العقل السياسي الأميركي.. في نقد القوة الناعمة والهيمنة المعاصرة
18 أغسطس 2026
إبان الحرب الباردة بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة الأميركية، انشغل العالم بالصراع الفكري والثقافي بين البلدين، وهو صراع لم يتوقف عند القوة العسكرية والتطور العلمي والتكنولوجي وسباق التسلح، بل امتد إلى الأفلام والموسيقى والأدب والرياضة.
ومن هنا تشكلت رؤية سائدة في المجتمع العالمي مفادها أن مشاكل العالم لا بد من إيجاد الحلول النهائية لها في أحد النموذجين المتمثلين في الرأسمالية والشيوعية.
فأميركا كانت ترى في البلدان الشيوعية أنظمة قمعية شمولية تسلب الأفراد حريتهم، بعد أن توهمهم بالحلم الشيوعي، وبالخلاص عبر يوتوبيا أرضية زائفة، في الوقت الذي تحولت فيه بعض البلدان الشيوعية إلى نخب برجوازية لا تحتكر الحرية فقط، وإنما حتى السلع والصناعات المتطورة في البلدان الرأسمالية.
وفي الوقت نفسه، كانت الأنظمة الشيوعية ترى أن النزعة الليبرالية الفردية في النظام الرأسمالي هي وجه آخر لاغتراب الإنسان أمام الآلة والتقدم الحضاري والعلمي، ومن هنا يصبح الجوهر الإنساني نفسه شيئًا قابلًا للتسليع، بما في ذلك أقدس ما يملكه الإنسان، أي الروح، وكذلك الفن والشعر والموسيقى المنبثقة من أعماق هذه الروح والعاطفة.
إن الحرب الباردة بين البلدين يمكننا أن نسميها أيضًا حرب القوى الناعمة، والتي سعى فيها كل طرف إلى فرض نظام للهيمنة ورؤية محتكرة للعالم. إلا أن الاتحاد السوفييتي كان يتفوق في كثير من المجالات على الولايات المتحدة، وكان أكثر تأصيلًا من ناحية القيم الإنسانية والفكرية، مقابل فوضى الحرية التي بشرت بها الولايات المتحدة الأميركية على حساب الإنسان والقيمة والمعنى.
لكن بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، هل يمكننا القول إن أميركا انتصرت بالقوة الناعمة وبحربها الباردة طويلة الأمد، أم بقوتها الاقتصادية والعسكرية واستراتيجيتها في الحروب؟ هذا ما سنسلط عليه الضوء في المفهوم الحديث للقوة الناعمة عند أميركا بوصفها أداة للهيمنة والاستعمار المعاصر.
الطبيعة المتغيرة للهيمنة
في كتاب "القوة الناعمة" للأميركي جوزيف صموئيل ناي، أستاذ العلوم السياسية والمساعد السابق لوزير الدفاع والشؤون الأمنية في حكومة بيل كلينتون، طُرح مفهوم القوة الناعمة كوسيلة استراتيجية ناجحة في السياسة الدولية للولايات المتحدة الأميركية، وكذلك في حروبها.
فالقوة الناعمة لأي بلد، وفقًا لناي، تنبع من عدة موارد، أهمها ثقافته في الأماكن الجاذبة للآخرين، ثم قيمه السياسية عندما يكون معيارها الصدق والإخلاص في الداخل والخارج، وأخيرًا السياسة الخارجية عندما يراها الآخرون مشروعة وذات سلطة معنوية.
إن الثقافة العليا والثقافة الشعبية هما أهم موردين للقوة الناعمة؛ فالثقافة هي مجموعة القيم والممارسات التي تخلق معنى للمجتمع، وتتمثل في الأدب والفن والتعليم التي تعجب النخبة، أما الثقافة الشعبية فتركز على إقناع الجماهير بشكل عام، ويمكن أن تمتد إلى الأزياء والتراث والأطعمة والأفلام والأغاني الشعبية.
ربما يعتبر البعض أن بلدًا ما قوي إذا كان لديه عدد سكان وإقليم جغرافي واسع، وموارد طبيعية كبيرة، وقوة اقتصادية وعسكرية واستقرار اجتماعي. هذا التعريف يجعل القوة تبدو مادية ملموسة وقابلة للقياس، لكن له مشاكله أيضًا. فعندما يربط الناس القوة بالموارد التي تنتجها، فإنهم يواجهون أحيانًا مفارقة تتمثل في أن الأقوى لا يحصل دائمًا على النتائج التي يريدها.
