العلمانية المشوّهة عند العقل الأصولي

العلمانية المشوّهة عند العقل الأصولي

كاريكاتير لـ خالد البيه/ السودان

يصعب علينا تحديد منهجية واضحة المعالم، لديها القدرة على استيعاب كم الإرهاصات والإنتاجات الفكرية في مجال العلمانية، لذلك ارتأينا تطويق هذا الحقل المعرفي بمميزات المجتمع المحلي العربي، حيث يسهل علينا ضبط المداخل الكبرى والأروقة الفرعية، وكذا التأكيد على ضرورة فهم مجمل الخصائص التي يتمتع بها هذا المفهوم، الذي شُنَت عليه حروب هوجاء طاحنة أرادت أن تطيح به وتذويبه، لكي يصبح أكثر ملائمة للوضع المحلي الذي تطمح اللوبيات الدينية والسياسية إلى إدراجه وتعميمه ليتماشى مع ما تسعى لتحقيقه وتطبيقه في جغرافية المكان والزمان.

العلمانية نظام اجتماعي يعمل على الفصل بين مجال الديني والمجال السياسي، من حيث اعتبارهما كيانين منفصلين

من خلال استعراضنا للأدبيات الفكرية حول تاريخ الكتابة حول ماهية العلمانية وأسس تطبيقها، ظهرت لنا على السطح مجموعة من الإشكالات مردها أيديولوجيات وعقائد فكرية مختلفة، إما من منطلق الفرديات أو كيانات جهوية، أو حتى مؤسسات فكرية عريقة تُصدر لنوع من الخطابات التي تريد منها نشر فلسفة عقائدية، تطمح لإيصالها لعدد ممكن من الفاعلين في الحيز الإجتماعي، وبالرغ من من هذه الالتواءات في إيصال الحقيقة المركبة، لا بد لنا من إعادة النظر في المفهوم وتعريته من كل شوائب الخلافات والنزعات الطائفية الدينية، والتصورات الطفولية الاختزالية، والتحريك السياسي.

اقرأ/ي أيضًا:​ النقاش عن الطائفية: اتهام الدين لتبرئة السلطة

المراد من هذه المقالة هو النظر إلى الضفة الأخرى التي لم يولها علماء الاجتماع والفلسفة أهمية كبرى، وحتى وإن توافرت فيها مضامين أكاديمية التي كانت تسبغها الجدية والمصداقية، خاصة من جانب الأكاديميين المغاربة الذين عملوا على إكسابها نوعًا من الشرعية العلمية والموضوعية، وإن كانت جافة في الكثير من الأحيان ينقصها طابع التجديد والمراهنة على ضروريتها، وهي المقاربات النظرية والمعالجات المختلفة في مسألة تشريح مفهوم العلمانية خارج السياج الدوغمائي، من خلال تعاطي الفرد العربي مع هذا المفهوم الذي قدّر لنا أن نجده ملوثًا نحاول أن ننفض عنه الغبار.

في ضبابية المفهوم

"فصل الدين عن الدولة" هي تلك العبارة التي يتهدد ويبرق ويرعد ويرغي أصحاب الفهم الضعيف والمحمل بحكم قيمي حول ماهية العلمانية، وبمجرد أن العبارة تحتوي على كلمتين متلازمتين "فصل الدين" فإذا هي عبارة تسوق للانحلال الأخلاقي والفساد الذاتي واستهداف الشعائر الدينية، ومناهضة الأديان، ومحلها مباشرة عند سواد الأعظم هو الجحيم. لكن لنتمهل قليلًا، ولنعش فاصلًا بعيدًا عن الحقيبة الذاتية التي نحملها تجوالًا أينما حللنا، ولنستعمل مرة قدرتنا على تحليل الأمور والنظر إلى سبل تحقيقها، أو عجزها في تحقيق المبتغى الذي نسعى لبلوغه.

الغاية من التقصي والتحقيق هنا هو إعطاء الحق لذويه، فالعلمانية التقليدية المتمثلة في عبارة "فصل الدين عن الأجهزة السياسية" مدعاة لتعجيز سياسي محض، حول عدم قدرة المؤسسات الفعلية الناشطة –المفروض- في المجتمع عن أداء أدوارها بالشكل المطلوب، ولذلك تسعى السلطة السياسية في العالم المتخلف إلى تكثيف الجهود من النظم الدينية لإغفال العجز الوظيفي من خلال الممارسات والسلوكات الدينية التي تجهز في علب للاستهلاك الآدمي، وبالتالي يصبح الفرد داخل حلبة صراع بين التجاوز الساسي والمقدس الديني الذي يكرس لهذه الاختلالات ويصبغها بروح الله والجنة.

