العلاقات الأميركية البرازيلية.. ترامب يدفع برازيليا نحو بكين
21 سبتمبر 2025
نالت البرازيل، كغيرها من الدول، نصيبها من الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترامب على الواردات الأجنبية في الثاني من نيسان/أبريل الماضي، وهو اليوم الذي أطلقت عليه الإدارة الأميركية اسم "يوم التحرير".
ورغم ذلك، استقبلت البرازيل الخطوة الأميركية بهدوء، إذ خضعت صادراتها فقط للتعريفة الأساسية بنسبة 10%، وهو المعدل الذي انطلقت منه رسوم ترامب.
لكنّ الوضع تغيّر جذريًا بالنسبة لأكبر اقتصاد في أميركا الجنوبية عندما رفع ترامب الرسوم على الصادرات البرازيلية لتصل إلى 50% بحلول نهاية تموز/يوليو الماضي، ما يجعلها واحدة من أعلى النسب التي فُرضت على أي دولة.
برّرت إدارة ترامب زيادة الرسوم الجمركية بزعم تعرض الرئيس البرازيلي السابق بولسونارو لانتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان تهدد سيادة القانون
رأت الحكومة البرازيلية في الخطوات الأميركية أكثر من مجرد سياسة حمائية، معتبرة أن الأمر يمثل حربًا تجارية وتدخلاً أميركيًا يهدف للتأثير في سياساتها الداخلية.
وقد برّرت إدارة ترامب زيادة الرسوم الجمركية سياسيًا، بالقول إن "الاضطهاد والمضايقة والترهيب والرقابة والملاحقة السياسية التي يتعرّض لها الرئيس البرازيلي السابق جايير بولسونارو ترقى إلى مستوى الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان التي تقوّض سيادة القانون في البرازيل".
ولم تكتف الإدارة بذلك، بل ألغت أيضًا تأشيرات 8 من أصل 11 قاضيًا في المحكمة الفيدرالية البرازيلية العليا، التي تضطلع بدور محوري في محاكمة بولسونارو، وفرضت عقوبات اقتصادية على القاضي ألكسندر دي مورايش، الذي أصدر حكمًا بسجن الرئيس السابق لمدة 26 عامًا خلال أيلول/سبتمبر الجاري، بموجب قانون "ماغنيتسكي العالمي".
ويخضع بولسونارو، الحليف السابق المهم لترامب، حاليًا مع بعض أنصاره للمحاكمة بتهمة تدبير تمرّد ضد الديمقراطية بعد فشله في الفوز بولاية جديدة عام 2022.
اعتبرت حكومة الرئيس البرازيلي، لولا دا سيلفا، هذه الإجراءات "انتهاكًا فاضحًا لسيادة البرازيل ومحاولة متعمّدة لإضعاف موقع الرئيس قبل الانتخابات المقررة في تشرين الأول/أكتوبر 2026".
على المستوى الاستراتيجي، دفعت هذه الإجراءات أكبر اقتصاد في أميركا الجنوبية إلى التقارب مع الصين، وتصنيف واشنطن كشريك غير موثوق، بعد قرنين من التعاون الدبلوماسي والاقتصادي بين البلدين.
وأظهرت استطلاعات الرأي أن الخطوات الأميركية أضرت بشعبية بولسونارو وبصورة الولايات المتحدة لدى الرأي العام البرازيلي وشرائح من النخبة الاقتصادية. وتشير "فورين أفيرز" إلى أن الأوساط الاقتصادية، بما فيها تلك المحافظة والمؤيدة سابقًا للتناغم مع واشنطن، أصبحت تميل إلى استراتيجية حكومة لولا دا سيلفا، القائمة على "تنويع التعاون الاقتصادي وتقليل الاعتماد على الولايات المتحدة"، وذلك من خلال دعم التعددية الاقتصادية، وفي مقدمتها منظومة "البريكس"، التي تعدّ البرازيل طرفًا أساسيًا فيها.