الثقافة العليا والثقافة الشعبية هما من أبرز مصادر القوة الناعمة؛ فالأولى ترتبط بقيم وممارسات النخبة مثل الأدب والفن والتعليم، بينما تستهدف الثانية الجمهور العام عبر عناصر مثل الأزياء والتراث والأطعمة والأفلام والأغاني
يشبّه ناي القوة بالحب من حيث إن تجربتها أسهل من تحديدها أو قياسها، غير أن ذلك لا يقلل من كونها شيئًا حقيقيًا. فالقوة هي القدرة على فعل الأشياء والحصول على النتائج التي يريدها المرء، وتعني أيضًا امتلاك القدرة على التأثير في سلوك الآخرين لجعل الأشياء تحدث. وهكذا، وبعبارة أدق، فإن القوة هي القدرة على التأثير في سلوك الآخرين للحصول على النتائج التي يتوخاها المرء. وهنا يصبح معيار القوة هو القدرة على تغيير سلوك الآخرين عبر الأشياء التي يفضلونها. لذلك، فمن الممكن الحصول على الكثير من النتائج المرغوبة دون امتلاك قوة ملموسة وصلبة في العلاقات مع الآخرين.
وهنا يمكننا القول إن القوة الناعمة تأتي من القدرة على الجاذبية والإغواء والسيطرة على الرغبة والحاجة النفسية.
يتبنى ناي استراتيجية براغماتية للقوة الناعمة وتحولاتها مع الزمن، إذ يرى أنها ليست عنصرًا ثابتًا بقيمة ثابتة، بل هي شيء يختلف باختلاف الزمان والمكان.
وهو بذلك يقول: "إن جاذبية أميركا الاقتصادية والثقافية هي التي كسبت عقول وقلوب أغلب الشباب للديمقراطية الغربية، وكلما ازداد الاستهلاك، كانت هناك فرص أكبر لإزاحة الاشتراكية. فالحرب الباردة كُسبت بخليط من القوتين الصلبة والناعمة؛ فالقوة الصلبة خلقت جدارًا صادمًا من الاحتواء العسكري، لكن القوة الناعمة جعلت النظام السوفييتي يتآكل من الداخل. ويضيف الكاتب أن جدار برلين كان قد تم اختراقه بالتلفزيون والأفلام السينمائية قبل زمن طويل من سقوطه عام 1989، إذ إن المطارق والجرافات ما كانت لتنجح لولا انتقال الصور المبثوثة من ثقافة الغرب الشعبية طوال سنوات."
إن كثيرًا من الآليات التي تقود العولمة هي ملامح مميزة لثقافة أميركا واقتصادها، فالقوة الناعمة تزداد أهمية في عصر المعلومات.
فوفقًا لناي، تملك الولايات المتحدة مصادر هائلة للقوة الناعمة، وكثيرًا ما استخدمتها لتحقيق النتائج التي تريدها. ومع اعتبار دور أميركا القيادي في عصر المعلومات، فإن فرص قوتها الناعمة ستزداد إذا ما أُحسن استخدامها بمهارة وحنكة.
ومن جملة ما تعتمد عليه القوة الناعمة: المصداقية والصبر، والقدرة على التخطيط الاستراتيجي، وفتح قنوات الاتصال والدبلوماسية مع الدول. إضافة إلى معرفة ما يمكن التركيز عليه في عصر وفرة المعلومات والانفجار التقني؛ فوفرة المعلومات تؤدي إلى ندرة الانتباه، إذ عندما يغرق الناس في حجم المعلومات التي تواجههم يجدون صعوبة في تمييز ما يركزون عليه.
