العبودية الحديثة.. تجدد الدماء في عروق أسواق النخاسة الإماراتية

العبودية الحديثة.. تجدد الدماء في عروق أسواق النخاسة الإماراتية

تعتبر الإمارات بؤرة أساسية للممارسات العبودية الحديثة وتجارة الرق (Getty)

مظاهر الحضارة المدنية التي تبدو في العمران والخدمات المتنوعة وارتفاع مستوى العناية الصحية والحياة الاستهلاكية، أو حتى إنشاء وزارة للسعادة؛ كل ذلك لا يعني بالضرورة أنّ ثمّة حضارة حقيقية، حضارة تراعي التطور البشري على مستوى الإنسان وحقوقه، وهكذا هو الحال في الإمارات العربية المتحدة، أو كما تُعرف أحيانًا في هذا السياق بـ"إمارات الظلام"، لما تعهده من تدهور كبير في ملف حقوق الإنسان بجملته، من جهة الاعتقالات السياسية، ومن جهة العمالة الأجنبية، وأخيرًا من جهة "العبودية الحديثة - Modern Slavery". 

"إمارات الظلام" لقب يُطلق على دولة الإمارات، بسبب التدهور الكبير لحقوق الإنسان من كل الجهات، على أراضيها

ما هي العبودية الحديثة؟

رغم الاتفاقيات والمعاهدات إلا أنّ العبودية الحديثة تتنامى بمرور الوقت، مع ازدياد الحروب والنزاعات وظهور التنظيمات الإرهابية وزيادة معدلات الهجرة، وتوحّش رأس المال الذي يلعب على كل ذلك، ومن خلفه أنظمة وحكومات تدعم الفوضى حول العالم، اكتنازًا للثروة على أجساد البشر وحقهم في الحرية.

اقرأ/ي أيضًا: ليست مجرد ناطحات سحاب لامعة.. إنها إمارات الظلام

وُقعت الاتفاقية الخاصة بمكافحة الرق في جنيف، في 25 أيلول/سبتمبر 1926، وعدلت بصيغتها الحالية في مقر الأمم المتحدة بنيويورك عام 1953، ودخلت حيّز التنفيذ في 1955. وعرّفت الاتفاقية الرق على أنّه "حالة أو وضع أي شخص تُمارس عليه السُلطات الناجمة عن حقّ الملكية، كلها أو بعضها"، وعرّفت تجارة الرقيق على أنّها "تشمل جميع الأفعال التي ينطوي عليها أسر شخص ما أو احتيازه أو التخلي عنه للغير على قصد تحويله إلى رقيق، وجميع الأفعال التي ينطوي عليها احتياز أي رقيق بغية بيعه أو مبادلته، وجميع أفعال التخلي بيعًا أو مبادلة عن رقيق تم احتيازه على قصد بيعه أو مبادلته، وكذلك عمومًا أي إتجار بالأرقاء أو نقل لهم".

جيتو العمال المهاجرين

وفقًا لتقرير نشرته منظمة هيومن رايتس ووتش الحقوقية الدولية، عن الإمارات عام 2016، فإنّ نسبة الأجانب من إجمالي سكان الإمارات، تبلغ أكثر من 88.5%، بالاعتماد على إحصائيات حكومية تعود لعام 2011، لكن أحدث الإحصائيات عن مركز "Global Detention Project"، ومقره جنيف، في ورقة عن التمييز العنصري في الإمارات، تقول إنّ نسبة الأجانب في الإمارات تمثل ما لا يقل عن 90% من إجمالي سكان البلاد، 95% منهم من العمال الذين تقول هيومن رايتس ووتش، إن معظمهم "معرضون لظروف العمل الجبري"، الذي يدخل ضمن نطاق مفهوم العبودية الحديثة.

ومن أشهر الممارسات التي تقع بحق العمالة الأجنبية في الإمارات، سحب جوازات السفر فيما يُشبه الاحتجاز لهم، وإجبارهم على العمل وفقًا لشروط تعسفية وظالمة في حق العمال، وهو ما أشارت إليه صحيفة الجارديان البريطانية في ملف أعدته عن أحوال العمال المهاجرين الذين يعملون في مشروع منتجع جزيرة السعديات سيء السمعة، بسبب ما تردد كثيرًا عن كونه بؤرة استغلال للعمالة الأجنبية.

