العراق والأردن: قبل أن تنزلق الأمور مزيدًا إلى ما هو أبعد من كرة القدم
25 ديسمبر 2025
يتضخم حجم المشاحنات بين الجمهورين العراقي والأردني بعد كل مباراة كرة قدم يخوضها الفريقان سواء ضد بعضهما أو في أي مباراة يخوضها أي واحد منهما، ولم يعد القول إن ذلك ينحصر في إطار كرة القدم سوى إنكار لواقع مؤسف يتفاقم، بدأ ينحدر ويتخطى حدود المستطيل الأخضر.
لإثبات ذلك، يتطلب الأمر فقط الاطلاع على منشورات الصفحات العراقية والأردنية على وسائل التواصل الاجتماعي وما يكتبه بعض الصحفيين والمدونين من الجانبين، سنجد فيها أن ما يجري يتجاوز بمراحل المناكفات العادية التي تعرفها كرة القدم بل وصل الأمر إلى تسييس واضح للرياضة؛ ومن خلال مضمون الخطاب الممارس بين الجانبين بدا الأمر أشبه بساحة حرب لكن دون إطلاق رصاص.
تُظهر العديد من الدراسات أن الرياضة الممارَسة على مستوى دولي تميل إلى جعل الخطابات الوطنية داخل الدول أكثر تشددًا، بل إن بعض تلك الدراسات رأت أنه لا شيء يغذي الخيال ويثبّت الهوية أكثر من الرياضة سوى الحرب، فثمة أمثلة عديدة تدل على أن الرياضة يمكن أن تعزز الشعور الوطني وتقلص الانقسامات داخل الدول، ما يعني تأثيرها الكبير وقدرتها السهلة على التسرّب إلى المجال السياسي.
لكن في المقابل -على سبيل المثال لا الحصر- يرى جورج أورويل في مقالته "الروح الرياضية" سنة 1945 (ترجمة محمد أسامة) ومنذ ذلك التاريخ، إن المسابقات الرياضية في الوقت الذي تهدف إلى المتعة والتريُّض، تفضي إلى تصاعد مشاعر الكراهية المفرطة ما إن دخل عنصر "الوجاهة" عليها، إذ تبدأ الفرق المتنافسة تنظر إلى نفسها بوصفها كيانًا وتشعر بأنها عرضةٌ للخزي في حال الخسارة وهو ما يوقظ داخلها "أكثر الغرائز القتالية وحشيةً"، ومن هنا يختفي مبدأ اللعب النظيف، ويرغب الناس في رؤية أحد المتنافسين متوجًا بالفوز والآخر ذليلًا.
ليس الغرض هنا من الاستعانة بأورويل لنضعه كإطار مفسّر لما يجري بين الجماهير العراقية والأردنية، بل ما قد تبدو عليه خطورة الأمر إذا ما انحدرت مزيدًا، فهو لا يحمّل الرياضة السبب لنشوب الصراع، بل يراها انعكاسًا لظروف أعمق مرتبطة بنشوء القومية التي كانت قد حمّلت الرياضة دلالات مصحوبة بأعباء رمزية تتجاوز رسالتها الأساسية، تتمثل في تقديم مباراة كرة قدم بين أبطال قوميين وخصومهم، ما يعني أن الخسارة تعد مساسًا بكرامة الأمة ومكانتها.
أدت المشاعر القومية المتولدة عن التنافس الكروي إلى عنف بين المواطنين، وأدى التراخي من قبل صنّاع القرار أنفسهم بل ومشاركتهم في التصعيد ومن قبلهم النخب إلى خلق أزمة سياسية، تطورت إلى الإضرار بالعلاقات الدبلوماسية والاقتصادية بين البلدين
لربما من يقرأ هذه الكلمات سيستحضر الأزمة التي اندلعت بين مصر والجزائر في خريف 2009، عندما تحول التنافس على نيل بطاقة التأهل لكأس العالم إلى أزمة دبلوماسية قادتها تغطية إعلامية يمكن وصفها بالطائشة وتحريض سياسي من الجانبين، ففي الوقت الذي أُشيع في الإعلام مقتل مشجع جزائري في القاهرة وتبين لاحقًا عدم وقوع ذلك، خرج علاء مبارك نجل الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك في تصريح يصف الجماهير الجزائرية بـ "المرتزقة".
في الحالة السابقة، أدت المشاعر القومية المتولدة عن التنافس الكروي إلى عنف بين المواطنين، وأدى التراخي من قبل صنّاع القرار أنفسهم بل ومشاركتهم في التصعيد ومن قبلهم النخب إلى خلق أزمة سياسية، تطورت إلى الإضرار بالعلاقات الدبلوماسية والاقتصادية بين البلدين، فذروة "الهوس القومي" المصاحب للمباريات خاصة الحساسة منها قد تزيد بالفعل من عدوانية الدولة في سياساتها الخارجية تبدأ من ترجمتها بالتصعيد اللفظي ثم يتطور إلى مناحٍ أخرى، وتحديدًا في حالة الدول التي تحتل فيها رياضات معينة مثل كرة القدم مكانةً شعبية تضعها في المرتبة الأولى، كما يشير أندرو بيرتولي في ورقته (القومية والصراع: دروس من الرياضة الدولية) المنشورة سنة 2017.