القوة الذكية ...والحروب الباردة في عصرنا الحديث
عند تحليل مفهوم القوة الناعمة وتفكيكه، نرى أن ناي يتطرق أيضًا إلى القوة الذكية التي تجمع بين القوة الصلبة والقوة الناعمة. والقوة الناعمة المعاصرة عند ناي ليست مجرد جاذبية أو إغواء أو قدوة، بقدر ما هي أسلوب آخر للهيمنة. فإذا كانت القوة الناعمة مشروعة لكل دولة من خلال قيمها الثقافية والسياسية والمجتمعية، فهل يعني ذلك أن القوى الناعمة في العالم تحاول أن تُخضع بعضها بعضًا، أم أنها يجب أن تتحاور وتتلاقح حضاريًا وثقافيًا في عصر العولمة دون ذوبان الهويات الأصلية في بعضها البعض، بحيث تتحول هذه الهويات لاحقًا إلى هوية كونية للبشرية جمعاء؟
لماذا يترافق مصطلح القوة الناعمة الأميركية بشكل دائم مع ما يُسمّى الاستعمار الثقافي الناعم لدول وشعوب العالم الثالث، بما يفتح أبوابها راضية وقانعة أمام مستعمريها الجدد؟
لنتأمل ما يقوله ناي هنا: "إن القوتين الناعمة والصلبة متشابكتان بشكل يصعب تفكيكه، سواء في الشرق الأوسط أو في آسيا الشرقية.
إن الجانب الملموس والقسري في القوة، داخل الديمقراطيات المتقدمة، أقل بروزًا مما كان عليه في الماضي.
وفي الوقت نفسه، فإن جزءًا كبيرًا من العالم لا يتكون من ديمقراطيات، وهذا يحد من التحول العالمي للقوة.
فعلى سبيل المثال، فإن معظم بلدان أفريقيا والشرق الأوسط تمتلك اقتصادًا زراعيًا يعيش مرحلة ما قبل التصنيع، ومؤسساتها ضعيفة وحكامها مستبدون.
والدول الفاشلة مثل الصومال والكونغو وسيراليون وليبيريا تمثل بؤرًا للعنف. وبعض البلدان الكبيرة مثل الصين والهند والبرازيل تشهد عمليات تصنيع، وقد تعاني من بعض الاضطرابات التي واجهتها نظيراتها في الغرب في مراحل مشابهة من تطورها في أوائل القرن العشرين."
وهنا يبرز بوضوح الخطاب الاستعلائي المركزي الذي يبرر مشروعية الهيمنة والتبعية بكافة الوسائل للإمبراطورية الأميركية، إما بالقوة الصلبة أو بالإغواء أو بالجاذبية. فالمهم أن يتحقق الهدف الاستراتيجي وفق منطق أن الغاية تبرر الوسيلة.
يستعرض ناي القوى الناعمة لبلدان وشعوب العالم، لا من باب تبادل الثقافات والحوار الحضاري، بل من باب الهيمنة والإخضاع، مع التحذير من احتمال أن تبتلع قوى ناعمة أخرى الولايات المتحدة الأميركية.
وفي هذا السياق، نراه يقلل كثيرًا من القوى الناعمة لبعض البلدان مثل الاتحاد السوفييتي وبعض بلدان آسيا (باستثناء اليابان تقريبًا)، مقابل إبراز القوة الناعمة الأميركية. وفي الوقت نفسه يرفع من قيمة القوى الناعمة الأوروبية ويجعلها منافسًا لأميركا، إذ يتخذ من المفاهيم الليبرالية وثقافة السوق والديمقراطية الغربية نموذجًا يُحتذى به.
لذلك يرى أن الولايات المتحدة هي القوة العسكرية العظمى الوحيدة في العالم، وتبقى أيضًا أقوى دولة في العالم من حيث القوة الاقتصادية والناعمة. وإن اتجاهات عصر المعلومات وانتشار الديمقراطية ينبغي أن تستفيد منها القوة الأميركية الناعمة، لكن في الوقت نفسه تستفيد منها أيضًا أوروبا وبلدان أخرى قادرة على التكيف مع الأوضاع الجديدة. غير أن عصر المعلومات سوف يزيد من قوة الفاعلين من غير الدول، سواء الإيجابيين أو السلبيين. ولكي تبقى الولايات المتحدة في مستوى عالم تتزايد فيه قوة الآخرين الناعمة، فإنه يتعين عليها أن تستفيد من مصادر قوتها الناعمة، وأن تتعلم كيف تستخدم هذه القوة بصورة أكثر فاعلية.
