العمارة بوصفها استعمارًا

العمارة بوصفها استعمارًا

العمارة الاستعمارية الإيطالية في طرابلس الغرب (ويكيبيديا)

ربما نتذكر، أو نتذكر بشكل مؤكد، أن أطفال سوريا، غالبيتهم وربما جميعهم، عندما كان يطلب مدرس الرسم منهم أن يرسموا بيتًا، فإنهم يرسمون بيتًا بسقف قرميدي على شكل جملون (الجزء الأعلى من المثلث) محاطً بـ/ أو مطلًا على حديقة. مع العلم أنه لا يوجد في سوريا هكذا نوع من الأسقفة إلا ما ندر! ولدى معرفتنا أن هذا النوع من الأسقف موجود في أوروبا فسوف نفسر الأمر أن أطفال سوريا يرسمون البيت الأوروبي، فهم يخضعون لنسق قوي ومهيمن ثقافيًا هو النسق الغربي الأوروبي المتوارث من الحقبة الاستعمارية، ليس في سوريا، بل ليس في سوريا فحسب، إنما في العالم. فمثلما تهيمن الثقافة الأوروبية على العالم بصفتها المركز، كذلك تهمين عليه العمارة الأوروبية بوصفها جزءًا حيويًا من الثقافة.

عندما دخلت القوات الفرنسية إلى الجزائر 1831هدمت الكثير من العمران الجزائري وأحلت محله "عمارة المنتصر"

تعميم نموذج البيت الغربي لم ينجح واقعيًا، فلم يبن السوريون بيوتهم بأسقف جملونية على الطريقة الغربية، ربما لاختلاف المناخ، فسوريا بلد ليس مثلجًا كأوروبا، وبالتالي لا حاجة للسوريين لسقف قرميدي جملوني، لكنه نجح ثقافيًا، فرسمنا -عفويًا- بيوتهم، ولم نزل. هذا الأمر يمتد بجذوره التاريخية إلى القرن السابع عشر، حقبة الاستعمار الغربي الذي هدم أجزاء من البلدان التي استعمرها وبنى مكانها أبنية عُرفت في الهندسة المعمارية وفي الثقافة بأنها عمارة استعمارية، وهذه العمارة لم يزل جزء منها منتصبًا حتى تاريخه في غالبية البلدان التي خضعت للاستعمار.  

اقرأ/ي أيضًا: الترجمة بوصفها استعمارًا

عندما بنى البارون البلجيكي امبان "مصر الجديدة" استبعد كل ما هو شرقي من الأبنية، وبذلك طمس هوية مصر الحضارية الموغلة في القدم، ثم تم إلحاق عدة أحياء بالمدينة الكولونيالية كتوسعة لها على الطراز الغربي ذاته بحيث لم يعد ثمة إمكانية لتمييز هذه المدينة عن باقي المدن الأوروبية. في الطرف المقابل لم يتم إيلاء القاهرة القديمة أي شأن تنموي وعمراني الأمر الذي اضطر الكثير من المصريين للهجرة إلى المدينة الجديدة، وبما أن هذه المدينة مبنية لأغراض استعمارية لتسهيل حركة البضائع والاستثمار والأموال والنهب الاستعماري كان أن الفقراء لم يكن بمقدورهم العيش فيها فقد تم إقحامها بالأوروبيين وبأغنياء مصر الأمر الذي اضطر من هاجر إليها من المصريين أن يعود إلى المدينة القديمة المصرية الطابع والعلاقات حيث الإهمال والفقر والأمراض. وهنا نتذكر قول إدوارد سعيد في أن الأحياء الاستعمارية "المتحضرة والنظيفة" التي تمثل "العقل والسلطة" تحتاج لتظهر إلى أحياء مقابلة تمثل "غير المنظم والقذر والهمجي والمهدِّد". وذلك وفق البيت الشعري "والضد يُظهر حسنه الضدّ". فالحسن وفق النظرة الاستعمارية هو الشاهق والفخم وضده هي بيوت الناس  العادية التي نعرفها ونسكن فيها بوصفنا عامة الشعب.

ركّز المستعمرون على بناء المدن خارج الأسوار (غالبية المدن القديمة العربية مبنية داخل أسوار كدمشق مثلًا) حيث تمثل نقطة انطلاق البضائع من وإلى بلدانهم، بعيدًا عن المتطلبات والمواءمة المحلية، ما تطلب شوارع عريضة ومستقيمة وطويلة تسهّل حركة المستعمِر وسيطرته على عموم المدن والبلاد، وحتى الآن وفي العديد من البلدان التي تم استعمارها تتركز الأبنية الاستعمارية في وسط المدن فيما بقي الريف  بعيدًا عن اهتمام المستعمِر التنموي والعمراني، لكن تحت طائلة تدخله لقمع أي مظهر من مظاهر الرفض.

