مات العقرب، وفي موتهِ هزمني مرة أخرى

كنتُ قد قررتُ أن أقتل العقرب بطريقة مُثيرة. خططتُ لكل شيء، وأعدتُ الأحداث في مخيلتي آلاف المرات. وفي كل مرة كنتُ أزيدُ تفصيلًا، وأهملُ آخر. حتى بدت العملية شبيهة تمامًا بجريمة كاملة.

القصة ابتدأت حين كنت أقف في ظل خزان المياه الأسطواني العملاق، الذي زُرع بفظاظة في الجهة الشمالية للمعسكر. كنّا في فترات الاستراحة القصيرة نتسابق لنقف في ظلّه، حيث المياه الراشحة تعطي بعض برودٍ في ذاك الجو الصحراوي. كنتُ أدخّن حين مر أمامي، والإذاعة الرئيسة تصدحُ بأغانٍ وطنية: "سوريا يا حبيبتي أعدتِ لي كرامتي أعدتِ لي حريّتي". لم أتحرك، معتقدًا أن العقرب سيحيدُ عني. لكنّه لم يأبه بي، وبدا مستقيمًا في مشيتهِ كشعاع نورٍ، ينكسرُ، ولا ينحني. أنا من غيّر مكانهُ، ليمر العقرب، وهناكَ، وفي تلك اللحظة قررّت أن أقتلهُ.

لم أُطلع أحدًا على خُطّتي، بل كنتُ أنتظرهُ ليخرج مرة أخرى. وعندما رأيتهُ، وأنا عائدٌ من الساحة العامة، تسارعت الأحداث. انتظرتهُ طويلًا، كان ضابطُ الأمن يسألني، إن كنتُ أصلّي. والعقرب يمرُّ، والوقتُ يمرُ. أجبتُ الضابط أني لا أصلّي، فابتسم. تركتُ ضابط الأمن في أطراف الساحة وسارعتُ الخُطا. ركضت إلى الخيمة، وجلبت اللوح الخشبي.

حملت العقرب فوق اللوح، وبدأت أجري كالمجنون حتى وصلت تلك الحفرة التي جهزتها لهُ، تلك الحفرة التي اخترت لها موقعًا بعيدًا عن خيامنا، لأحتفل بقتل العقرب وحدي. 
رميت بعض المازوت في الحفرة المملؤة أخشاب صغيرة، ثم رميت العقرب. كان العقرب وادعًا كأنُهُ في نزهة. أشعلت عود ثقاب، ورميته فوق الخشب المبلل بالمازوت. العقربُ لم يستوعب بداية ماهية الحدث. وحين بدأت الحرارة تتصاعد، أشفقت عليه وكدتُ أمد يدي لأنتشلهُ، لكنّي تراجعت. 

العقربُ استسلم لمصيره، وعندما أدرك أنهُ سيموت فضّل أن ينتحر.
لقد لدغ نفسهُ، ومات قبل أن يحترق. 
كيف يموتُ مخلوق بسُمه الخاص أيتها الطبيعة، كيف يمتلك هاتيك الشجاعة ويقرر في لحظات أن الموت بيديه أسمى وأكثر أنفة وعزّة.
أيها العقرب، كم كنتَ تستحق الحياة، حياةً ما استحقها كثيرون. 
مات العقرب، وفي موتهِ هزمني مرة أخرى. 

 

اقرأ/ي أيضًا:

عندما يتعلق الأمر بالضحايا

يُكتب في خانة الاسم: مجهول