الأسئلة التي تتمخض عن مفهوم العلمانية هي كل الإشكالات التي تحاول الإجابة بشكل صريح وقطعي عن الضوابط والالتزمات المترتبة عن العلمانية، فالمسائل الأخلاقية، ومشاكل الأقليات والأعراق، وحركات النسوية والجندر، والشيوعية الماركسية والليبراليات التحررية، والديموقراطيات المارقة، والدكتاتوريات والنظم السلطوية، ومشاكل البيئة، والإرهاب الديني، والصراعات السياسية، كلها سجالات تتناول في طياتها عصارة ومركز نفحات العلمانية والخطوط العريضة لهذه المادة الحيوية، ومن خلال هذه التركيبة العشوائية في ذهنية المتفرج العربي الشارد وليس الفاعل العربي، لا بد من تحديد تكوين أو بعد آخر لمفهوم نظري جديد يبعث الحياة في مفهوم الجاهزي والعفن للعلمانية عند العقل الأصولي.

العلمانية هي نظام اجتماعي يعمل على الفصل بين مجال الديني والمجال السياسي نعم حقًا، من حيث اعتبارهما كيانين منفصلين عن ذاتهما، فيعتبر الأول ممارسات تقتصر على الأفراد وما تمليه عليهم عقائدهم ومسلماتهم الفكرية الفردية، التي يؤمنون بها ويسعون لتحقيق الرضا النفسي عبر التوسط مع المطلق، أي الله، والمجال السياسي يُعتبر معتركًا للحريات التعبيرية والممارسات الفعلية للمؤسسات القائمة على خلق حالة بعث جديدة في أوساط المجتمع والفاعلين بداخله، فتضمن لهم حقوقهم وتفتح لهم المبادرة لمباشرة واجباتهم المدنية، وليس كما يروج البعض من أصحاب الفم المليان والضرس القاطع من خصوم الحريات الإنسانية بأنها محاربة للقيم الدينية كبنية كلية وإقصاؤه تمامًا من الحياة الاجتماعية والثقافية، إنما بناء مجمع لتعاقد مدني عبر القوانين الوضعية المؤسسة للحياة غير الجامدة ولمتطلبات العصر ومستجدات اللحظة.

العلمانية الشاملة والعلمانية الجزئية

من أهم نماذج الفكر العلماني في العالم العربي عالم الاجتماع المصري عبد الوهاب المسيري، صاحب المؤلف "العلمانية الشاملة والعلمانية الجزئية"، حيث يصرّح المسيري بأن العلمانية ليست فصل الدين عن الدولة بتلك الطريقة الاعتباطية والقمعية، بل لا بد من توافر آليات تحفظ للجميع خصوصيته. بهذا التصريح أراد الكاتب توضيح المحتوى المضموني للكتاب، حيث يتناول فيه بابين رئيسيين تختلف المضامين بينهما "العلمانية الشاملة – الجزئية"، إذ يقصد بالجزئية فصل القنوات وكل الارتباطات الدينية بالسلطات التي تحظى بها الدولة، وهي العبارة التي قمنا بالكشف عنها سلفًا في تحديد المفهوم، أما المقصود بالعلمانية الشاملة فهي فصل القيم الإنسانية والأخلاقية والدينية عن الحياة بجانبيها الخاص والعام، وهذا ما اعتبره شديد الخطورة في الكثير من المحطات في الكتاب على التجمعات الإنسانية التي تسعى لتحقيق العدل. لذلك يؤكد المسيري في كل وضعية حرجة تشرد فيها الرؤية حول المصطلح بأنه حقًا شديد الدلالات والتعقيد، لكنه لا يعني على الإطلاق في صفته الجزئية التي نسعى لتحقيقها على أنها معادية للدين كمنهج شخصي، بل هو إجراء لفصل الدين عن ساحة الخلق الوضعي الإنساني "الاجتهادات البشرية".