تعمُّق الحضور الصيني في البرازيل
تستثمر الصين في قطاعات حيوية في البرازيل، تشمل الطاقة والتكنولوجيا والصناعات والدفاع والموانئ والزراعة. وتتولى بكين حاليًا تنفيذ مشروع استراتيجي هو "سكة الحديد العابرة للقارات"، التي ستربط مستقبلًا المحيط الأطلسي بالمحيط الهادئ.
وتجاوز حجم التبادل التجاري بين الصين والبرازيل 1.14 تريليون دولار، ما يجعل الصين أكبر شريك تجاري للبرازيل، وتوجت هذه الشراكة باتفاق البلدين على الاستغناء عن الدولار في تبادلاتهما التجارية، والاعتماد على عملتيْهما المحليتين.
ولم تخف واشنطن امتعاضها من التقارب الصيني-البرازيلي، خصوصًا بعد مغادرة جايير بولسونارو للسلطة وعودة لولا دا سيلفا إلى الرئاسة. ويعتقد كثيرون أن الاستهداف الأميركي للبرازيل برسوم جمركية عالية يرتبط بشكل رئيسي بتقاربها المتزايد مع الصين.
وفي سياق ردها على الرسوم الجمركية الأميركية المفروضة على وارداتها، أعلنت الصين عن نيتها "توسيع وزيادة وارداتها من السلع البرازيلية، مثل البن واللحوم والحبوب"، ورأى المتابعون في هذا الإعلان مؤشرًا على إعادة بكين ترتيب استراتيجيتها في العلاقات الاقتصادية والتجارية.
تجاوز حجم التبادل التجاري بين الصين والبرازيل 1.14 تريليون دولار، ما يجعل الصين أكبر شريك تجاري للبرازيل
يُشار إلى أن البرازيل واجهت الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب أيضًا عبر إصدار قانون "المعاملة الاقتصادية بالمثل"، الذي يتيح للرئاسة البرازيلية تقييم الخطوات الأميركية وتحديد الإجراءات المناسبة للرد عليها.
ومن المتوقع أن تقدم الرئاسة البرازيلية، نهاية الشهر الجاري، تقريرًا يوضح الإجراءات المقترحة، والتي قد تشمل فرض رسوم مماثلة على الواردات الأميركية، ودعم شراء الصادرات التي فرضت عليها الرسوم بهدف جعلها مخزونًا احتياطيًا. وتشمل قائمة السلع البرازيلية المستهدفة بالرسوم الأميركية: الأساي، ماء جوز الهند، العسل، وغيرها.
الشراكة بين البرازيل والولايات المتحدة
كانت البرازيل حتى وقت قريب حليفًا قويًا للولايات المتحدة، إذ وقفت إلى جانب واشنطن في الحرب العالمية الثانية، واستقبلت قواعد أميركية لا تزال قائمة في شرق البلاد. وتعززت هذه الشراكة بتوقيع البلدين اتفاقيات أمنية في مكافحة المخدرات والتعاون الدفاعي عام 2010.
وفي المقابل، حصلت البرازيل على مساعدات اقتصادية أميركية، مع تزايد الاستثمارات الأميركية في البلاد، وبلغ الفائض التجاري الذي حققته واشنطن من هذه العلاقة خلال العقدين الماضيين حوالي نصف تريليون دولار.
لكن هذه العلاقة الاستراتيجية بدأت تتضرر مع تبني البرازيل مواقف سياسية ودبلوماسية مناوئة لواشنطن، مثل موقفها من غزو العراق، ودورها في تأسيس مجموعة "بريكس" عام 2009، والتوجه المتدرج لدعم صعود الجنوب العالمي خلال الولاية الرئاسية الأولى للرئيس لولا دا سيلفا (2003-2011). وتعززت هذه التوجهات مع حكم ديلما روسيف (2011-2016)، قبل أن تتحسن العلاقات مؤقتًا مع صعود اليمين البرازيلي ممثلاً في جايير بولسونارو.









