ultracheck
  1. سياسة
  2. سياق متصل

العدوان الأميركي على فنزويلا: منطق القوة في مواجهة الشرعية الدولية

5 يناير 2026
مادورو وتشافيز
أنصار الرئيس نيكولاس مادورو يحملون صورته وصورة الراحل هوغو تشافيز في العاصمة كاراكاس (Getty)
أغيد حجازي أغيد حجازي

تُعدّ عملية اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو من العاصمة كاراكاس على يد قوات "دلتا" الأميركية، في سياق العدوان الأميركي على فنزويلا، حدثًا غير مسبوق في القرن الحادي والعشرين من حيث استهداف رئيس دولة بهذه الطريقة المباشرة وآلية التنفيذ. وتشكل هذه العملية، التي تمثل انتهاكًا صريحًا لقوانين الأمم المتحدة وقرارات مجلس الأمن، واقعةً ذات تداعيات محتملة قد تؤثر مستقبلًا في مسار العلاقات الدولية واستقرار النظام الاقتصادي العالمي.

وجرت العملية من دون أي تفويض صادر عن مجلس الأمن أو الأمم المتحدة، وبغضّ النظر عن توصيف بعض الأطراف لمادورو بوصفه "رئيسًا ديكتاتوريًا"، فإنها في جوهرها تمثل خرقًا واضحًا للمنظومة القانونية الدولية. كما تفتح هذه السابقة الباب أمام دول أخرى لاستخدام القوة ضد دول أضعف، سواء عبر اختطاف أو اغتيال رؤساء، أو قلب أنظمة الحكم بالقوة، ولا سيما الدول المناهضة للسياسات الأميركية، مثل روسيا في سياق أوكرانيا، أو الصين في سياق تايوان. ويتعزز هذا القلق في ضوء تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب التي أعقبت العملية، والتي أكد فيها أن الولايات المتحدة ستدير الحكم في فنزويلا لضمان انتقال آمن للسلطة.

وقد تجد هذه الدول، أو غيرها، في عملية اعتقال مادورو سابقة أو مبررًا يُستخدم لتسويغ عمليات مماثلة، عبر تقديمها للرأي العام الدولي بوصفها إجراءات مشابهة لما قامت به الولايات المتحدة، الأمر الذي ينذر بتآكل إضافي لقواعد الضبط الدولي.

خرق السيادة وحصانة رؤساء الدول

تُضعف هذه العملية موقع الأمم المتحدة، التي يقوم أحد مرتكزاتها الأساسية على مبدأ سيادة الدول، وحظر أي شكل من أشكال الإكراه السياسي أو العسكري. ويُعدّ اختطاف رئيس دولة انتهاكًا مزدوجًا لهذا المبدأ، لكونه يمسّ سيادة الدولة من جهة، ويخرق الحصانة الشخصية لرئيسها من جهة أخرى.

ويتكامل ذلك مع مبدأ حصانة رؤساء الدول، الذي أكدته أحكام محكمة العدل الدولية، ولا سيما في قضية "مذكرة التوقيف" البلجيكية الصادرة عام 2002 بحق رئيس الكونغو آنذاك، لوران كابيلا. خلصت المحكمة إلى أن رئيس الدولة يتمتع بحصانة مطلقة أثناء توليه المنصب، ولا يجوز اعتقاله أو نقله قسرًا أو محاكمته من قبل دولة أخرى، حتى في حال الاشتباه بارتكاب "جرائم خطيرة"، إلا عبر محكمة دولية مختصة أو بعد خروجه من المنصب.

كما تعزّز قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا الإطار القانوني؛ إذ ينص القرار 2625 لعام 1970، المعنون "إعلان مبادئ القانون الدولي"، صراحةً على حظر تغيير الحكومات بالقوة، ومنع دعم الانقلابات، وعدم جواز استخدام القوة لفرض نظام سياسي على دولة أخرى.

قال الباحث في شؤون العلاقات الدولية محمد الجابي، في حديثه إلى "الترا صوت" إن "الحدث يعيد رسم معادلة القوة في النظام الدولي، ويكشف عن مرحلة تتراجع فيها سلطة القواعد أمام سياسة الأمر الواقع"

في المقابل، يعرّف القرار 3314 لعام 1974، المعنون "تعريف العدوان"، أعمال العدوان بأنها تشمل غزو إقليم دولة، أو إرسال قوات أو مجموعات مسلحة، أو أي عمل يؤدي إلى تقويض سلطة دولة أخرى بالقوة، وهو ما يجعل اختطاف رئيس دولة بالقوة العسكرية أو الأمنية داخلًا في نطاق هذا التعريف، كما جرى مع الرئيس الفنزويلي مادورو.

