العلاقات اللبنانية–السورية: ولادة فصل تاريخي جديد
8 ديسمبر 2025
تشهد العلاقات اللبنانية–السورية مرحلة مفصلية بعد سقوط نظام بشار الأسد في الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2024، ما فتح الباب أمام فرصة تاريخية لإعادة صياغة أسس جديدة للعلاقة بين البلدين، تقوم على الندية والاحترام المتبادل، بعد عقودٍ من التعقيد والتوتر والوصاية والتداخل الأمني والسياسي.
فعلى مدى عقود، تشكّلت بين دمشق وبيروت علاقة شديدة التعقيد، تداخلت فيها التدخلات السياسية والأمنية مع الروابط الاجتماعية والجغرافية. فقد فرضت الوصاية الأسدية حضورًا عسكريًا مباشرًا في لبنان منذ الحرب الأهلية وحتى عام 2005، ثم جاءت الحرب السورية عام 2010 لتضيف أعباء جديدة مع تدفّق مئات الآلاف من اللاجئين الفارّين من بطش النظام، إلى جانب تورّط حزب الله في القتال داخل سوريا. كلّ ذلك جعل العلاقة بين البلدين مضطربة وغير متوازنة.
ولكن بعد سقوط نظام بشار الأسد، دخلت العلاقة بين سوريا ولبنان مرحلة جديدة من إعادة البناء والتأسيس نتيجة التغيّرات السياسية والتطوّرات الأمنية في دمشق، فمع خروج الأسد من المشهد، انفتح المجال أمام سلطة انتقالية سورية جديدة تتواصل بشكل مختلف مع بيروت، حيث توقّفت أو تقلّصت هيمنة الأجهزة السورية التقليدية على مفاصل السياسة اللبنانية، ممّا خلق علاقة أكثر نديّة بين الطرفين، وترافق ذلك مع المرحلة الجديدة التي يعيشها لبنان بانتخاب العماد جوزاف عون رئيسًا للجمهورية والقاضي نواف سلام رئيسًا للحكومة، ممّا استوجب حصول تحوّل جذري في العلاقات نتيجة هذه المتغيّرات والتحوّلات الإقليمية والدولية.
دخلت العلاقة مع بيروت مسارًا جديدًا عبر إعادة تفعيل التمثيل الدبلوماسي الذي أسفر عن زيارات رسمية متبادلة بين البلدين لإعادة فتح مسار من العلاقات الجديدة القائمة على الحوار المباشر والاحترام المتبادل لسيادة الدولتين، والتعاون المشترك في العديد من الملفات، أبرزها: ضبط الحدود وترسيمها، إعادة الموقوفين السوريين في السجون اللبنانية، التعاون الأمني والاقتصادي.
فاليوم، وأمام الذكرى السنوية لتحرير سوريا، نشهد على نموذج لولادة تاريخ جديد بين البلدين.
دخلت العلاقة مع بيروت مسارًا جديدًا عبر إعادة تفعيل التمثيل الدبلوماسي الذي أسفر عن زيارات رسمية متبادلة بين البلدين لإعادة فتح مسار من العلاقات الجديدة القائمة على الحوار المباشر والاحترام المتبادل لسيادة الدولتين
السياق التاريخي
لقد شكّلت سوريا لاعبًا مركزيًا في الساحة السياسية اللبنانية لسنوات طويلة، من الوصاية السورية العسكرية (1976–2005) وما تخلّله من تدخّلات سياسية وتأثيرات أمنية، وبناء شبكات مصالح تتقاطع مع فاعلين لبنانيين محليين وإقليميين، ولكن مع اغتيال رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري عام 2005 وما تبعه من انتفاضة 14 آذار التي أدت إلى خروج قوات النظام السوري من لبنان، ممّا أعاد تشكيل المشهد السياسي اللبناني وأضعف النفوذ السوري المباشر لكنّه لم يُنهِ علاقات المصالح الطويلة خاصة مع الحلفاء في الداخل اللبناني.