من أشهر الممارسات التي تعرفها الإمارات ضد العمالة الأجنبية، سحب جوازات سفرهم لاحتجازهم وإجبارهم على العمل بالسخرة 

حتى أنّ الشركة المسؤولة عن المشروع، وهي شركة التطوير والاستثمار السياحي (TDIC)، ولمواجهة الضغوط التي تتعرض لها بسبب مشروعها سيء السمعة من جهة التعامل مع العمّال، ولطمأنة شركائها الأجانب، سمحت للعمال الأجانب في مشروعها بالحصول على جوازات سفرهم، فيما يُعد تأكيدًا على أن مصادرة جوازات سفر العمال الأجانب هو الأساسي.

اقرأ/ي أيضًا: الوجه الحقيقي لبلاد وزارة السعادة.. تمييز عنصري رسمي وممنهج تفرضه أبوظبي

من جهة أُخرى فإنّ بلاد وزارة السعادة، لا تتيح  لأي عامل أجنبي السعادة على أراضيها، أو حتى التعاسة لكن دون مساس بحقوقهم، ومن هؤلاء عاملات المنازل اللاتي يتعرضن بشكل مُستمر لممارسات عنصرية فائقة، ويُجبرن على ظروف عمل غير آدمية، تصل للتعذيب والترك دون طعام لأيام.

محطة عالمية للنخاسة

التقرير السنوي لوزارة الخارجية الأمريكية، عن عام 2015، قال عن الإمارات إنّها "دولة عبور ومحطة مهمة يحط فيها الرجال والنساء من جنوب شرق آسيا، ومن آسيا الوسطى، وأوروبا الشرقية، ممن يصلون عن طيب خاطر للعمل، قبل أن يجدوا أنفسهم رهينة للاتجار في العمل والجنس"، وهو وجه للعبودية الحديثة، أكثر ارتباطًا بتجارة الرق الحديثة.

تمثل الإمارات بُؤرة لتجارة الرق الحديث، بجملة من الممارسات ضد العمالة الأجنبية تتضمن الاحتجاز وتقييد الحركة والعنف الجسدي والجنسي

ومرة اُخرى تتكرر الإشارة إلى مصادرة جوازات السفر، باعتبارها خطوة أساسية في الإمارات لاحتجاز العمالة الأجنبية، ومن ثمّ تعريضهم للعمل في جو أشبه بالسخرة، إذ أشار تقرير الخارجية الأمريكية، إلى أنّ العديد من النساء من بلدان مختلفة، يأتين للعمل في الإمارات في خدمة الفنادق وعاملات منازل، أو حتى في صالونات التجميل، لكنهن يتفاجأن بأنهن أصبحن رهينة لأصحاب العمل، وتُصادر جوازات سفرهن وتُقيّد تحركاتهن، ويُجبرن على العمل القسري في ظروف غير آدمية تحت التهديد، فضلًا عن أن كثيرًا منهن يتعرض للعنف الجنسي، خاصة النساء الآتيات من بلاد أوروبا الشرقية، واللواتي يُجبرن على ممارسة البغاء قسرًا.

دبي.. مدينة الذهب وعمالة الأطفال

دبي التي يتدفق إليها نحو 40% من كل الذهب المتداول في الأسواق العالمية، لا تضع بالًا بأي شكل لحقوق الإنسان. المكسب هو المحرك الوحيد لتطلعات الإمارة الفقيرة نفطيًا بالنسبة لأبوظبي.

ووفقًا لهيومن رايتس ووتش، فإنّ صناعة الذهب في دبي، تتحمل بشكل صريح ومباشر، الظروف القاسية جدًا التي يعاني منها الأطفال المُجبرون على العمل في صناعات التعدين، داعية حُكام الإمارة لتحمّل المسؤولية الأخلاقية عن حماية هؤلاء الأطفال المستغلين للعمل في ظروف قاسية، بالمخالفة للقوانين الدولية التي تجرم عمال الأطفال.

اقرأ/ي أيضًا: معاناة الأطفال في الحرب بين الأذى الجسدي والمعنوي

المثير للاهتمام في كل ما سبق، هو تكرار ترديده ليس على الملأ في المطلق وفقط، بل خصيصًا على مسامع مسؤولين إماراتيين يتعرضون للتقريع المستمر من اللجان المختصة بالأمم المتحدة، والتي تدين كل مرّة الإمارات فيما يخص حقوق الإنسان إجمالًا، وتحديدًا العنصرية والعبودية الحديثة. ومع كل مرة تعد الإمارات بإجراء إصلاحات في هذا الصدد، وبالفعل تُروّج لذلك عبر مجموعة قوانين وتشريعات لم تدخل أبدًا حيّز التنفيذ، وظلّ الواقع المظلم في عرّابة الفوضى بالمنطقة العربية، صاحب الصوت الأعلى.

 

اقرأ/ي أيضًا: 

فوبيا النساء في العالم العربي

5 من أجمل الأفلام عن تاريخ السود في أمريكا