العدالة والتنمية والعدل والإحسان.. سجال متجدد حول جدوى المشاركة السياسية في المغرب
8 يوليو 2026
يتجدد السجال بين حزب العدالة والتنمية وجماعة العدل والإحسان مع اقتراب كل استحقاق انتخابي في المغرب، في تعبير عن خلاف فكري واستراتيجي حول جدوى المشاركة السياسية وسبل تحقيق الإصلاح بين التنظيمات الإسلامية المغربية.
ويدافع حزب العدالة والتنمية، الذي قاد الحكومة بين عامي 2011 و2021، عن العمل من داخل المؤسسات باعتباره المسار الممكن لتحقيق إصلاح تدريجي، بينما تتمسك جماعة العدل والإحسان بخيار مقاطعة الانتخابات، انطلاقًا من قناعتها بأن البنية الدستورية والسياسية الحالية لا تمنح الحكومات المنتخبة سلطة كافية لإحداث تغيير حقيقي.
المشاركة بين خيارين
عاد هذا الخلاف إلى الواجهة بعد تصريحات للأمين العام لجماعة العدل والإحسان، محمد عبادي، كشف فيها أن الجماعة كانت قد وجهت رسالة مفتوحة إلى حزب العدالة والتنمية عقب انتخابات 2011، حذرته فيها من أن المشاركة في الحكومة، ضمن البنية السياسية القائمة، لن تمكنه من تنفيذ إصلاحات عميقة أو محاربة الفساد، لأن صلاحياته ستظل محصورة في الجوانب التدبيرية والإدارية.
وأوضح عبادي، خلال برنامج "رجل ومسار" الذي يُبث على موقع الجماعة، أن موقف العدل والإحسان استند إلى قراءة لطبيعة النظام السياسي، معتبرًا أن تجربة حزب "المصباح" في قيادة الحكومة أكدت صحة هذا التقدير، بعد تعذر إنجاز إصلاحات جوهرية أو معالجة ملفات الفساد بالشكل الذي انتظره الرأي العام.
عاد الخلاف بعد كشف محمد عبادي أن جماعته حذّرت العدالة والتنمية عام 2011 من أن المشاركة الحكومية لن تحقق إصلاحات عميقة
في المقابل، يؤكد حزب العدالة والتنمية أن مقاطعة الانتخابات لا تفضي إلى الإصلاح، بل تترك المجال للقوى النافذة، وأن التغيير لا يتحقق إلا عبر التدافع الديمقراطي داخل المؤسسات.
وشدد الأمين العام للحزب، عبد الإله بنكيران، في كلمته خلال لقاء حزبي، على أن خيار المشاركة كان هو الخيار الصحيح، داعيًا الجماعة إلى تقديم بدائل عملية للمغاربة بدل الاكتفاء بانتقاد التجارب القائمة.
واعتبر بنكيران، الذي ترأس الحكومة بين عامي 2011 و2017، أن الحضور السياسي للعدل والإحسان يظل محدودًا ولا يقدم مشروعًا سياسيًا بديلًا.
خلاف يتجدد قبل الانتخابات
يرى أستاذ العلوم السياسية بجامعة محمد الخامس بالرباط، محمد شقير، أن هذا السجال مرشح للاستمرار كلما اقتربت الانتخابات، بسبب اختلاف الرؤية بين الطرفين. وأوضح لموقع "الترا صوت" أن الجماعة تعتبر أن الإصلاح لا يمكن أن يتحقق عبر المشاركة في مؤسسات النظام دون شروط تضمن تغييرًا حقيقيًا، بينما يرى الحزب أن الإصلاح يمر عبر المشاركة التدريجية داخل المؤسسات.
ويضيف شقير أن تراجع العدالة والتنمية بعد قيادته حكومتين عزز قناعة الجماعة بصحة موقفها، كما أن "عدم انفتاح السلطة على الجماعة، رغم إصدارها وثيقتها السياسية التي اعتبرها بعض المتابعين مؤشرًا على تطور في خطابها، دفعها إلى استعادة خطاب أكثر تشددًا، وهو ما انعكس على تصاعد حدة السجال مع العدالة والتنمية".
ولا يستبعد الأستاذ والمحلل السياسي أن يحمل هذا النقاش أيضًا رسائل موجهة إلى قواعد الجماعة والمتعاطفين معها، لثنيهم عن دعم مرشحي الحزب، خصوصًا في مدينة سلا (قرب الرباط)، التي تمثل أحد أبرز معاقل التنظيمين.
تقييم متبادل للتجربتين
يعتبر الباحث في الحركات الإسلامية، بلال التليدي، أن الجديد في هذا السجال بين العدل والإحسان والعدالة والتنمية يتمثل في تقييم التجربتين؛ إذ تقرأ الجماعة حصيلة عشر سنوات من قيادة الحزب للحكومة، بينما يقيم حزب "المصباح" واقع العدل والإحسان ومستقبلها بعد وفاة مؤسسها عبد السلام ياسين، مبرزًا أن الجماعة "لم تنجح في إنتاج مبادرات سياسية مؤثرة، في حين تمكن الحزب من تحقيق نجاح انتخابي وسياسي تُوّج بتصدر انتخابات 2011".
وأوضح التليدي في تصريح لـ "الترا صوت" أن العدل والإحسان تعيش أزمة رهان سياسي منذ أكثر من ثلاثة عقود، تتجلى أساسًا في مأزق "رؤيا 2006" العرفانية، ثم انسحابها من حراك 20 فبراير، وصولًا إلى الارتباك التنظيمي والفكري حول مركزية "الصحبة" وشروط الشيخ المصحوب بعد وفاة مرشدها عبد السلام ياسين.
كما يلفت الباحث إلى أن مرحلة ما بعد 2021 "أضعفت معظم المكاسب التي راكمها حزب العدالة والتنمية"، خصوصًا أن بعض الإصلاحات التي أُطلقت خلال فترة قيادته للحكومة، وعلى رأسها إصلاح صندوق المقاصة، استُخدمت لاحقًا بطريقة أرهقت القدرة الشرائية للمواطنين من دون توفير إجراءات موازية لحماية الفئات الأكثر هشاشة.