى على أدوات التّقنية المُتاحة بإفراط، وعلى ضعف الحماية، وأيضًا على الثّقافة الاجتماعية الّتي تمنح بعض الرجال سُلطةً خفية في العالم الافتراضي.
من أبرز أشكال هذا العنف نجد التّحرش الإلكترونيّ والمضايقات اللّفظية، عبر رسائل غير مرغوبة، وتعليقاتٍ مُسيئة، ومتابعةٍ مزعجة، إضافة إلى اقتحام الخصوصية رغم إعدادات الأمان.
من هذا المُنطلق، قد يبدو هذا النّوع من العنف بسيطًا لبعضهم، لكنّه يزرع شعورًا بالدّونية والخوف والارتياب، ويشكّل ضغطًا دائمًا على الضّحية.
ومن جهةٍ أخرى، نجد الابتزاز الجنسي أو النفسي؛ ففي بعض الحالات تُرسل رسائل تهديدية تطالب بمحتوى خاص، كالصور أو المحادثات الحميمة، مقابل الصمت أو مقابل الإفلات من النشر، ما يدمّر العلاقة بين المرأة ومحيطها، ويقوّض كرامتها، ويجعلها رهينة تهديدٍ دائم.
ومن هذا المنطلق يتجلّى التشهير ونشر المحتوى الخاص المسيء دون موافقة، من خلال استغلال صور أو معلومات تُنشر عبر منصّاتٍ عامة، أو تُشارك على نطاق واسع، بغرض إذلال الضحية، وتدمير سمعتها، أو ممارسة ضغط اجتماعي عليها. وفي مجتمع يُعَدّ فيه الشّرف والسّمعة من أهمّ القيم، قد تتحوّل هذه الأفعال إلى كارثة اجتماعية ونفسية تقع على المرأة.
وخلال ذلك، ينتشر الإقصاء والتّمييز الرّقمي المُنظّم، حيث تضطرّ النساء إلى الابتعاد عن الفضاءات الرقمية، ومنها منصات العمل أو التعليم أو التعبير، خوفًا من المضايقات أو من فقدان الأمان و"احترام الآخرين". وهكذا يُحرمن من الفرص نفسها الّتي يوفّرها الفضاء الرّقمي، ويُهمَّشن ضمن سوق العمل أو المشاركة الاجتماعية.
استهداف الصّحافيات وصانعات المحتوى
من ناحية أخرى، عندما تختار المرأة أن تكون مرئية، وأن تعبّر عن آرائها علنًا، أو أن تكتب وتُنشر، فهي تتعرّض غالبًا لهجماتٍ مركّزة، تشمل التّشويه والتّهديد، والتّشكيك المهنيّ والأخلاقيّ. وقد يظهر في هذا النّوع من العنف بُعدٌ سياسي وثقافي أكثر من كونه فرديًا، ويبيّن كيف يُستعمل الفضاء الرقمي كأداة لقمع الصّوت النّسائي أو المساهمة في تهميشه.
من هنا، لا تنفصل هذه الأشكال عن بعضها البعض، لأنّها في الواقع تتداخل وتكوّن شبكة عُنف معقّدة يصعب على الضّحية الإفلات منها، خاصّةً في غياب حماية مجتمعية أو قانونية مَتينة.
التّوثيق الجزئيّ: ما نعرفه، وما نفتقده
رغم أنّ بعض حالات العنف الرقمي في الجزائر تظهر بين الحين والآخر في الإعلام أو عبر شهادات فردية، إلا أنّ ما نملكه من بيانات ما يزال مُبعثرًا وعشوائيًا؛ فلا توجد إحصاءات رسمية، ولا مسح وطني، ولا حتى آليات رصد منهجي. هذا الغياب يجعل من الصعب تقدير حجم الظاهرة أو رسم صورة دقيقة عنها.
مع ذلك، يمكن القول إنّ جزءًا من التوثيق موجود بفضل جهود جمعيات وحركات نسوية، وباحثات وصحافيات، وفاعلين في المجتمع المدني، ممن يجمعون شهادات شخصية، وينشرون تحذيرات عبر منصات التواصل، ويقدّمون دعمًا نفسيًا أو معنويًا للضحايا. وتشكّل هذه المبادرات، رغم تشتتها وعزلتها، بذرة أولى لمحاولة رصد اجتماعي.
