(Getty) تكتك في الثورة

على الرغم من دلالتها القاسية، إلا أنّ المقولة الشائعة بخصوص تاريخ العراق المأساويّ، من جهة تواتر النكبات والمصائب والحروب ونوازل الزمن، تُشيع اليأس في النفوس، وتُرغم العقول على ضرورة الاستسلام لما يبدو قدرًا عراقيًّا راسخًا ما من أملٍ في تغيير مساره التاريخي.

مع الذروة التي وصلت إلى الثورة الحالية، أتم العراقيون عشر سنوات من عمر كفاحهم متعدّد الوجوه

لكنّ ذلك ليس صحيحًا قطعًا، ففي أعتى حقب الاستبداد، خصوصًا في مراحل العنجهية الصداميّة، عرف العراق انتفاضاتٍ وحركات رفض وتمرد، ومنذ التقط العراقيون أنفاسهم بعد مرحلة الاحتلال الأمريكي، لم تتوقّف حركتهم الاحتجاجية عن دأبها في صناعة سيرتها المعاصرة، التي طبّقت مع الذروة التي وصلتها في الثورة الحالية عشر سنوات من عمر الكفاح العراقي المتعدّد الوجوه.

اقرأ/ي أيضًا: أفول المثل السوري

حاولت الاحتجاجات المتواصلة، منذ صيف 2009 – 2010، المطالبة بتحسين الخدمات وشروط المعيشة وفرص العمل، ولأنّ النظام المافيوي اللصوصي كاذب وأفّاق ولا رجاء فيه وصلت إلى أوج ثوري، هو ما نعيشه الآن، منذ شهر تشرين الأول/أكتوبر الفائت، حيث انتقل الحراك من النضال المطلبيّ إلى حركة سياسية ثورية رافضة للواقع القائم، وليس أدلّ على ذلك التحوّل من شعار "نريد وطن".

لأنّ الثورة جاءت في وقتٍ مفاجئ، من دون أن يحرّكها طرفٌ سياسي محدّد، شعرت السلطة بالتهديد وواجهتها بعنفٍ مفرط، فقتلت وجرحت واعتقلت، لكن ذلك لم يفضِ إلا إلى نزع العراقيين أقنعة عن هذه السلطة وإظهار وجهها الفاشل القبيح.

لطالما أكّدت الصورة السائدة في الإعلام أنه لا يوجد أي شعور بالتماسك بين العراقيين، خصوصًا أن الهوية الثقافة المهيمنة (الدينية الشيعية) على مقاليد الحكم، مدعومةً من الحرس الثوري الإيراني، تمكّنت من تطييف المجتمع وانتهى الأمر.

المفاجئ لنا، كما في كل جولة من جولات الربيع العربي المستمرة، هو صعود التعبير المواطناتيّ ردًّا على الهوية الطائفية التي أرادت السلطة المافيوية ترسيخها، وإدارة شؤون الحكم تحت سقفها. شعارات صارخة في وضوحها مثل "نريد وطن" و"نازل آخذ حقي".. من جيل شابّ ولد في الحرب، ونشأ في سنوات الحصار وشبّ في رماد الحرب الأهلية، وصولًا إلى الحرب على داعش.. هي المفاجأة العراقية الدامغة. لم ينل اليأس من النفوس. لم تخفت الإرادة الحرّة الحالمة بالتغيير، وها هي ذي ساحة التحرير البغدادية تنضم إلى كبرى ميادين الثورات العربية في عزمها وتصميمها وإبداعها وتكاتف أبنائها.

خلخلت الثورة مراكز القوى الراسخة: المرجعية الدينية في النجف، التيار الصدري، الميليشيات التابعة لمشروع الحرس الثوري الإيراني، وعلى رأسها الحشد الشعبي. وبحسب الباحث العراقي حارث حسن فإنّ هناك ثلاثة سيناريوهات: الانتقال إلى دولة سلطوية جديدة تصب في مصلحة القوى القريبة من محور قاسم سليماني، أو الحرب الأهلية بين التيار الصدري من جهة والميليشيات من جهة أخرى، وهو خيار مستبعد في الوقت الحالي بالنسبة للباحث، فيما المرجّح عنده أن يُنتج التفاوض بين الشارع ومراكز القوى حكومة انتقالية، وتشذيبًا لمخالب الميليشيات، وتغييرًا للقانون الانتخابي الذي يحفظ العلاقات الاقتصادية بين القوى السائدة.

تتحوّل إمكانيات المجتمع العراقي في التعبير عن نفسه بأدوات سلمية فاتحةً لمستقبل آخر، لن يكون العبور إليه يسيرًا، لكن بما أنه يصعّد من نزعة المواطنة وحقوق الناس والتأكيد على العدالة فإنه ينفي التطييف خارج الفضاء العام، ويقدّم فصلًا آخر لأفق الثورة في سياقها العربي المتعطش إلى الحرية والكرامة.

يتقدّم العراق بثبات ليعلّمنا أن المواطنة طريق الثورة، وأن الديموقراطية حاجة عامة بقدر ما هي حاجة فردية

ساحة التحرير ليست العراق كله، ففي مدن أخرى مثل البصرة وكربلاء والناصرية وذي قار والمثنّى.. روحٌ ثورية مشتعلة تواجه القناصين وحكومتهم، وتتلقى أنواعًا من القنابل دون أن ينثني عزمها. كل ما في الأمر أن الساحة البغدادية اكتسبت بعدًا رمزيًّا، لشكلها وموقعها، وللاقتراحات الإبداعية للمعتصمين فيها، بما يدعم الساحات والشوارع الأخرى في مختلف أنحاء العراق.

اقرأ/ي أيضًا: ثلاث صور.. أمكنة مختلفة وزمن واحد

في هذا الفصل الجديد من الثورات، يتقدّم العراق بثبات ليعلّمنا أن المواطنة طريق الثورة، وأن الديموقراطية حاجة عامة بقدر ما هي حاجة فردية، لكي يتوقف البشر عن الشعور بالعيش في بلدان تأكل أبناءها.

 

اقرأ/ي أيضًا:

الثورة.. توقيتٌ خاطئ للأنظمة

العراق.. دقت ساعة الثورة؟