الإسلام ...والقوة الناعمة
يعبر جوزيف ناي بطريقة غير مباشرة، أو مسكوتٍ عنها ربما، عن قلقه من الحضارة الإسلامية وقوتها الناعمة في مواجهة أميركا، وهو بهذا لا يخرج كثيرًا عن فكرة مواطنه صموئيل هنتنغتون في كتابه "صدام الحضارات". إلا أنه يغلف قلقه وخوفه بمفاهيم جاهزة وأحكام مسبقة عن الإرهاب وخطورته، لكن المفارقة هنا أنه لا يدعو إلى مواجهة قوة ناعمة بقوة ناعمة أخرى، بل إلى عملية انشقاق داخلي وصراع داخل الكيان الإسلامي نفسه، إذ يرى أن الإرهاب في جوهره ينطوي على حرب أهلية بين المتشددين والمعتدلين داخل الحضارة الإسلامية. لذا، يفضل أن تُقدَّم القوة الناعمة الأميركية عبر تقوية المعتدلين، فالقوة الناعمة الإسلامية تمثل، في نظره، ظاهرة مقلقة للأميركيين وغيرهم.
ورغم أن الكاتب ينطلق من تعريف أميركي لمفهوم الإرهاب، فإنه يشير إلى نقطة في غاية الخطورة، وهي أن الإرهاب في عصرنا الراهن أصبح أكثر وحشية وهمجية بسبب دمقرطة التكنولوجيا؛ فالتقدم العلمي والتكنولوجي لم يعد مقصورًا على النخبة أو على العسكريين أو رجال السياسة، بل أصبح بيد أفراد وجماعات تهدد الحياة المدنية وسِلم المجتمعات الآمنة.
ومن النقاط المثيرة للاهتمام التي يشير إليها ناي أن أنظمة الحكم المستبدة والطاغية في الشرق الأوسط قتلت الخيار الليبرالي والديمقراطي في المعارضة، فلم تنتج إلا إرهابًا إسلاميًا متطرفًا، أو هويات طائفية متشددة، بوصفها خيارًا وحيدًا ونهائيًا في ظل تلك الأنظمة.
إلا أن صاحب مفهوم القوة الناعمة يتغاضى عمدًا عن دور السياسة الأميركية في دعم الجماعات الإسلامية المتشددة في أفغانستان ضد الاتحاد السوفييتي، وعن الدعم المالي الذي قُدِّم لهذه الجماعات، وتحديدًا في مرحلة أسامة بن لادن.
كما أنه يغفل أن الإرهاب، في بعض القراءات، هو أيضًا نتاجٌ لسياقات دولية معقدة، وأنه لا يمكن اختزاله في بعد واحد. فلنذكر مثلًا جرائم أميركا في فيتنام وبنما والعراق، إضافة إلى إسقاط الأنظمة وترويع الشعوب وتجويعها وانتهاك كرامتها بحجة الديمقراطية وخطر الدكتاتورية. ألم تحصل تلك الجرائم والمجازر تحت عناوين حضارية براقة، وتحت لافتات محاربة الإرهاب؟
ويجب ألا ننسى كذلك أن ناي يتغنى بإسرائيل بوصفها إحدى الديمقراطيات النادرة، متعمدًا تجاهل ما يُثار حول سياساتها تجاه الشعب الفلسطيني، وما تعرض له على امتداد تاريخه من عمليات اعتقال وتهجير وتغيير ديموغرافي.
إن ناي يتبنى هنا سياسة تجعل من نقد إسرائيل مسألة شائكة، خشية اتهامه بمعاداة السامية، أو حفاظًا على سمعته ومنصبه في الإدارة الأميركية.
لكن ألم يكن العديد من الحكام المستبدين والطغاة في العالم تحت الرعاية الأميركية، خلافًا للحرية والديمقراطية الليبرالية التي يبشر بها ناي؟
ويأتي هذا الاقتباس على لسانه من كتاب "القوة الناعمة": "في أثناء الحرب الباردة، كان نهج الولايات المتحدة إزاء منطقة الشرق الأوسط هو رعاية الاستقرار الذي من شأنه منع انتشار النفوذ السوفييتي، وضمان إمدادات النفط للاقتصاد العالمي، وتقديم الأمن لإسرائيل التي تُعد إحدى الديمقراطيات النادرة."
ويذهب أيضًا إلى أن الإدارة الأميركية في عهد ريغان أيدت صدام حسين كقوة موازنة للنظام الإيراني الذي أطاح بحليف أميركا، شاه إيران.