أما الاستثناء الوحيد على هذه القواعد، فيبقى محصورًا بمجلس الأمن الدولي، الذي يملك وحده صلاحية الإذن بالتدخل بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، شريطة ثبوت وجود تهديد للسلم والأمن الدوليين، وصدور قرار صريح، مع تحديد واضح ودقيق للإجراءات المسموح بها.

واشنطن ومنطق الفاعلية قبل الشرعية

وفي هذا السياق، قال الباحث في شؤون العلاقات الدولية محمد الجابي، في حديثه إلى "الترا صوت"، إن "ما جرى في فنزويلا لا يمكن اختزاله في مشهد سقوط نظام أو اعتقال رئيس"، معتبرًا أن "الحدث يعيد رسم معادلة القوة في النظام الدولي، ويكشف عن مرحلة تتراجع فيها سلطة القواعد أمام سياسة الأمر الواقع".

وأوضح الجابي أن "العملية الأميركية التي أنهت حكم نيكولاس مادورو لا تبدو خطوة تكتيكية في أزمة محلية، بل تحركًا استراتيجيًا محسوبًا يرسم حدود النفوذ ويعيد تثبيت موقع واشنطن داخل موازين قوى آخذة بالتبدل". وأشار إلى أن "الولايات المتحدة، منذ اللحظة الأولى، سعت إلى توجيه رسالة واضحة ومتعددة الدلالات، مفادها أنها ما زالت تمتلك القدرة على الحسم السريع خارج المسارات التقليدية، وأنها لم تعد مضطرة لانتظار الإيقاع البطيء للشرعية الدولية لفرض ما تراه تصحيحًا للواقع أو إعادة ضبط للنفوذ".

وأضاف الجابي أن "هذه المقاربة تعيد إلى الواجهة منطق الفاعلية قبل الشرعية، حيث تُفرض الوقائع أولًا، ثم تُدار كلفتها القانونية والسياسية لاحقًا". ولفت إلى أن "خلف هذا السلوك المباشر قراءة أعمق تتصل بتغير المزاج الاستراتيجي الأميركي، إذ لا تسعى واشنطن، بتحركها في كاراكاس، إلى تأكيد مركزها في محيطها الغربي فحسب، بل إلى توسيع هامش المناورة في بيئة دولية تتزايد فيها بؤر التوتر، وفي مقدمتها الشرق الأوسط بوصفه ساحة احتكاك تاريخية بين مصالح القوى الكبرى".

وعلى مستوى التوازنات الدولية، رأى الجابي أن "العملية أعادت ضبط بنية الردع بين القوى الكبرى"، موضحًا أن "روسيا والصين، اللتين تمتلكان مصالح اقتصادية وسياسية في أميركا اللاتينية، قرأتا التحرك الأميركي بوصفه إشارة إلى حدود النفوذ الممكنة". واعتبر أن "هذا النمط من السلوك، وإن منح واشنطن مكاسب مباشرة، فإنه يراكم في المقابل كلفة استراتيجية، عبر دفع المنافسين إلى تموضع أكثر صلابة وتوسيع مساحة الشك في قواعد الضبط الدولي".

فنزويلا في الحسابات الجيوسياسية الروسية

تتمثل العلاقة بين روسيا وفنزويلا في أنها علاقة سياسية - استراتيجية بالدرجة الأولى، وليست اقتصادية أو تجارية. فبرغم الخطاب التحالفي القوي بين موسكو وكاراكاس، يبقى حجم التبادل التجاري بين البلدين محدودًا نسبيًا ولا يعكس ثقل العلاقة المعلنة. تنظر روسيا إلى فنزويلا بوصفها ورقة نفوذ جيوسياسية في أميركا اللاتينية ونقطة ضغط رمزية على الولايات المتحدة، فيما تعتمد فنزويلا على موسكو كداعِم سياسي ودبلوماسي في مواجهة العقوبات والعزلة الدولية. وعليه، فإن أي تطور يمسّ النظام الفنزويلي يُقرأ في موسكو كخسارة نفوذ وموقع استراتيجي.

