العلاقات الجزائرية المالية في مفترق طرق بعد أزمة سحب السفراء وإغلاق المجال الجوي
10 ابريل 2025
تفاقمت مؤخرًا الخلافات بين الجزائر ودول تجمع الساحل (مالي، النيجر، وبوركينا فاسو)، ما دفع دول التجمع إلى سحب سفرائها من الجزائر، في خطوة قابلتها الأخيرة بالمثل.
ويُعزى التصعيد المباشر في الأزمة إلى قيام الجيش الجزائري، في أواخر آذار/مارس الماضي، بإسقاط طائرة مسيّرة ماليّة قرب الحدود المشتركة بين البلدين.
وتقول الجزائر إن الطائرة انتهكت مجالها الجوي، ما استدعى إسقاطها. في المقابل، تنفي باماكو هذه الرواية، مشيرة إلى أن تحقيقاتها أظهرت أن "الطائرة دُمّرت جراء عمل عدائي متعمد من قبل النظام الجزائري".
وأضافت مالي أنها "عثرت على حطام الطائرة على بُعد 9.5 كيلومترات جنوب الحدود المشتركة"، موضحة أن "المسافة بين نقطة فقدان الاتصال وموقع الحطام لا تتعدى 441 مترًا، وتقع كلا النقطتين داخل الأراضي الوطنية المالية".
كما فسّرت السلطات المالية السقوط العمودي للطائرة بأنه "نتيجة لنيران صاروخية من نوع أرض-جو أو جو-جو". واختتمت باماكو بيانها بإدانة شديدة اللهجة للجزائر، واصفةً ما قامت به القوات الجزائرية بأنه "عمل عدائي غير مسبوق".
ليس الخلاف الحالي بين الجزائر ومالي هو الأول من نوعه، فقد شهدت السنوات الماضية توترات مستمرة في العلاقات الجزائرية المالية، حيث تتهم باماكو الجزائر بـ"التواصل مع المجموعات الإرهابية الناشطة على على الحدود المالية"، الأمر الذي تنفيه الجزائر وتعتبره مجرد اتهامات باطلة
ولم تصدر الجزائر أي تعليق مباشر على التحقيق المالي، لكنها كانت قد أعلنت، الإثنين الماضي، إغلاق مجالها الجوي أمام الطائرات المالية، متهمةً باماكو بالقيام بـ"اختراقات متكررة" للمجال الجوي الجزائري، في إشارة واضحة إلى تمسّكها بروايتها بشأن المسيّرة التي تزعم أنها خرقت أجواءها.
في المقابل، ردّت مالي بإجراء مماثل، فأعلنت إغلاق مجالها الجوي أمام جميع الطائرات الجزائرية، متّهمةً الجزائر بـ"الاستمرار في رعاية الإرهاب الدولي".
وشهدت العاصمة المالية باماكو، يوم الأربعاء، تظاهرة شارك فيها مئات الأشخاص أمام السفارة الجزائرية، حيث رفعوا لافتات وردّدوا شعارات مناهضة للجزائر.
خلفيات الصراع
ليس الخلاف الحالي بين الجزائر ومالي الأول من نوعه؛ فقد شهدت السنوات الأخيرة توترات مستمرة في العلاقات بين البلدين. حيث تتهم باماكو الجزائر بـ"التواصل مع المجموعات الإرهابية الناشطة على الحدود المالية"، وهو ما تنفيه الجزائر وتعتبره "ادعاءات باطلة".
وعلى خلفية هذه الاتهامات المتبادلة، تم استدعاء السفراء مرتين، الأولى في كانون الأول/ديسمبر 2023، والثانية في نيسان/أبريل 2024، ليكون الاستدعاء الأخير هو الثالث في أقل من ثلاث سنوات.
إلا أن الأزمة الحالية تأتي في سياق مختلف، بالنظر إلى مغادرة القوات الفرنسية لدول تجمع الساحل، وتحرك روسيا لملء الفراغ الأمني، إلى جانب عودة العلاقات الجزائرية الفرنسية إلى مجاريها بعد فترة من الاضطراب.
