العسكرية في سوريا.. فيلم رعب طويل

العسكرية في سوريا.. فيلم رعب طويل

(جورج أورفاليان/أ.ف.ب/Getty)

في السادسة عشر من عمرك يطلب منك أن تذهب إلى شعبة التجنيد في منطقتك، للحصول على دفتر الخدمة العسكرية، ثم بعد عامين وحين تصبح في الثامنة عشر تلتحق بصفوف الجيش.

في اللحظة الأولى التي سيراك فيها الضابط سيخالجك شعور بالرهبة وستشعر بأنك تقابل مخلوق فضائي مرعب

من هنا تبدأ الحكاية: حيث تقلك من شعبة التجنيد في منطقتك سيارة كبيرة مع العديد من أبناء منطقتك، لتصل بك (مثلًا) إلى حلب. تنزل مع المئات من الشباب الذين واجهوا ما يشبه مصيرك، وتجدهم متجمعين في ثكنة هنانو، بانتظار فرزهم إلى الثكنات. سيقضون هنا ما يسمى في سورية بالـ "دورة" أي دورة الاختصاص. وقد يظن البعض أنها دورة يتم فيها إعطاء المجند دروس عسكرية فحسب، إلا أنها في الواقع فيلم رعب يدوم لأربعين يومًا.

دورة السحاسيح

في اليوم الأول من الدورة، ستحل ضيفًا عند العساكر القدامى. أي الذين قضوا نصف الخدمة أو أكثر. عندها سيكون أمامك خياران فقط، إما أن تطأطئ رأسك وتسكت عن جميع الشتائم التي ستسمعها وأحيانًا يصل الأمر إلى السحاسيح. أي اللطم على الرقبة من الخلف. وقد تتشاجر مع أول عنصر يرمي سماجته عليك وتبرحه ضربًا، لكي تثبت للجميع بأنك لست لقمة سهلة الهضم. وفي الحالتين أنت الخاسر، لأنك في صباح اليوم التالي ستلتقي بالضابط المناوب لكي تبدأ الدورة فعليًا.

الكلمات الأولى التي ستسمعها متوقعة. وقد تكون على علم بها من أحد إخوتك أو أصدقائك الذين أدوا الخدمة قبلك. ولأن المعجم الكلامي الذي يخص العسكرية لم يتغير منذ أربعين عام تقريبًا، وربما أكثر، ما ستسمعه طوال الخدمة هي عدة كلمات ستكرهها كثيرًا. ومنها "ولا قرد"، "والله لعبّدك العجل" "انبط"، "عم تخون الوطن ولا؟" "والله لنسّيك الحليب الي رضعتو"، "شلاح بالشورت" (أي لا تبقي عليك سوى الشورت)، "شحطوه عالدولاب"، "عشرين زائد عشرين يا كلب"، أي أربعين يوم خدمة زيادة.

في الجيش السوري سيبدو لك الأمر سهلًا بعد الفرز نسبة لأيام الدورة الأربعين التي رأيت فيها النجوم في عز الظهيرة

في اللحظة الأولى التي سيراك فيها الضابط سيخالجك شعور بالرهبة. ستشعر بأنك تقابل مخلوقًا فضائيًا مرعبًا، نتيجة للأفكار المسبقة التي تحفظها ذاكرتك عن الضباط في الجيش السوري. عندها سينطق الضابط اسمك وترد عليه بكلمتين ستكررهما آلاف المرات أثناء الخدمة وهما "حاضر سيدي". ستقترب إليه ويبدأ معك الحديث: "انت جايي لتخدم الوطن يا ابني، يعني لازم تنسى امك وأبوك وتنسى كلشي وتقضي عسكريتك بإخلاص". وبعد خطاب وطني عريض ستشعر بالطمأنينة والاعتزاز قبل أن يرخي الضابط يده "ويرنّك كف ما أكلتو من أبوك". حينها ستختلط مشاعرك بين الكبرياء والصدمة، نعم يجب أن تعرف أن هذا ليس ضابطًا يعطي الدروس فقط، بل إنه يسلخ الجلد عن العظم أيضًا.

بعد تلك اللحظة يبدأ سيناريو الدورة المعتاد، من عقوبات وتعذيب، ومن تلك العقوبات إذا كانت شتاءً ستخرج بالشورت لساعات، ويُرش عليك الماء البارد والرمل. وإن كان الطقس صيفيًا، أيضًا تخرج بالشورت وتتسطح على البحص الحامي تحت الشمس، فضلًا عن الدولاب، أي إطار عجلة سيارة يتم تثبيتك عليه بواسطة حبل، ويبدأ أحدهم بجلدك بالكرباج. على هذه الحال ستقضي أربعين يومًا، كل يوم ألعن من سابقه، والمقصود من كل ذلك هو ترويضك وليصنعوا منك "رجلًا"، على حد تعبيرهم!

"تفيييش" الضباط

يأتي بعد الدورة مباشرةً ما يسمى بالـ "فرز". ذلك اليوم الذي يجب أن تتفرغ فيه أمك للدعاء لك، لكي لا تذهب إلى فرقة يلي اسمها كلمتين "قوات خاصة" أو "قوات جوية" أو "حرس جمهوري".