وفي هذا السياق، قال الصحفي المتخصص في الشأن الروسي فراس المارديني، في حديثه إلى "الترا صوت"، إن "روسيا تُدين هذه العملية انطلاقًا من موقفها المعلن الرافض للتدخل في سيادة الدول، وهو موقف رسمي ثابت تعلنه موسكو داخليًا وخارجيًا". وأوضح أن "الإشكالية الأساسية بالنسبة لروسيا تكمن في خسارة دولة مثل فنزويلا، التي كانت تُعد شريكًا لموسكو بشكل أو بآخر، رغم أوضاعها الاقتصادية الصعبة والعقوبات المفروضة عليها"، مشيرًا إلى أن "هذه الخسارة تحمل أبعادًا استراتيجية".

وأضاف المارديني أن "الأخطر في المشهد الحالي هو إدراك روسيا لقدرة الولايات المتحدة الأميركية، ولا سيما في عهد الرئيس دونالد ترامب، على خرق القوانين الدولية وانتهاك سيادة الدول واتخاذ قرارات خارج الأطر الدولية"، معتبرًا أن "هذا السلوك يشكل مصدر قلق حقيقي للقيادة الروسية، خاصة في ظل إدراك موسكو أن أي تقارب روسي–أميركي يبقى قابلًا للانقلاب في أي لحظة".

الرهان الصيني على فنزويلا

العلاقة بين الصين وفنزويلا تقوم على أساس اقتصادي–طاقي طويل الأمد، مدعوم بغطاء سياسي حذر، وتُعد أعمق وأكثر كلفة للصين مقارنة بالعلاقة الروسية–الفنزويلية. فمنذ مطلع الألفية، استثمرت بكين مليارات الدولارات في فنزويلا، خصوصًا في قطاع النفط والبنية التحتية، وقدّمت قروضًا ضخمة سُدّد جزء كبير منها عبر شحنات نفطية طويلة الأجل. تنظر الصين إلى فنزويلا بوصفها مورد طاقة استراتيجيًا محتملًا، ورافعة لتنويع إمداداتها النفطية على المدى الطويل، وليس مجرد حليف سياسي ظرفي. 

وفي الوقت نفسه، تتجنب بكين الانخراط العسكري أو الأمني المباشر، وتحرص على إبقاء موقفها ضمن خطاب احترام السيادة ورفض التدخل، بما يحمي استثماراتها ويجنّبها مواجهة مفتوحة مع الولايات المتحدة. وبذلك، فإن أي اضطراب سياسي جذري في فنزويلا يُمثّل للصين خطرًا اقتصاديًا وماليًا مباشرًا، وليس فقط خسارة نفوذ سياسي، ما يفسر تمسّكها بالاستقرار وتفضيلها الحلول التدريجية لا الصدامية.

 لا يبدو اختطاف مادورو حدثًا معزولًا أو مجرد حلقة في صراع داخلي أو إقليمي، بل يشكل مؤشرًا على تحوّل أعمق في بنية النظام الدولي، حيث تتقدم سياسة الأمر الواقع على حساب القواعد والمؤسسات التي حكمت العلاقات الدولية لعقود

وفي هذا الإطار قالت الكاتبة الصحفية والمحللة السياسية الصينية سعاد ياي شين هوا، في حديثها إلى "الترا صوت"، إن "الصين كثّفت خلال الفترة الأخيرة مواقفها العلنية إزاء التطورات في فنزويلا، مؤكدة رفضها القاطع لأي أعمال عسكرية أحادية تنتهك القانون الدولي وقواعد العلاقات الدولية".

وأوضحت شين هوا أن "بكين شددت في أكثر من مناسبة على ضرورة حل الخلافات عبر الوسائل السياسية والدبلوماسية، بما يحفظ السلام والاستقرار الإقليميين، محذّرة من تداعيات اللجوء إلى القوة خارج الأطر الدولية".

وبحسب شين هوا، "ترى الصين أن استخدام القوة بهذه الطريقة لا يهدد سيادة فنزويلا وأمنها فحسب، بل يُلحق ضررًا جسيمًا بالنظام الدولي القائم، ويقوّض أسس الاستقرار العالمي".

وفي السياق الداخلي، أوضحت شين هوا أن "وسائل الإعلام الصينية سارعت إلى تغطية المواقف الرسمية لبكين، إلى جانب متابعة تطورات الأوضاع في فنزويلا عبر مراسليها والمقيمين هناك، مع تقديم تحليلات معمّقة من زوايا القانون الدولي وأمن المنطقة. ونقلت عن عدد من الخبراء الصينيين قولهم إن التحركات الأميركية من شأنها إضعاف ثقة المجتمع الدولي بالقانون الدولي وبآليات التعددية، وزيادة مخاطر تفاقم عدم الاستقرار الإقليمي".

