العدوان على لبنان يرفع أسعار النفط ويضغط على سوق الأسهم
9 ابريل 2026
لم يدم التفاؤل في أسواق الطاقة طويلًا بعد إعلان هدنة الأسبوعين بين الولايات المتحدة وإيران، فبعد أن هبطت أسعار النفط عالميًا، وانتعشت الأسهم، سرعان ما عادت أسعار النفط للارتفاع، مدفوعةً بتصاعد التوترات الميدانية، وعلى رأسها القصف الإسرائيلي العنيف على لبنان، الذي أعاد رسم صورة أكثر قتامة لمستقبل الاستقرار في المنطقة.
ففي البداية، استقبلت الأسواق إعلان وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين بين الولايات المتحدة وإيران بتفاؤل حذر، انعكس في تراجع أسعار النفط إلى ما دون 100 دولار للبرميل. غير أن هذا التفاؤل كان قصير الأمد، إذ بدأت الشكوك تتصاعد سريعًا حول قدرة الهدنة على الصمود. السبب الرئيسي لهذا التحول لم يكن اقتصاديًا بحتًا، بل ميدانيًا، حيث كشفت التطورات العسكرية عن واقع مختلف تمامًا عن الهدوء المفترض.
لم يعد الأمر يقتصر على مضيق هرمز فحسب، فكل ضربة جوية، وكل صاروخ يُطلق في لبنان، قد ينعكس بشكل شبه فوري على شاشات التداول في نيويورك ولندن وطوكيو
تمثل ذلك بقصف إسرائيلي على لبنان، بواقع أكثر من 100 غارة خلال 10 دقائق على مختلف المناطق اللبنانية، من الجنوب إلى البقاع والضاحية الجنوبية والعاصمة بيروت. ووُصفت الغارات بأنها الأعنف على العاصمة، ليس فقط خلال الحرب الحالية، وإنما منذ الاجتياح عام 1982، وسط مشاهد دمار واسعة وسقوط عدد كبير من الضحايا المدنيين.
فقد صعد خام برنت بنحو 2.1% ليصل إلى قرابة 96.8 دولارًا للبرميل، بينما ارتفع خام غرب تكساس الوسيط بنحو 3.1% ليستقر عند حوالي 97.3 دولارًا. هذا الارتفاع جاء بعد تراجع حاد في الجلسة السابقة دفع الأسعار إلى ما دون 100 دولار، في أكبر هبوط لخام غرب تكساس منذ نيسان/أبريل 2020، ما يعكس تقلبًا حادًا في تسعير المخاطر.
في المقابل، فقدت أسواق الأسهم العالمية جزءًا من مكاسبها السابقة، مع عودة الحذر إلى سلوك المستثمرين وذلك وفقًا لوكالة "رويترز". في آسيا، تراجع مؤشر الأسهم الصينية CSI300 بنحو 0.6%، بينما انخفضت السوق الكورية الجنوبية بنسبة 0.4%، في حين تذبذب مؤشر نيكاي الياباني حول مستوى الاستقرار بعد قفزة قوية بلغت 5.4% في الجلسة السابقة. كما تراجع مؤشر MSCI لأسهم آسيا خارج اليابان بنحو 0.7%، في إشارة إلى ضعف شهية المخاطرة.
أما في الولايات المتحدة، فقد انخفضت العقود الآجلة لمؤشري ستاندارد آند بورز وناسداك بنحو 0.2% لكل منهما، ما يعكس تلاشي موجة الصعود التي شهدتها وول ستريت في اليوم السابق.
وفي أوروبا، بدت الصورة متباينة، حيث تراجع مؤشر داكس الألماني بنحو 0.5%، وانخفض يورو ستوكس 50 بنسبة 0.1%، بينما ارتفعت العقود الآجلة لمؤشر فايننشال تايمز 100 البريطاني بنحو 0.4%.
تأتي هذه التخبطات وسط إدراك متزايد بأن أسعار النفط لا تزال أعلى بنحو 40% مقارنة بمستويات ما قبل الحرب، وهو ما يعزز المخاوف من موجة تضخم جديدة. كما ارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات إلى نحو 4.296%، مقارنة بـ3.96% قبل اندلاع الأزمة، في إشارة إلى تغير توقعات السياسة النقدية.
وشكّل التصعيد الإسرائيلي في لبنان نقطة تحول حاسمة في سلوك الأسواق. إذ بعثت الهجمات برسالة واضحة مفادها أن الصراع لم تتم تهدئته، بل يتوسع جغرافيًا بشكل أعنف.
هذا التصعيد دفع إيران إلى التشكيك في جدوى الاستمرار في المفاوضات، معتبرة أن الظروف الحالية لا تسمح بالتوصل إلى اتفاق دائم. حيث أعلنت أنها عادت وأغلقت مضيق هرمز أمام حركة السفن بنسبة 99%، فبقيت حركة الملاحة في المضيق محدودة. وهنا تحديدًا، بدأت الأسواق تعيد تسعير المخاطر، ليس فقط على أساس ما يحدث في مضيق هرمز، بل على مستوى الإقليم ككل.
لم يعد المستثمرون ينظرون إلى مضيق هرمز كملف منفصل، بل كجزء من شبكة أوسع من التوترات. فالقصف الإسرائيلي على لبنان يعني عمليًا احتمال اتساع نطاق الحرب، وزيادة فرص تدخل أطراف إقليمية أخرى، بالإضافة إلى تهديد إضافي للبنية التحتية للطاقة في المنطقة. وبالتالي فإن أي تصعيد في لبنان ينعكس مباشرة على توقعات الإمدادات النفطية، حتى لو لم يكن مرتبطًا جغرافيًا بالمضيق.
التصعيد في لبنان، إلى جانب التوتر في الخليج، يعزز من مخاوف التضخم عالميًا. فأسعار الطاقة المرتفعة تُترجم سريعًا إلى زيادة في تكاليف النقل والإنتاج، ما يضغط على الاقتصادات، خاصة تلك التي لم تتعافَ بعد بشكل كامل.
كما أن استمرار حالة عدم اليقين يدفع البنوك المركزية، وعلى رأسها الاحتياطي الفيدرالي، إلى التريث في خفض أسعار الفائدة، بل وربما التفكير في تشديد إضافي إذا استمرت الضغوط التضخمية.
ما يحدث حاليًا يكشف عن معادلة واضحة، فالأمر لم يعد يقتصر بمضيق هرمز، وكل ضربة جوية، وكل صاروخ يُطلق في لبنان، قد ينعكس بشكل شبه فوري على شاشات التداول في نيويورك ولندن وطوكيو.