وتبرز في هذا السياق جمعيات الدفاع عن حقوق المرأة، ومنظمات تُعنى بالعنف الأسري، وجمعيات محلية للنّساء العاملات أو الطالبات، والتي تستقبل أحيانًا شكاوى تتعلق بالعنف التقليدي، لكنها تبقى قابلة للتوسّع نحو العنف الرقمي مع تزايد الوعي والتوجيه. كما تواصل صحافيات وناشطات نشر مقالات وتقارير ترصد تجارب نساء تعرضن لمضايقات عبر الإنترنت، في محاولة لرفع الوعي العام بالظاهرة.
ورغم أهمية هذه الجهود المدنية، يبقى التوثيق غير منتظم ومحليًا ومحدودًا للغاية. ما نحتاجه حقًا هو مسح وطني جاد، واستبيان ميداني يجمع بيانات مفصلة تُحلّل وتُنشر في تقرير مستقل، ليصبح العنف الرقمي جزءًا عضويًا من ملفات العنف ضد المرأة في الجزائر.
بين التّقنية والقانون والخوف الاجتماعي
يُعزى ضعف توثيق العنف الرقمي في الجزائر إلى مجموعة عوامل متشابكة، تبدأ بالهشاشة التقنية وتعقيدات الفضاء الرقمي، مرورًا بسهولة حذف الأدلة من صور وتسجيلات، وصعوبة تتبّع الحسابات المجهولة أو تلك التي تستخدم أدوات إخفاء الهوية مثل (VPN)، وصولًا إلى غياب بنى تحتية وطنية تُخصّص لتسجيل البلاغات الرقمية أو تحويلها إلى جهات مختصة.
إلى جانب ذلك، ما تزال المنظومة القانونية تركّز أساسًا على العنف الجسدي أو التحرش المباشر أو التشهير التقليدي، دون معالجة واضحة لجرائم الابتزاز أو التشهير الرقمي أو نشر المحتوى من دون موافقة. ويزيد من تعقيد الوضع بطء الإجراءات القضائية، ونقص التكوين الفني لدى الشرطة والمحققين في القضايا المرتبطة بالتقنية، فضلًا عن خوف الضحايا من كشف هوياتهن أو من الوصمة الاجتماعية، أو حتى من عدم جدّية المتابعة القانونية.
أما على المستوى الاجتماعي، فتظل الوصمة ثقلًا كبيرًا يلاحق الضحايا، خاصة عندما يتعلق الأمر بالسمعة أو تسريب صور خاصة للنساء، ما يدفع كثيرات إلى الصمت. وتعيد المنصات الرقمية إنتاج أنماط التحكّم الاجتماعي الموجودة في الواقع، إذ يُتوقَّع من المرأة أن تبقى حذرة وألّا تُظهر "حرية زائدة"، مما يضع عليها عبئًا مضاعفًا ويحدّ من حضورها. وفي ظل ضعف الوعي العام بخطورة العنف الرقمي باعتباره عنفًا حقيقيًا وليس "مجرد شكاوى شخصية"، تتكرّس الفجوة بين حجم الانتهاكات وما يجري توثيقه فعليًا.
بوادر توعية بمخاطر العنف الرّقمي
في خضمّ كلّ ما سبق، تبقى هناك حركاتٌ نسوية ومنظماتٌ حقوقية في الجزائر تعمل على حماية حقوق المرأة والدفاع عن القضايا الاجتماعية، كما تُقدّم أحيانًا دعمًا مباشرًا للضحايا. وتمثّل هذه الجمعيات أرضيةً ممكنةً لتوسيع نطاق التوثيق والاتجاه نحو رصد العنف الرقمي.
ومن بين هذه الهيئات، نجد جمعيات محلية للدفاع عن حقوق المرأة تُعالج قضايا العنف الأسريّ والعنف ضدّ الأطفال، وتملك شبكات من الإعلاميين والمحامين والداعمين، ويندرج ضمن أنشطتها رصدُ حوادث العنف الرقمي عند توفر الإمكانات.