بالعودة إلى الأردن والعراق، أتذكر اللافتات التي رفعتها الجماهير العراقية في ملعب جذع النخلة بمدينة البصرة في المباراة التي جمعت منتخب بلادهم مع المنتخب الأردني عام 2017، والتي جرت بمبادرة أردنية في إطار الجهود التي كان يقودها الأمير علي بن الحسين رئيس اتحاد كرة القدم لفك الحصار عن الملاعب العراقية المفروض عليها لعقود من الزمن، واحدة من تلك اللافتات كُتب عليها: "إخواننا العرب، اشتاقت إليكم ديارنا، أهلًا بالنشمي".
شعور اعتزاز العراقيين بوطنيتهم والحنين تجاه محيطهم العربي، ظهر بوضوح في تلك المباراة والتي تمثلت في حفاوة استقبال المنتخب الأردني الذي كان "خياليًّا"، كما وصفه لي أحد لاعبي المنتخب الأردني حينها، في الوقت الذي كانت الملاعب الأردنية لطالما أرضًا بديلة للمنتخب العراقي حتى وقت قريب. كما تجلى ذلك الشعور أيضًا في ترحيب العراقيين الحار بالجماهير الخليجية ببطولة (كأس الخليج 25) في 2023 التي أُقيمت في البصرة، والتي أظهرت صورة عن العراق والعراقيين بدت مختلفة بشكل كبير عما صُوّروا به سواء منذ تسعينيات القرن الماضي أو ما بعد 2003، بعد عزلة طويلة فرضتها معادلات السياسة.
لن أناقش هنا ما حدث بين الجمهورين العراقي والأردني، ولماذا؟ وما الدوافع؟ وليست الغاية هي الدخول في لعبة اللوم (Blame Game)، فثمة اختلاف في الآراء حول الإجابة على هذه التساؤلات، لكن الواضح أن حالة احتقان تتزايد بين الجمهورين في السنوات الأخيرة وظهرت بشكل جلي في كأس العرب بنسخته الأخيرة 2025، تتطلب التحرك على أكثر من مستوى دون الاستهانة بها أو التقليل من قيمتها، فالتنافس بين الجمهورين تحول إلى معركة لفظية بحمولة سياسية طائفية، والخطير في ذلك أن يقوم بتغذية هذه المعركة وينزلق إليها إعلاميون وصحافيون أو مدونون مؤثرون بصورة مباشرة أو غير مباشرة، فبدت العوامل المشتركة التي لطالما تغنى بها البَلدان تختفي شيئًا فشيئًا من ذلك الخطاب.
ليس سرًّا إن مصالح كبيرة متبادلة تجمع البلدين المتجاورين، وشهدت العلاقات تطورًا لافتًا ومهمًّا وتحديدًا في السنوات الأخيرة على مختلف الأصعدة، إلا أنها على ما يبدو تتراجع شعبيًّا على أرض الواقع بسبب تسييس المنافسة الرياضية وتصاعد خطاب الكراهية المولّد عنها والمرتبط بها، وقد يتسبب هذا التصعيد المتبادل في لحظة من اللحظات وفي حال تطوره إلى الإضرار بتلك المصالح ويهدد وجود بعضها، وهو ما يغيب عن إدراك خطورته على ما يبدو -حتى الآن- صنّاع القرار أو الرأي في كلا البلدين.
الهدف إذن ليس المبالغة أو تضخيم القضية أو القول إن المشهد وصل إلى ما وصلت إليه العلاقات المصرية – الجزائرية في مرحلة ما، إلا أن الهوة بين البلدين يمكن القول إنها آخذة بالتوسّع بطريقة صامتة طالما لم يلتفت إليها المعنيون، فالتنافس الكروي بهذا الشكل يملك قابلية فورية لتحفيز العدائية، وعندما تبدأ هذه المشاعر تتداخل مع آراء سياسية أو أحداث تاريخية قريبة أو بعيدة، تصبح مباراة كرة القدم بمثابة ميدان لتفجير قنبلة موقوتة كانت تتغذى بمواد شديدة الانفجار لسنوات.
بناءً على ما سبق، تظهر أهمية تفعيل دور المسارين الثاني (على مستوى النخب) والثالث (على المستوى الشعبي) للدبلوماسية في وضع حد لهذا التدهور الحاصل، والذي ينبغي أن يركزا على كيفية ضبط الخطاب الإعلامي التقليدي والرقمي، ودور الكتّاب والإعلاميين والنخب والمثقفين والرياضيين والمؤسسات العاملة في الرياضة على تهدئة الأجواء بدلًا من ترك الساحة للمنزلقين المتعصبين، والأهم من ذلك إيجاد وسائل تمنع استغلال شغف الجماهير بكرة القدم أو توجيهه سياسيًّا، وما ذُكر آنفًا كله ينبغي له وجود رغبة جادّة من الدولتين للوقوف على حقيقة وجود هذه الإشكالية لتضع لها الآليات وتعمل على حلّها، قبل أن تتدحرج الأزمة مزيدًا وتصل إلى مرحلة لا يمكن الرجوع عنها بسهولة.