وختمت شين هوا بالإشارة إلى أن "الرأي العام في البلاد أولى اهتمامًا واسعًا بالأزمة، معبّرين عن دعمهم لموقف الصين الداعي إلى احترام سيادة الدول ورفض الهيمنة والتدخل الخارجي، في وقت تتزايد فيه المخاوف من أن يشكل ما جرى في فنزويلا بداية مرحلة جديدة تُعاد فيها صياغة قواعد القوة على حساب القانون الدولي".

فنزويلا كساحة اختبار لقواعد القوة الجديدة

في المحصلة، لا يبدو اعتقال مادورو حدثًا معزولًا أو مجرد حلقة في صراع داخلي أو إقليمي، بل يشكل مؤشرًا على تحوّل أعمق في بنية النظام الدولي، حيث تتقدم سياسة الأمر الواقع على حساب القواعد والمؤسسات التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. وبين عجز الأمم المتحدة عن فرض مرجعيتها القانونية، وتنامي استخدام القوة كأداة مباشرة لإعادة رسم النفوذ، تبرز مخاوف جدية من مرحلة جديدة تتآكل فيها مفاهيم السيادة والحصانة، وتُستبدل بمنطق القوة والردع الأحادي. وفي عالم تتزايد فيه بؤر التوتر وتتشابك فيه المصالح الكبرى، قد لا تكون فنزويلا سوى ساحة اختبار أولى، لما قد تحمله المرحلة المقبلة من إعادة صياغة قسرية لقواعد السياسة الدولية.

كلمات مفتاحية
تونس

تقدير موقف|احتجاجات تونس المعيشية: دوافعها ومآلاتها

شهدت تونس، في النصف الثاني من تموز/ يوليو 2026، تحركات احتجاجية بسبب الانقطاع المتكرر للتيار الكهربائي والماء الصالح للشرب. وتزامنت هذه الاحتجاجات مع الذكرى السنوية الخامسة لانقلاب الرئيس قيس سعيّد على الدستور

الفلسطينية رفقة حسن تراقب حصار المستوطنين لمنزل عائلتها في قصرة (وكالة الأنباء الأوروبية)

من قصرة إلى جنين.. عنف المستوطنين يتقدم على الأرض في الضفة الغربية

في مشهد تتداخل فيه الهجمات على الفلسطينيين مع محاولات الاستيلاء على أراضيهم ومنازلهم، بينما تمضي الحكومة الإسرائيلية في توسيع الاستيطان وإعادة مستوطنات أُخليت قبل أكثر من عقدين

بوتين

بعد زيارته جزر كوريل.. بوتين يتسبب بأزمة دبلوماسية مع اليابان

تعود جذور الخلاف إلى الأيام الأخيرة من الحرب العالمية الثانية، عندما أعلن الاتحاد السوفييتي الحرب على اليابان في 8 آب/أغسطس 1945

ربيع وهبة
فنون

الأفلام الرمادية

منذ أن قرأته في كتاب عن الفيلسوف جيل دولوز، ظلّ السؤال يلاحقني كشبح: ما الذي منحته السينما لمن لا يشتغلون فيها؟

لبنان
رياضة

معركة محتدمة بين جمهوري السلة في لبنان ومصر: أيّ الدوريين هو الأقوى؟

اشتعلت عبر مواقع التواصل الاجتماعي معركة جانبية بين جمهوري كرة السلة في لبنان ومصر، وكل طرف أكّد أنه يمتلك دوري كرة السلة الأقوى في المنطقة، برأيك، أي البطولتين أقوى؟

غزة
مجتمع

السرطان ينهش غزة.. مرضى يموتون انتظارًا للعلاج

هناك نحو 17 ألف فلسطيني مصاب بالسرطان في غزة، من دون خيار محلي للحصول على العلاج الكيميائي أو العلاجات المتقدمة الأخرى

بوتين
سياق متصل

بعد زيارته جزر كوريل.. بوتين يتسبب بأزمة دبلوماسية مع اليابان

تعود جذور الخلاف إلى الأيام الأخيرة من الحرب العالمية الثانية، عندما أعلن الاتحاد السوفييتي الحرب على اليابان في 8 آب/أغسطس 1945