بعد الفرز مباشرةً تبدأ الخدمة العسكرية فعليًا، حيث تحصل على الهوية العسكرية، بدلًا عن هويتك المدنية، التي تم حجبها لدى الشرطة العسكرية، وتحصل على إجازة تزور فيها أهلك ثم تعود إلى المنطقة والثكنة التي تم فرزك إليها.

سيبدو لك الأمر سهلًا بعد الفرز نسبة لأيام الدورة الأربعين التي رأيت فيها النجوم في عز الظهيرة، إلا أنك ستتفاجأ عندما تجد الضباط بعد الفرز هم نسخة طبق الأصل عن الضباط الذين لقيتهم في الدورة. حينها ستتأكد أن العلة ليست في الأفراد وإنما في المدرسة التي ينتمون لها جميعًا. مدرسة البعث. ولكنك ستعض على الجرح وتسكت لكي لا ينتهي بك المطاف في تدمر، لأنك طبعًا ستكون على دراية بأن جميع من يعصون أمرًا عسكريًا أو يفرون من الجيش ينتهي بهم المطاف في سجن تدمر الشهير، والذي لا يخفى على أحد من السوريين بأس ذلك المعتقل.

في الجيش، يجب ألَّا تكون ذكيًا أو لديك نوع من أنواع الفكر ويجب ألَّا تنتمي لأي مدرسة فكرية، أو ثقافية، أو دينية، إلا إن كانت أصولها بعثية بالمطلق. ويجب عليك أن تبلع لسانك طوال الوقت، ومن الضروري أن يكون لديك مخزون من التعظيم والتبجيل لكي تستخدمه في الحياة العسكرية اليومية، ومن الضروريات أيضًا الواسطة. وأن يكون لديك المال، فالرشوة هناك، خير من ألف ميعاد.

أما بالنسبة لتفاصيل الحياة اليومية في الجيش، فهي سهلة الشرح لأنها تعاد وتكرر كل يوم، ومع الجميع، منذ أربعة عقود. ستصحو باكرًا (طبعًا ستصحو على صياح ضابط برتبة عريف أو رقيب وهو ينعتك بالحمار أو البهيمة أو القرد وتختلف المفردات بين الضباط السنة والضباط العلويين والمسيحيين فلكلٍ شتائمه الخاصة) مباشرةً إلى درس الرياضة والخطب القومية التعظيمية. بعدها تذهب إلى دروس السلاح. طبعًا هذه التفاصيل جديدة عليك وستجد صعوبة في تأدية ما يطلب منك مما يؤدي إلى زيادة الضغط عليك عبر العقوبات والصرامة في التعامل.

من يعطب نفسه عن طريق ضرب يده أو رجله بالرصاص سيكون قد تكبد ضعف الخسارة

من هنا تبدأ حكايات اليأس والتملص والفرار ودفع الرشوة للضباط من قبل المجندين لتخفيف الضغط عنهم، حيث سترى حولك من يدفع راتبًا شهريا للضابط المسؤول، لقاء الإجازات الطويلة وهذا ما يسمى في العامية "تفييش". وسترى من يتصل بواسطته سواء كان ضابطًا له معه صلة قرابة أو يتقاضى منه الرشوة لقاء التوصية به لدى المسؤولين عنه في مكان الخدمة. أما من لا يملكون المال أو الواسطة، فإما أن يعضوا على الجرح إلى حين انتهاء الخدمة كما يفعل الغالبية، أو يلجأون إلى إعطاب أنفسهم أو الفرار.

وفي الحالتين لن ينجو أحد. فمن يعطب نفسه عن طريق ضرب يده أو رجله بالرصاص سيكون قد تكبد ضعف الخسارة التي كان سيتحملها لو أنه أكمل الخدمة بشكل طبيعي. وأما الذين يفرون فمصيرهم تقريبًا معروف فبعد يومين من اختفاء أي مجند، سترفع فيه بطاقة بحث، وسيتم إلقاء القبض عليه لو كان في سابع أرض، كما يقولون وينتهي به المطاف في السجن، وطبعًا في تدمر فهو السجن الأشهر نسبة لدخول معظم المخالفين في الجيش إليه.

التسريح الطويل!

قبل شهر من تسريحك، سيتوقف الزمن وستشعر أن الدقيقة تمر عليك بسنة. ستكبر أضعاف عمرك. ستفكر كثيرًا وتدخن كثيرًا. وسيكون عليك أن تغيّر جميع عاداتك التي تعلمتها طيلة أيام الخدمة، يعني أنك يجب أن تصير سلسًا ومتساهلًا أكثر من المعتاد. إن تشاجرت مع أحد زملائك أو أغضبت ضابطًا ستدفع ثمن ذلك. المكوث في السجن، ومدة إضافية على خدمتك، وهذا ما يعده المجند كابوسًا مرعبًا حتى لو كان يومًا واحدًا يضاف على أيام خدمته، ويجب عليك أن توصي أهلك أن يرسلوا لك بعض المال فلابد من هدية للضابط لكسب مودته الصعبة المنال. هل تعلمت الدرس.. ولك يا (...)؟

اقرأ/ي أيضًا:
مصر.. محاكمات أضيق من عدد المتهمين
حسام بهجت.. العسكر في مواجهة صحافة التحقيقات