من هذا المحفل الصراعي حول ماهية المفهوم، نجد الكثير من الصعوبات في تلخيص ظاهرة العلمنة في وضعيتها التاريخية والسياسية والأخلاقية، أي أن تركيبة المجتمعية شديدة التعقيد، والمنهج البنيوي الذي تبناه المسيري ساعد ولو بإسهام بسيط في فهم الظاهرة، من كل النوافد التي اختار المسيري النظر من خلالها. وبالرغم من حالة الجدل الذي صنعها المسيري بأفكاره حول وصفه لماهية العلمانية، إلا أنه أسّس لنظرية عربية جادة بكل المقاييس وأرضية فعلية في مسألة العلمانية، وحاول الإجابة عن كل الاستفهامات الكبرى والقصور المعرفي الذي كان يعاني منه المصطلح طيلة عقود معتبرة من الزمن في المنطقة العربية والإسلامية.

إشكالية الوضع وخرسانة التقبل

ما زال العقل العربي، والإسلامي بالخصوص، يعاني من حالة الركود والتباطؤ المعرفي، ففي كثير من الأحيان يرفض هذا العقل إدراج خطابات قد ينظر عليها على أنها زعزعة للمسلمات العقائدية التي يعتنقها، وأي تسليم أو تعاطف مع هذه الخطابات هو دليل على الشذود الأخلاقي والقيمي والخروج عن الأطر العرفي الذي يقتضي لزامًا التسليم فيه، فالعقل المحلي للآسف غير إبداعي، فهو إذًا عقل استهلاكي لنمط محدد من السلع، يعيش كذلك حالة نوستولجيا مع ارتباطات الماضي السحيق، لذلك نجد نوع من التنافر المقصود في إدخال تغييرات على البنية والهيكل بشقيه الخاص والعام، ومن خلال هذا الارتباط المحكم بالتاريخ أُنتج لنا ذهنية جامدة تسعى لإعادة الماضي وبعته من جديد، فالثرات الفقهي والخلافة النموذجية هي كل ما يخيم على المشهد العقلي والعاطفي، وهذه في الأخير مراهنة على أفراس خاسرة.

تحرر العلمانية الوجدان والذهنية من الفكرة الطوباوية بأن دولة الخلافة أرقى أشكال الدولة

اقرأ/ي أيضًا:​ تركي الحمد.. مُطوّع "علمانية" ابن سلمان

يقول سعيد بلكحل، أحد الأساتذة المغاربة، في هذا الصدد بأن الدول الإسلامية بحاجة ملحة للعلمانية للتحقيق هدفين رئيسيين: أولهما؛ تحرير مجال السياسي من أي سلطة توظف المقدس الديني لتكريس الاستغلال والاستبداد بالموازاة مع تحرير الإنسان والعقل والإبداع. وثانيهما؛ تحرير الوجدان والذهنية المسلمة من الفكرة الطوباوية بأن دولة الخلافة أرقى أشكال الدولة، وأن نظام الخلافة أعدل نظام الحكم على الإطلاق، هذه الفكرة التي حولها الثرات الفقهي إلى عقيدة إسلامية وفريضة دينية على كل المسلمين السعي لتحقيقها، وإخضاع العالم إلى نفوذها.

العلمانية هي الحل

ليس من الضروري أبدًا الاستعجال في توزيع الأحكام على الأمور التي نراها في شاكلتها الفوقية، أو نجهل معناها الحقيقي، فالخوض في القضايا المرتبطة بالعلمانية، خاصة في المجتمعات المحافظة المحلية، ليست بالأمر الهين إطلاقًا، خاصة مع مواقف العلمانية من الأمور التي تعتبرها سبب الاختلالات في جدولة التطلعات المستقبلية، لكن في النهاية لا بد من أمرين أساسين: أولًا؛ استيعاب أكبر لرمزيات التي تحملها التقافات المغايرة عن الثقافة المحلية، وثانيًا؛ حسن استغلال الفرص المتاحة والمساعدة للتغيير، حيث إن العلمانية تقوم على مبدأ ضرورة الإنسان أولًا وقبل كل شيء، حيث أصبحنا في هذه المجتمعات طفيليات قاتلة لا بد من استئصالها من أعضاء المجتمع، وأن أهمية ومكانة الإنسان الذي سخرها لنا الله أُهدرت في سبيل تقديم المصالح الشخصية، فالأخلاق العلمانية هي إسناد مخرجات الإنسان الإبداعية "العاطفية – المنطقية" وتكييفها مع الواقع ليصبح أكثر مرونة في التعاطي مع مستجدات الأمور.

 

اقرأ/ي أيضًا:​

الموقف العلماني.. عن الإنسان والسلطة

عن العلمانية أيضًا