العصافير لا تذهب إلى مكتب البريد

العصافير لا تذهب إلى مكتب البريد

الشاعر اليوناني بتاسوس ليفاديتس

أناستاسيوس بنتليمون ليفاديتس، المعروف بتاسوس ليفاديتس، شاعرٌ وكاتبٌ يونانيّ، ولد في أثينا عام 1922 وتوفّي فيها عام 1988، من أبرز إصداراته: معركةٌ على حافة الليل (1952)، النساء في عيون الجياد (1958)، النهايات (1966)، زائر الليل (1972)، شيطانٌ في الشمعدان (1975)، كمان للناسك (1976). هنا ترجمة لنصوص له عن الفرنسية.


مكاسب الليل

عادةً ما أحلمُ أو أضيّع وقتي، أرتاب أو أنحني، لكن في الليل أركضُ من حديقةٍ لأخرى واضعًا أذني على لحاء الأشجار

أستمعُ لتنهّدٍ قديم.

 

محطة قطارٍ مهجورة

بالكاد مت، خرجتُ من المرآة الكبيرة لمنزل العائلة، كان الشفق مألوفًا بشدّة، كانت تيريزا تغني أغنية المحطات القديمة التي تفقد رأسها في ملاحقتها للقطارات، وأنا، لا أعرف أين أذهب، أغفو على أيدي المكفوفين الذين أضاؤوا المصباح،

كان عصرًا مظلمًا، لعبت الدراما دون ضجيجٍ على الجسور، ركض حاملو النقالات وعليها وضعوا تنهداتٍ كبيرة من العصابات القديمة،

أخيرًا عندما وصلت إلى المحطة كان الجميع قد ذهبوا، كنت خائفًا لدرجة أنّي بالكاد لمست، أصبت بالصداع، دع الله يرى، في الطابق العلوي عاش الفلاندريون ونحنُ لا ينبغي علينا إحداث أي ضجيج، لأن السيدة العجوز كانت تعاني من الحمى ووالدتي التي خدمتها تعلمت السرقة حتى لا ترتدي السجادة،

تم استدعاء المشرف ليدلي بشهادته، لكن لم يكن هناك أيّ دليل، لأن الجرس القديم للمدرسة كان لا يزال أبعد من الموت، وكانت عربة طفولتي بالخارج تضرب يائسةً الخيول الأربعة المتحجرة.

 

الحقيقة المعاقبة

كان من الممكن أن تكون حياتي مختلفة لكنّني تعبت في طفولتي كثيرًا من الملائكة، والآن مضطر لمشاركة الأقحوانات مع الآخرين المدانين، لذلك اسمحوا لي أن أقنع نفسي بقبول هدية الخالة الثرية: مكان في قبو العائلة، غير أنّي منذ ذلك الحين كنتُ غير صبورٍ، قلقًا حول الكلمات الأخيرة (التي لم أكُ أعرفها إطلاقًا) لإيزدور دوكاس، شقيق شبابي الحزين، الشاعر الكبير الذي بجل الرعب الطفولي من الليل والذي وجد ميّتًا أثناء نومه ولم يعرف سوى قلة المناعة. بعد ذلك عندما طُردت خرجتُ من الباب والليل أرخى نفسه وظهرت أوّل نجمةٍ كمطرقة صغيرة من اللانهائية وضربتني-لأن الحلم لا ينتهي أبدًا.

 

الاعتراف

أو بالأحرى كان من الجميل بالنسبةِ لي أن أفهم، بينما كانت الموسيقى تأتي بعيدة، ملحاحةٌ كما لو أنها تقنعنا بشيءٍ مستحيل، وكانت امرأتان، شاحبتان ومعمرتان، تتحدثان هذه الليلة بصوتٍ منخفض: "العصافير لا تذهب إلى مكتب البريد" قالت إحداهما؛ "لكن هل ترتدي الأشباح قبعات؟" قالت الأخرى. هكذا وجدتا في الظلّ ما فقدتاه تحت كثرة الأنوار.

*

خطايا سريّة غير معترفٍ بها تستعيد اللغز المتعذّر فهمه من قضيّتهم، ومن ثمّ الاعتراف الذي جرّنا هنا وهناك، مثل حفيف أمّهم، الأطفال، وربّما كلّ شيء لا جدوى له إن لم يكن بمقدورنا الحصول على كلّ شيء، اعتقدت أحيانًا أنّه لا جدوى من تغيير حياة المرء لأنّ الآخر هناك سيكون صامتًا، هطلت أمطار غزيرة من الذكريات: القسم، الأرجوان، عيوبٌ صغيرة مبهرة مثل المتواضعين الذين عرفوا لغز العدم.

 

اقرأ/ي أيضًا:

كأنّي عطر لزهرة الوقت

نبوءة حنا