والسؤال الجوهري الذي يطرح نفسه الآن: متى دعمت الولايات المتحدة الأميركية نظامًا ديمقراطيًا ووطنياً في الشرق الأوسط؟ ومن الذي يلتف اليوم بالعباءة الأميركية؟ أليست العائلات الثرية الحاكمة في دول الخليج، والملكية في الأردن، ونظام الحكم في سوريا؟
لقد قتلت أميركا، بحسب هذا الطرح، حرية الخيار والتعدد قبل ولادتهما الفكرية والسياسية، بحيث يصبح الفعل السياسي نفسه مرهونًا بالأحزاب الإسلامية وقاعدتها الجماهيرية.
أخيرًا، يخالف ناي منطقه العلمي في السياسة والتفكير، ويقترح حلًا دينيًا لاهوتيًا لمنطقة الشرق الأوسط، ويربطه بالقوة الأميركية الناعمة التي يجب أن تكمن براعتها في اقتراح الحوار الإبراهيمي بين المعتدلين من الديانات الثلاث: اليهودية والمسيحية والإسلام. فإبراهيم، كما يذكر ناي، هو شخصية تبجلها هذه الديانات الثلاث. ونلاحظ أن المشروع الإبراهيمي اللاهوتي متحقق حاليًا من خلال خارطة شرق أوسط جديد، بعقل أميركي وروح صهيونية.
تكمن إشكالية طرح جوزيف ناي في أنه يفسّر مشكلات العالم الثالث والشرق الأوسط من خلال النموذج الرأسمالي الليبرالي الأميركي، ما يحدّ من التفكير في بدائل خارج هذا الإطار
الإمبراطورية الجديدة
إن دول العالم الثالث، على حد تعبير ناي، هي دول متخلفة لم تنجح في التعايش مع التحديث، وبلادٌ نموها الاقتصادي بطيء، ويسودها الجهل والأمية والنزاعات القبلية والحكام المستبدون. وبهذا المعنى تصبح القوة الناعمة الأميركية مغناطيسًا جاذبًا للمعتدلين الهاربين من جحيم واقعهم وبؤس بلدانهم الممزقة، دون أن تكون هناك أي طريقة أخرى في التفكير سوى مشروعية التبعية الناعمة للنموذج الأميركي.
نحن لا نقدم قراءة محايدة واستعراضية لأفكار ناي، ولا آراء عاطفية أو ماركسية، وإنما تحليلًا وتفكيكًا ونقدًا للعقل السياسي الأميركي في رؤيته الشاملة للعالم.
تكمن الإشكالية في طرح جوزيف ناي لمشاكل العالم الثالث ودول الشرق الأوسط، من أنظمة الحكم، والصحة، والتعليم، والاقتصاد، والمجتمع المدني، في أنه يضعها ضمن النموذج الرأسمالي الليبرالي الأميركي، بحيث لا توجد أي خيارات أو قدرة حقيقية على التفكير العلمي والعملي خارج الصندوق الأميركي أو توابعه في الداخل من الإسلام السياسي.
إن القوة الناعمة تمتد لتشكل جوهر العولمة والديمقراطيات التي يجب أن يُعاد تشكيلها في الشرق الأوسط.
ويجادل جوزيف ناي بأن كلفة القوة الناعمة يجب أن تتفوق على القوة العسكرية الصلبة والقوة الاقتصادية، لأن أميركا ليست وحدها المتفوقة اقتصاديًا.
وعليه تُعتبر القوة الناعمة وجهًا آخر للاستعمار أو الهيمنة الناعمة، وتحديدًا عندما يطرح ناي مسألة عدم مشروعية الأمم المتحدة أمام تأثير القوة الناعمة وسطوتها في استقطاب عدد من الدول الأوروبية في حرب كوسوفو عام 1999، وحرب غزو العراق عام 2003.
وفي إضاءة علمية أخيرة، يمكننا القول إن جوزيف ناي لا يقدم نقدًا بنّاءً للقوة والسياسة والمجتمع الأميركي، ولا يفكك منظومة الشركات الرأسمالية التي تتحكم في مصير العالم والشعوب من خلال تسليع القيم وهندسة الرغبات والحاجات الزائفة.
بل يقوم بتعريف القوة الناعمة ومحاولة إقناعنا بها بوسائل خجولة وسطحية لا تتعدى المصطلحات التسويقية التجارية، ولا تغادر منطق السوق ورأس المال والدعاية.
لكنه ظل يحاول قدر الإمكان أن يزخرف لغته بألفاظ جذابة وبراقة تشرعن القوة والهيمنة الأميركية المعاصرة، وتبررها أخلاقيًا وإنسانيًا.