عندما دخلت القوات الفرنسية إلى الجزائر 1831 هدمت الكثير من العمران الجزائري وأحلت محله "عمارة المنتصر"، الأمر الذي أدى إلى أن المدينة الكولونيالية الجديدة ابتلعت إلى حد كبير المدينة المحلية. وأنشأت وضعًا اجتماعيًا تكرّر في كل مرة بنى فيها المستعمِر أبنيته ومنشآته الخاصة، وهو وجود مدينتين: أوروبية للمستعمِر ومحلية للسكان المحليين، تعيشان صراعًا اجتماعيًا حادًا بين أغنياء الحي الكولونيالي وفقراء الحي المحلي، مع ما يتبع هذا الصراع وما ينتج عنه من ظواهر واضطرابات معروفة في تاريخ الصراع الاجتماعي، وهذا الوضع استمر في الكثير من البلدان المستعمَرة بعد خروج المستعمِر حتى تاريخنا هذا، لا سيما في البلدان التي فشلت حكوماتها الوطنية في اقتراح حلول في التنمية، أو نتيجة وصول حكومات فساد واستبداد إلى السلطة.

وقد بنى المهندس الفرنسي هنري بروست مدينة جديدة للأوربيين في الدار البيضاء 1917، وقسم المدينة ذاتها إلى مدينتين تقسيمًا عرقيًا عنصريًا: فالمدينة الفرنسية تقع وسط بيئة نباتية غابية (من الغابات)، ومدينة مغربية ذات كثافة سكانية تعادل أكثر من مرتين كثافة المدينة الاستعمارية. وثمة الكثير من المشاكل لم تزل قائمة حتى يومنا هذا نتيجة ذلك التقسيم، ونتيجة فشل الحكومات الوطنية اللاحقة بحل هذه المشكلة.

حصل الأمر ذاته في ليبيا وتونس وغيرها على اختلاف المحتلين.

المثال الأكثر سوءًا كان في أفريقيا، فقد هدم المستعمِر مدنًا كاملة وأنشأ مكانها مدنًا استعمارية صالحة لتنقل البضائع واليد العاملة والأموال والعسكر من أفريقيا إلى فرنسا وبالعكس، وبالنظر إلى تاريخ أفريقيا قبل وبعد الاستعمار يلاحظ المراقب غياب الأبنية الأفريقية التاريخية بشكل واسع، وكأن القارة بدأت عمرانيًا مع الاستعمار!

غالبًا تتم دراسة تلك الآثار العمرانية خلال مرحلة ما بعد الاستعمار هندسيًا وجماليًا، مع تغييب مقصود أو غير مقصود للبعد الاجتماعي المرافق لبناء تلك الآثار، وما نتج عنه من اضطهاد للسكان المحليين وقتل وتهجير، ونهب لثرواتهم... فهي هندسيًا أبنية جميلة يمكن الاستفادة منها سياحيًا! بعض الدارسين يبحث في ذلك ممنونًا للاستعمار على الكنوز العمرانية التي خلفها.

ونحن أحيانًا، وربما غالبًا، مع كامل وعينا بجرائم الاستعمار، ننظر بدهشة إلى مدنهم الاستعمارية التي تركوها وننسى ربط إعمارها بجرائمهم. ونرسم بيوتنا بأسقف قرميدية جملونية، تلك الأسقف التي بنوها على جماجم أصحابها!

فإذا كان الاستعمار أهان كرامة الشعوب التي استعمرها، فإن السلطات اللاحقة وقد استتب الأمر لها في مرحلتنا الراهنة، أهانت كرامة شعوبها باسم محاربة الاستعمار وإزالة آثاره كما هي الحال في الدول العربية، والنموذح الأكثر انحطاطًا هو نموذج السلطة السورية التي دمّرت البلد وقتلت وهجرت السوريين، وذلك كله باسم محاربة الاستعمار وإزالة مخلفاته ومؤامراته! 

عند النظر إلى تاريخ أفريقيا قبل وبعد الاستعمار، يلاحظ المراقب غياب الأبنية الأفريقية التاريخية، وكأن القارة بدأت عمرانيًا مع الاستعمار!

علاقة السلطات ما بعد الاستعمار مع شعوبها تتكرر مع "موضة" الإرهاب، فالإرهاب يقتل الناس، ومحاربو الإرهاب يقتلون الناس باسم محاربة الإرهاب!

اقرأ/ي أيضًا: الخريطة بوصفها استعمارًا

مستقبلًا، ربما يتوقف أطفال سوريا عن رسم تلك الأسقف الجملونية بعد أن انبنت ذاكرتهم على مشاهد قتل وتدمير وتهجير قامت بها سلطتهم المحلية على نحو أشد فظاعة من المشاهد الاستعمارية التي رآها وعايشها أجدادهم.  فنحن انتقلنا من مستعمِر خارجي، إلى مستعمِر محلي أشد فظاظة وغلظة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

رحيل ف. س. نيبول.. أدب في خدمة الاستعمار

رينيه ماران.. أولى الصرخات الأفريقية في وجه الاستعمار