العدالة والتنمية وسياسات الهوية.. الطاعة أولًا

العدالة والتنمية وسياسات الهوية.. الطاعة أولًا

حذاء عسكري تركي وقدم يافع كردي (Getty)

المقال التالي هو ترجمة مقال "نيك دانفورث" عن سياسات الهوية الخاصة بحزب العدالة والتنمية في تركيا وعلاقة الحزب بالأقليات الكردية فيها.


تعاطت الدولة التركية منذ تأسيسها مع الأقليّات الإثنية والدينية بطريقة قائمة على تناقض صارخ. فقد كانت هذه الأقليات تتعرّض بشكل مستمر للتمييز ضدّها ويجري التعامل مع أفرادها وكأنّهم مواطنون من الدرجة الثانية لأنّهم ليسوا أتراكًا على الحقيقة في نظر الدولة. وفي الوقت ذاته أُرغمت هذه الأقليّات على الاندماج وفُرضت عليها اللغة التركية وطالبتهم الدولة بالافتخار بهويّتهم التركيّة حصرًا. فالاندماج والتماهي بالهويّة التركيّة مفروضٌ عليهم وغير مباح لهم في آنٍ معًا.

القادة الأتراك المؤمنون بالدولة القومية كانوا ينظرون إلى الاختلاف على أنه شكل من العصيان. ولذا عُدَّ الاختلاف في ذاته تهديدًا للدولة

ينطوي هذا التناقض الظاهر بين التمييز من جهة والدمج القسريّ من جهة أخرى على نوعٍ من موقف صارم في جوهر السياسة الداخلية التركية. فالقادة الأتراك المؤمنون بالدولة القومية وأيديولوجيتها كانوا ينظرون إلى الاختلاف على أنّه شكل من أشكال العصيان. ولذا عُدّ الاختلاف في ذاته تهديدًا للدولة، وخاصّة حين يكون ظاهرًا وقابلًا للتعبير عنه. ولكن ليس في وسع الأقليات ألا تكون مختلفة، على مستوى اللغة أو المعتقد. وحين كانت الأقليات تفصح عن اختلافها أو تفتخر به فقد كان هذا في نظر الدولة درجة أعلى من العصيان والتمرّد الذي لا يمكن السكوت عليه.

ولو تفصحنا الطريقة التي كانت تنظر بها الدولة التركية تاريخيًا إلى العلاقة بين التنوّع والعصيان فسنتمكّن حينها من فهم تعاطي حكومة العدالة والتنمية في هذه الفترة مع القضيّة الكرديّة. صحيحٌ أنّ العدالة والتنمية قد أبدى رغبة في قبول التنوع الثقافي ضمن الهويّة التركية الجامعة، ولكنّه في إصراره المتزايد على الضبط والسيطرة لم يتمكّن من تجاوز النهج الذي خطّته الدولة للتعامل مع الأقليّات منذ تأسيسها.

التنوّع والعصيان

في عام 1939 أصدر والي مدينة سعيرت التركية مرسومًا جاء فيه: "حفاظًا على الانتماء الوطنيّ... ولكي تكون اللغة التركيّة هي اللغة المحكيّة حصرًا.... فإنّ على من يعرف التركيّة أن يستخدمها في الأماكن العامّة ولا يستخدم سواها". ثم حدّد المرسوم ذاته بعض الإجراءات اللازم اتباعها للتعامل مع بائسي الحظّ غير المتكلمين بالتركية لضمان ولائهم للدولة:

- على الفلاحين حتى سنّ الأربعين تعلّم اللغة التركية خلال ثلاث سنوات، أمّا سكان المدينة من نفس الفئة العمرية فعليهم تعلّم اللغة خلال سنة واحدة.

- لا يسمح باستخدام لغة سوى التركية في الأماكن العامّة كالمقاهي والأسواق والمطاعم والخانات ودور السينما والحمامات العامّة. أمّا من يتكلّمون العربية أو الكرديّة فعليهم أن يتكلموا بصوت منخفض لا يسمعه الآخرون حولهم.

- يحظر على الأسرة التي فيها أطفال في سن الدراسة أن تتحدث معهم بلغة أخرى سوى التركية في البيت.

ولقد تمكّنت الدولة خلال القرن الماضي من رسم ذلك الخطّ الواضح بين التنوّع والعصيان. ففي سعيرت مثلًا كان التحدّث بالكرديّة بصوت مرتفع في مقهى شعبيّ مخالفة وتجاوزًا للقانون. وما يزال استخدام الكرديّة حتّى الآن في البرلمان أو الجامعة اعتداء على سلطة الدولة، وقد سادت فترة رهيبة خلال الثمانينيات كان الحديث بالكرديّة حتى في المجال الخاصّ دليلًا على عدم الولاء للدولة.

وفي الأعوام الأولى من تأسيس الجمهوريّة كان القادة القوميون حريصين على تحديد السبل الأمثل لفرض الولاء والطاعة عبر سياسات الهويّة. لقد كان العديد من مؤسسي الدولة في العشرينيات هم أنفسهم مهاجرين من دول البلقان أو القوقاز، ولم يُبدوا في البداية كبيرَ اهتمامٍ بمواجهة التنوّع بقدر ما كانوا حريصين على أن توضع مصالح الدولة فوق أي اعتبار كان. بل إن أتاتورك نفسه كان قد أعلن قبل فترة قصيرة من تأسيس الجمهوريّة قائلًا:

"جميع الأفراد المسلمين في هذه الدولة إخوة ولا بد أن يسود فيما بينهم احترام قيم الآخرين العرقية والمحلية والأخلاقيّة... ولا شكّ في أنّ الأكراد والترك واللاز والشركس كلهم مواطنون مسلمون يعيشون ضمن الحدود القوميّة وتجمعهم مصالح مشتركة."