ولكن سقوط نظام الأسد شكّل مرحلة جديدة من إعادة البناء والتأسيس للعلاقات بين البلدين الشقيقين، حيث يمثّل التحرير نقطة تحوّل جيوسياسية إقليمية قد غيّرت قواعد التفاعل السياسية والأمنية بين دمشق وبيروت. وبالتالي لا بد من استعراض كيف تبدّلت العلاقات بين البلدين بعد سقوط النظام؟ وما هي المشاريع والقضايا الحساسة التي يتعاون فيها البلدان؟ وما هي السيناريوهات المستقبلية لتطوير هذه العلاقات؟
التصريحات السياسية والدبلوماسية... لغة التعاون
تبرز ملامح مسار التغيير من تشكيل القيادة السورية الجديدة بعد الإطاحة بنظام بشار الأسد، والتي اعتُبرت إحدى أبرز العوامل المحرّكة في إحداث تحوّل في السياسة السورية على الصعيدين الداخلي والخارجي، وترافق ذلك مع عودة سوريا إلى الحضن العربي وفتح قنوات اتصال جديدة مع الدول المحيطة، وهذا التوازن انعكس على لبنان، وأسفر عن فتح قنوات تواصل جديدة لإعادة ترتيب العلاقات مع الدول المجاورة والقوى الإقليمية والدولية على حد سواء.
حمل تصريح وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني في مقابلة على قناة "الإخبارية" السورية دلالات هامة، حيث وضع الإصبع على الوجع عندما تجاوز "التابوهات" (المحرّمات) السياسية حين قال: "هناك صورة سيئة أوصلها النظام السابق بطريقة مشوّهة للبنان واتّبع سياسة تشبيحية لا أحد يستطيع أن ينكر هذا الشيء"، وأضاف: "نحن نريد تصحيح هذه العلاقة، والإرث الذي خلّفه النظام السابق لسنا جزءًا منه ولا نتحمّل مسؤوليته السياسية، اخترنا أن نتعاون في هذه المرحلة مع لبنان".
وبالتالي هناك تحوّل في اللغة الدبلوماسية السورية تجاه لبنان، على سبيل المثال: "احترام سيادة لبنان" و"عدم التدخّل في شؤونه الداخلية"، ممّا يمثّل تغييرًا نوعيًا مقارنة بالمراحل السابقة من خلال الوصاية السياسية والأمنية على لبنان، بالإضافة إلى محاولة تصحيح صورة سوريا لدى لبنان والمجتمع اللبناني، وإذكاء فكرة الشراكة الاقتصادية بين البلدين عبر المسارات الاستثمارية. كما شكّل الملف الإنساني للنازحين والموقوفين السوريين في السجون اللبنانية مدخلًا أساسيًا لتحوّل في العلاقات، أضف إلى ذلك ملف الحدود والتعاون في مكافحة تهريب الأسلحة والمخدرات.
كما أكّد رئيس الجمهورية اللبنانية جوزاف عون على أهمية التعاون وإقامة علاقات جيدة مع سوريا، قائمة على الاحترام المتبادل وعدم التدخّل في الشؤون الداخلية.
أضف إلى ذلك المتغيّرات في الأوساط اللبنانية بعد الحرب الإسرائيلية الأخيرة عبر القرار الذي اتّخذته الحكومة اللبنانية الجديدة بحصرية السلاح بيد الدولة واحترام سيادة الأراضي اللبنانية، ممّا شكّل مشهدًا جديدًا في بيروت.
وبالتالي أسفرت جميع هذه التحولات المفصلية عن ضرورة إعادة ترتيب العلاقات اللبنانية–السورية في مرحلة تاريخية، عبر زيارات رسمية متبادلة من الحكومة السورية الجديدة إلى لبنان وزيارات لبنانية إلى دمشق، ممّا يدل على رغبة متبادلة في إعادة رسم مسار العلاقات على أساس الاحترام المتبادل والتعامل "من دولة إلى دولة".
وفي الإطار ذاته، تم تشكيل لجان مشتركة تهتم بمتابعة ملفات تتعلق بالقضايا الأمنية والسياسية والقضائية، من ضبط الحدود والحدّ من تهريب السلاح والمخدرات، وترسيم الحدود البرية، وإيجاد حل لملف الموقوفين والسجناء السوريين في لبنان، ملف اللاجئين السوريين، ملف المفقودين والمعتقلين اللبنانيين، تبادل المعلومات وتحديث آليات التبليغ والتسليم، ممّا يضمن المصالح المشتركة للدولتين.