ومن بين العوامل الأخرى التي تُغذي التوترات بين الجزائر ومالي، هناك ملف الحركات الأزوادية الانفصالية في شمالي مالي. ففي عام 2015، وقعت الحكومة المالية اتفاق سلام مع هذه الحركات برعاية الجزائر، لكن المجلس العسكري في مالي أعلن لاحقًا مغادرته للاتفاق، متهمًا الجزائر بالانحياز للحركات الانفصالية ودعمها لتقويض السيادة المالية، فضلاً عن تدخلها في الشؤون الداخلية عبر استضافة قادة الحركات الانفصالية وزعماء المعارضة السياسية، ومن أبرزهم الإمام محمد ديكو.
كما شهد العام الماضي اشتباكات عسكرية بين الجيش المالي، مدعومًا بعناصر من فاغنر ومجموعات الطوارق، بالقرب من الحدود الجزائرية، مما دفع الجيش الجزائري إلى إعلان حالة تأهب خوفًا من انتقال المعارك إلى الأراضي الجزائرية.
يُذكر أن مالي والجزائر تشتركان في حدود طويلة تزيد عن 1300 كيلومتر، حيث تنشط على طول هذه الحدود حركات مسلحة ومجموعات لتهريب البشر والأسلحة والممنوعات.
روسيا تدخل على الخط: إنشاء بنية أمنية جديدة في المنطقة
في أعقاب التصعيد الأخير، سارعت روسيا إلى عقد قمة مع دول تجمع الساحل في موسكو، حيث عُقدت قمة رباعية في العاصمة الروسية يوم الإثنين الماضي، ضمت روسيا ومالي والنيجر وبوركينا فاسو. وبحسب البيان الختامي الصادر عن القمة، اتفقت الدول الأربعة على تعميق المباحثات وتعزيز التعاون في المجالات الأمنية والدبلوماسية والتنموية.
وقد لفتت تصريحات وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف الأنظار، حيث أكد أن روسيا "مستعدة لتقديم الدعم الأمني والدفاعي إلى مالي وبوركينا فاسو والنيجر"، مشيرًا إلى أن موسكو "ستساعد دول الساحل في تعزيز قدرتها القتالية وتطوير قواتها المسلحة لمواجهة جميع التهديدات". وأضاف لافروف أن "روسيا تعتبر تحالف دول الساحل مشروعًا يهدف إلى إنشاء بنية أمنية جديدة في المنطقة، ويتبع سياسة خارجية مستقلة ترتكز على المصالح الوطنية، دون الالتفات إلى الأجندات الاستعمارية"، وفق تعبيره.
سارعت روسيا إلى عقد قمة مع دول تجمع الساحل في موسكو، على إثر التصعيد الأخير، حيث عُقدت في العاصمة الروسية الإثنين الماضي قمة رباعية (روسيا ومالي والنيجر وبوركينا فاسو)
وفي هذا السياق، اتهم لافروف بعض القوى الاستعمارية بمحاولة "زعزعة الأمن والاستقرار في المنطقة"، مشيرًا إلى فرنسا بشكل خاص، حيث أكدت دول الساحل أنها تتهمها بـ"تغذية الحركات الإرهابية".
يُذكر أن تحالف دول الساحل تأسس في أيلول/سبتمبر 2023، وفي تموز/يوليو 2024، أعلنت العواصم المشاركة فيه عن تحويل التحالف إلى كونفدرالية، قبل أن تقرر هذه الدول في بداية العام 2025 الانسحاب من المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا "إيكواس".
أما العلاقة بين هذه الدول وروسيا، فقد تعمقت بشكل أكبر بعد الانقلابات العسكرية التي شهدتها تلك الدول، حيث أطاحت بالحكومات التي كانت على علاقة وثيقة بباريس، ما أدى إلى توتر العلاقات بين هذه الدول وفرنسا. وقد وصل الأمر إلى طرد القوات الفرنسية من دول تجمع الساحل الثلاث، مما أفسح المجال أمام النفوذ الروسي المتزايد في المنطقة.