ولكن سرعان ما تحوّل هذا التأكيد على مبادئ الأخوّة إلى تأكيد على الهويّة القوميّة الواحدة المشتركة كما ورد في مقدمة الدستور التركي عام 1924 الذي ينصّ على أنّه ليس ثمّة قوميّة سوى القوميّة التركيّة.

العدالة والتنميّة والتعدّدية الثقافية الجديدة

توصّلت حكومة العدالة والتنمية إلى نموذج خاصّ من التعدّدية "المقبولة". فقد اعترف الحزب في أدبياته بوجود مجموعات عرقيّة إلى جانب الأتراك، مع التركيز في الوقت ذاته على ضرورة عدم استغلال هذا التنوّع لإضعاف سلطة الدولة المركزيّة.

يمتلك العدالة والتنمية أدواتٍ تساعده على دغدغة المشاعر الكرديّة، كما فعل أردوغان مرّة في مؤتمر حين رفع نسخة من القرآن بالترجمة الكرديّة

ومن الأمور الجديرة بالاهتمام في هذه الهوية الثقافيّة "المتعدّدة" هو تسليط الضوء على أقليّات أخرى سوى الأكراد كالمواطنين ذوي الأصول الألبانية والبوسنية والشركسية وغيرها ممن هاجروا إلى الأناضول بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية. وكأنّ الاعتراف بوجود هذه المجموعات التي نجحت في الاندماج والتماهي مع الهويّة التركية قد صار يستخدم للتذكير بفشل الأكراد في تحقيق ذلك.

لم تطالب الأقليّات الأخرى بحقوقها اللغويّة أو استقلالها السياسيّ ولم تضطرّ لاستخدام العنف. وكما تُستخدم الأقليات "المثاليّة" في أماكن أخرى للتشنيع على الأقليّات "المخرّبة" أخذت الدولة التركيّة تركّز على الأقليّات الأخرى لإثارة أسئلة عن مشكلة الأكراد وتقديم دليل على رفضهم في الاندماج: لمَ الأكراد دون غيرهم يتمرّدون على الدولة ويسبّبون المشاكل؟

ولكنّ العدالة والتنمية يرغب في الوقت ذاته في كسب أصوات الناخبين الأكراد من دون إضعاف الدولة المركزيّة والمخاطرة في اهتزاز الهويّة القوميّة الجامعة. ولذا كان أردوغان في أيلول الماضي في مهرجان لمناهضة الإرهاب يتحدّث عن الأتراك والأكراد "الذين يجمعهم علمٌ واحد" والذين يقفون "صفًّا واحدًا في مواجهة حزب العمال الكردستانيّ". كما قال مرّة في خطاب أمام اجتماع لمجلس الشباب التركيّ "إننا في هذه الدولة، باختلاف منابتنا وأصولنا، من الترك واللاز والشركس والجورجيين والأبخاز والبوسنيين، كلنا متحدون، ولكننا لن نخضع للإرهاب".

يمتلك العدالة والتنمية أدواتٍ تساعده على دغدغة المشاعر الكرديّة وتلبية شيء من مطالبها الثقافية، ولعلّ الخطاب الدينيّ من أهمّ هذه الأدوات، كما فعل أردوغان مرّة في أحد المهرجانات الخطابية وهو يحمل نسخة من القرآن بالترجمة الكرديّة. ولكنّ الحرب التي تشنّها الحكومة الآن على العمال الكردستاني تظهر أنّ العدالة والتنمية لا يتردّد في استخدام القوّة ضد الأكراد الذي لا يوافقون على إملاءات الدولة المركزيّة. ولعلّ هذه السياسة تتجلّى في عبارة كتبها أحد الجنود الأتراك على جدار أحد المنازل في مدينة سيلفان ذات الأغلبية الكردية تقول: "إن كنت تركيًّا فارفع رأسك، وإلا فالخضوع".

نظرة إلى المستقبل

ستظهر لنا الأعوام القادمة مدى مقدرة العدالة والتنمية على توسيع تعريفها للاختلاف المقبول واحتواء حالة العنف المتصاعدة في البلاد، وإن كنا نسلّم بضرورة الحفاظ على النظام والأمن إلا أنّه يجب على الدولة استخدام أدوات يقبلها المواطنون ولا تؤثر على سير حياتهم. لقد حصل مؤخرًا أن قامت نائبة كرديّة في البرلمان التركيّ بمخالفة العرف في القسم الرسميّ وأعلنت ولاءها "لأمّة تركيا" وليس للأمّة "التركيّة" وقد أثار فعلها هذا لغطًا كبيرًا في البلاد، وهذه إشارة إلى أنّ مفهوم "الولاء" في تركيا لا يزال حتّى الآن غير قادر على استيعاب التعدّدية الثقافية للمجتمع التركيّ ولا يزال يشكّل تهديدًا لها.

اقرأ/ي أيضًا: 

هل يشكل "تنظيم الدولة" في سيناء خطرًا على إسرائيل؟

تونس..أي مشهد برلماني في الأفق؟