ومن ناحية أخرى، تظهر مبادراتٌ مستقلة من ناشطات وصحافيات يكتبن تقارير أو مقالات تتناول المضايقات عبر الإنترنت، وتوثّق شهاداتٍ أولية تُعدّ جزءًا من التوثيق المدنيّ، رغم محدودية نطاقها.
وتُنظَّم أيضًا في بعض الأحيان ورشاتُ توعية، أحيانًا في الجامعات أو في الجمعيات، حول الأمن الرقمي، والخصوصية الرقمية، وإرشادات الحماية، ما يمثّل بدايةً لبناء ثقافةٍ رقمية تستلزم ربطها بحقوق الإنسان وصون الكرامة.
وإذا حظيت هذه الجهود بالدعم والتمويل والتدريب، إضافةً إلى شراكات مع باحثاتٍ وخبيرات، فيمكن أن تتحوّل إلى حركة توثيقٍ حقيقية للعنف الرقمي، تجمع البيانات، وتدعم الضحايا، وتدفع السلطات نحو تعديل القوانين وتطوير سياسات وقائية فعّالة.
لا يُعدّ العنف الرقمي ضد المرأة في الجزائر مجرد ظاهرة عابرة، بل هو مظهر من مظاهر الصراع المستمر على الحقوق والكرامة بين الأجيال في ظل التحولات الاجتماعية والثقافية
لماذا لا يجب أن ننتظر أكثر ؟!
إنّ المعاناة التي تخضع لها النساء في الفضاء الرقمي لا تحتمل التأجيل. لذلك، وجب إطلاق مسح وطني شامل بالتعاون بين الجمعيات النسوية، والصحافة، والجامعات، والباحثات، وبعض الإدارات الحكومية، حيث يتمّ جمع بيانات حول تجارب النّساء على الإنترنت وما يواجهنه من تحرّش وابتزاز وتشهير وإساءة. كما يجب أن يضمن هذا الإجراء السرية الكاملة وحماية الضّحايا، وأن يشمل تنوّعًا في العينات بين المدن والأرياف، والفئات العمرية والاجتماعية.
وفي السياق ذاته، تظهر ضرورةٌ مُلحّة في تكوين شبكة دعم متعددة الأبعاد: دعم نفسيّ، وقانونيّ، ورقميّ، خُصوصًا للنساء اللّواتي تعرّضن للعنف الرقمي، مع توفير خدمات المحامين والمرشدين والأعوان الأمنيين.
وتبقى حملات التّوعية الوطنية ضرورية عبر الإعلام، والمدارس، والجامعات، ومن خلال نشاط الجمعيات، لنشر معلوماتٍ كافية عن الحقوق الرّقمية، وعن كيفية تأمين الحسابات، وطرق لجوء الضّحايا إلى المساعدة.
وتجدر الإشارة هنا أيضًا إلى أهمية مراجعة وتحديث الإطار القانوني، بتضمين موادّ واضحة في القانون الجزائري لمعاقبة التّحرش والابتزاز والتّشهير الرقمي، مع آليات لحماية الضحايا، وضمان سرية الشكوى، وتسهيل جمع الأدلة الرّقمية.
ومن الإجراءات الّتي يمكنها تشجيع هذه المبادرات، دعم البحوث الاجتماعية والقانونية المتخصّصة في العنف الرقمي، وتشجيع الطلاب والباحثين على إعداد توثيقات حديثة، ونشر دراساتٍ محكّمة، ما يثري المعرفة ويقدّم أدواتٍ للمطالبة بالتّغيير.
لا يُعدّ العنف الرقمي ضد المرأة في الجزائر مجرد ظاهرة عابرة، بل هو مظهر من مظاهر الصراع المستمر على الحقوق والكرامة بين الأجيال في ظل التحولات الاجتماعية والثقافية. كما أن الفراغ في التوثيق والكشف لا يدل على ضعف هذه الظاهرة، بل يعكس غياب الاهتمام بها وتجاهل مخاطرها ونتائجها، ويشير إلى قصور كبير في فهم أن العنف قد يكون غير مرئي، لكن أثره حقيقي ومدمّر للمرأة ككيان أساسي في بناء مجتمعات واعية تتمتع بمناخ صحي.