ملف النازحين وموجات العودة الآمنة
مع تغيّر الوضع في سوريا، بدأت مرحلة عودة تدريجية وآمنة للاجئين من لبنان، فقد وضعت الأمم المتحدة ووزارتا الداخلية في البلدين خطة للعودة الطوعية، ممّا خفّف الضغط عن لبنان سياسيًا واجتماعيًا، فهو استضاف أعلى نسب للاجئين مقارنة بمجموعته السكانية. وأشارت تقارير أممية إلى عودة مئات الآلاف إلى مناطق اعتُبرت من قبل حكومات ومنظمات دولية آمنة جزئيًا، بينما تبقى تحديات السكن والوظائف والهوية والضمانات الأمنية عقبة أمام عودة واسعة ومستقرة.
ملف السجون والموقوفين
بلغ عدد السجناء والموقوفين السوريين في لبنان الـ 2000 نزيل، أغلبهم يقبعون في سجن رومية المركزي، والقسم الأكبر غير محكوم، بينهم حوالي 700 شخص متهمون بجرائم "إرهاب"، والباقون يُلاحقون بجرائم (تجارة المخدرات، الاحتيال، السرقة، التزوير وغيرها...). وبالتالي فإن الأعداد المتزايدة فاقمت أزمة السجون اللبنانية التي تعاني أساسًا من ضعف البنية التحتية وقلة الموارد، وبالتالي تتقاطع المصالح بين سوريا ولبنان في حل الملفات العالقة ومنها حل أزمة السجناء السوريين ممّا قد يخفّف من أزمة الاكتظاظ ويقلّص الضغط على السجون. وتشير كل المعطيات إلى أنّ تسليم السجناء سيشكّل أساسًا متينًا لإعادة بناء جسور الثقة بين الحكومتين ممّا يحقق المصلحة المشتركة.
وانطلاقًا من الزيارات المتبادلة ناقش الطرفان آلية التعاون، فتمّ تشكيل لجنة قضائية لإيجاد صيغة اتفاق بين وزارتي العدل اللبنانية والسورية، كما تضمن ملف المفقودين اللبنانيين في سوريا. وبحسب المعلومات، هناك اتجاه إلى إعادة محاكمة الموقوفين في بلدهم الأصلي أو تمضية محكوميتهم هناك. وبالتوازي، كشفت مصادر إعلامية لبنانية أن هناك طرح قيد النقاش حول عفو عام لبناني سيصدر قريبًا بحيث يشمل: الموقوفين الذين لم يُحاكموا بعد، والموقوفين الذين أمضوا نصف محكومياتهم، وفي سياق متصل سيعالج مشكلة موقوفي الشمال بتهم "الإرهاب"، وموقوفي البقاع بتهم المخدرات. ولكن يبقى الموقوفون بـ"جرائم إرهاب ضد الجيش اللبناني" ملفًا حساسًا ودقيقًا.
ترسيم الحدود وضبط المعابر والتهريب
يُعتبر من الملفات بالغة الحساسية حيث يمسّ بقضايا السيادة، ويحتاج نجاح ترسيم الحدود إلى قرار سياسي ورعاية إقليمية ودولية نظرًا لتشابك الأبعاد اللبنانية–السورية مع النزاع العربي–الإسرائيلي، كما هو ملف متداخل مع ملفات التهريب والمعابر غير الشرعية.
لقد ساهم التنسيق الأمني بين دمشق وبيروت في تفكيك خلايا تهريب السلاح والمخدرات، وتحجيم الشبكات المسلحة، ممّا فتح الباب أمام أمن حدودي مستقر نسبيًا يحترم سيادة الطرفين.
الشراكة الاقتصادية والتعاون التجاري... إعادة الإعمار
شكّلت إعادة فتح المعابر مثل (العماد – جديدة يابوس والدبوسية) إلى العمل الطبيعي فرصة لرفع حجم التبادل التجاري، وأعادت سوريا ممرًا بريًا للبنان نحو الخليج.
أضف إلى ذلك أنّ رفع العقوبات عن سوريا سيسمح بتدفّق الاستثمارات الأجنبية والعربية ممّا سيفتح أبوابًا اقتصادية جديدة خاصة في ملف إعادة الإعمار، وسيشكّل فرصة لشراكات لبنانية–سورية، أيضًا في مشاريع الطاقة والربط الكهربائي عبر استجرار الغاز من الأراضي السورية.
وفي حال نجحت الإدارة السورية في التحول إلى استقرار مستدام، قد تشهد المنطقة ولادة تعاون اقتصادي واسع: من تحديث المعابر إلى مشاركة القطاعات اللبنانية في مشاريع الإسكان والطاقة والبنى التحتية داخل سوريا.
شكّل سقوط نظام الأسد تحولًا مفصليًا إقليميًا ومنعطفًا جذريًا في تاريخ المنطقة، وفتح أبوابًا وصفحات جديدة تُنهي عقودًا من التعقيد والتداخل بين لبنان وسوريا
مستقبل العلاقات – ولادة تاريخ جديد:
السيناريو الأول: تطبيع تدريجي وشراكة اقتصادية لإعادة الإعمار
هذا السيناريو يعتمد على قدرة السلطة السورية الجديدة على تثبيت الاستقرار في مناطقها، وقدرة الحكومة اللبنانية على صوغ سياسة خارجية موحدة، وهو تحدٍّ بحد ذاته، حيث تتجه العلاقة بين البلدين إلى إدارة الملفات الشائكة والمشتركة عبر توسيع اللقاءات والزيارات الرسمية المتبادلة، وتفعيل عمل اللجان الأمنية والقضائية.
السيناريو الثاني: صراع بارد بإدارة إقليمية ووصاية جديدة
قد تبقى العلاقة بين البلدين محكومة بموازين المحاور، فيتحول لبنان إلى ساحة تنافس غير مباشر على النفوذ في سوريا. وهذا السيناريو يعني توترات حدودية متقطعة، وضغطًا على الملفات العالقة، وتوظيفًا للقوى السياسية اللبنانية وفق مصالح الخارج، ممّا يرفع احتمال تفجّر أزمات محلية أو اشتباكات محدودة.
السيناريو الثالث: انهيار أمني جديد
لا يزال الوضع الأمني هشًا، فاحتمال الانزلاق إلى فوضى شاملة في سوريا قائم: صراع بين قوى انتقالية، عودة تنظيمات مسلحة، أو تدخل إقليمي مباشر، خاصة مع تسريبات وكالة "رويترز" من أن "اثنين من أقرب رجال الأسد وهما اللواء كمال حسين وابن خاله رامي مخلوف يحاولان تشكيل ميليشيات في الساحل السوري ولبنان". وفي هذه الحالة، سيكون لبنان أول المتأثرين: موجات نزوح جديدة، اشتباكات حدودية، وانقسام سياسي داخلي قد يشعل الجبهات ويعيد البلاد سنوات إلى الوراء.
مرحلة مفصلية وفرصة تاريخية
شكّل سقوط نظام الأسد تحولًا مفصليًا إقليميًا ومنعطفًا جذريًا في تاريخ المنطقة، وفتح أبوابًا وصفحات جديدة تُنهي عقودًا من التعقيد والتداخل بين لبنان وسوريا. فنحن اليوم أمام فرصة نادرة لتحويل مرحلة سقوط النظام السوري من نقطة انهيار إلى نقطة انطلاق نحو علاقة أكثر توازنًا واستقرارًا وتعاونًا في إدارة الملفات الحدودية والأمنية والإنسانية والاقتصادية، عبر ممارسة دبلوماسية ذكية توازن بين المصالح الوطنية والضغوط الإقليمية والدولية.
نحن نشهد اليوم أمام نموذجًا لولادة تاريخ جديد بين بلدين تجاوزا تراكمات ومتفجرات الماضي بكل ما حمله من مآسٍ وأحزان وأوجاع، وعلى الرغم من جميع التحديات المتشابكة والمتشعبة التي تواجههما، يحاولان بناء مستقبل مشترك مزدهر ومتطور يتجاوز الوصاية نحو استعادة السيادة.