العاميّة أم الفصيحة.. أيّهما أصلح للتعليم؟

العاميّة أم الفصيحة.. أيّهما أصلح للتعليم؟

هناك العديد من الأدلة على أن التعليم باللغة الأم أكثر إفادة (أ.ف.ب)

ثار جدل مؤخرًا في المغرب حول طبيعة اللغة المستخدمة في المنظومة التعليمية. وهو جدل قديم متجدد، ليس في المغرب وحدها، وإنما في دول عربية أخرى، وحول العالم كذلك، بين من يرى اللجوء للغة العامية الدارجة في كتابة المناهج التعليمية، ومن يتمسك بالعربية الفصيحة، وكل له مبرراته، وبطبيعة الحال منطلقاته الأيديولوجية.

ترتبط اللغة ارتباطًا وثيقًا بالرمزية، وكذلك بالانفعالات والفكر والإبداع، هذه الأصول الفريدة هي التي تجعلنا حتى الآن أكثر الكائنات قابلية للتكيف

وبعيدًا عن الجدل الأيديولوجي والأفكار المسبقة، نقدم لكم هنا خلاصة بحث مطول حول اللغة و"لغة التعليم". ولكن أولًا، لنتعرف قبل ذلك على أهمية اللغة الأولى عمومًا.

كيف تصنعنا اللغة؟

يبدو الغرض الظاهري من اللغة هو نقل الأفكار من عقل إلى آخر، إذن فاللغة تعبر عن الفكر. ولكن هل تحدد الفكر؟ هل جميع البشر يفكرون بطريقة مماثلة -بغض النظر عن اللغة التي يستخدمونها لنقل أفكارهم– أم أن اللغة التي نتحدثها تؤثر على الطريقة التي ننظر بها إلى العالم؟

اقرأ/ي أيضًا: اللغة والدلالة والسلطة في البيئة العربية

لقد طُرح هذا السؤال على الفلاسفة وعلماء النفس، واللغويين وعلماء الأعصاب، وغيرهم من المختصين في مجالات مختلفة منذ زمن طويل، ولا زال إلى اليوم محل دراسة. لكن حتى الآن هناك أدلة قوية، كما سنوضح، على أن اللغة ليست فقط مجرد ملصقات لفظية للأشياء التي نسميها.

وترتبط اللغة ارتباطًا وثيقًا بالرمزية، وكذلك بالانفعالات والفكر والإبداع، هذه الأصول الفريدة هي التي تجعلنا حتى الآن أكثر الكائنات قابلية للتكيف، وتمكننا من الانخراط في مجالات مجردة مثل الفن والعلوم والفلسفة. إنها، كما قال كومري برنارد بروفيسور اللسانيات: "تلك العطيّة الإلهية للإنسان، التي مكنتنا من الاستمتاع بالمتعة المتاحة في هذا العالم".

ومع ذلك، تختلف اللغات من واحدة لأخرى في التعامل مع الأشياء والعالم. على سبيل المثال، عدد المصطلحات المعطاة للألوان يختلف من لغة لأخرى، فبينما تحتوي الروسية على 12 مصطلحًا أساسيًا للألوان، لدى لغة "داني"، وهي اللغة المستخدمة في غينيا الجديدة، مصطلحين فقط، هما: "ميلي" للألوان الباردة و"مولا" للألوان الدافئة، دون أن يعني ذلك أن المتحدثين من "داني" غير قادرين على إدراك أكثر من لونين.

أيضًا تتفنن اللغات في وصف الأشياء بشكل متفاوت، مثلًا تخيل أنك كنت مستلقيًا على أريكة منزلك، ثم فجأة يطرق بابك أحدهم ولا تود أن تفتح له أو تستقبله، فتتظاهر بأنك غير موجود، بينما تترك أنوار البيت مضاءة بما يوحي بأنّه مسكون، بماذا تصف هذه الحالة؟ في اللغة العربية أو الإنجليزية لا يوجد لفظ محدد يصف هذا الوضع، لكن في اللغة اليابانية هناك كلمة "إيرسو"، والتي تعني "ترك الساكن في المنزل الأنوار مضاءة للتظاهر بأنه غير موجود". ومع ذلك، رغم أننا لا نتحدث اليابانية، نستطيع أن نفهم الحالة.

من جهة أخرى، تحتوي اللغة العربية مثلًا على أكثر من 300 اسم للسيف، والمثير أن كل واحد منها يشير إلى نوع مختلف من السيوف، فـ"الصمصام" يحيل إلى السيف الذي لا يثنى، و"الزالق" يشير إلى السيف سلس الخروج من غمده، و"اللهذام" يُطلق على السيف الحاد. هذا يعني أن العرب القدماء كانوا يستطيعون التحدث عن السيف بشكل أكثر دقة وتفصيلًا.

ولكن هل يعني ذلك أن لغتهم الثرية حول "السيف" جعلتهم يفكرون بشكل أكثر في استعمال السيف، ونتيجة لذلك، دخلوا في مزيد من الحروب؟ أم أنهم كانوا أصلًا يعيشون في واقعهم حياة مليئة بالحروب والمبارزات مما جعلهم يضعون مزيدًا من الكلمات عن السيف؟

لاشك أن اللغات تتطور مع الوقت والظروف المحيطة، ولذلك يتم إضافة كلمات جديدة في القواميس اللغوية في كل عام، غير أن هناك علاقة بين اللغة ورؤيتنا للعالم، خاصة القواعد النحوية، يمكن أن تؤثر بشكل مباشر وراديكالي على الفكر والإدراك والعمل، كما يقول عالم النفس نيل بورتون في مقال له بمجلة "بسيكولوجيا توداي".

مثال على ذلك، في دراسة منشورة حول العلاقة بين لغة الطفل والقدرة على تمييز جنسه. تناول الباحثون في الدراسة مجموعة من الأطفال من انتماءات مختلفة، فلاحظوا أن الصغار الفنلنديين تأخروا عن تمييز جنسهم مقارنة مع الصغار الذين يتحدثون اللغة العبرية بعام كامل، وذلك لأن اللغة الفنلندية لا تفرق بين "الذكر" و "الأنثى" في الضمير أو الفعل أو الصفة.

وفي دراسة مثيرة أخرى، تناول فيها الباحثون قبيلة بدائية تعيش على شاطئ نهر الأمازون، لديهم نظام عددي مكون فقط من واحد أو اثنين إذا كان أكثر من واحد، أي ليس لديهم فرق بين الأرقام 2 و3 و20 و100 في التسمية!

في البداية، افترض الباحثون أن نظام عيشهم البسيط القائم على صيد الأسماك، جعلهم يكتفون بهذا العد البسيط في لغتهم، وبالتأكيد يستوعبون مفهوم الأرقام، وإن لم تكن هناك ألفاظ تصفها، لكن بعد التجربة تبين أنهم لا يفهمون مفهوم العد والأرقام من الأصل، حيث وضع القائمون على التجربة أمامهم 15 سمكة وطالبوهم بوضع عدد مماثل من الأسماك في الجهة الأخرى، وفشلوا في ذلك تمامًا.

هذا يعني بطريقة ما أن رؤيتنا للعالم ولأنفسنا محكومة نوعًا ما بحدود لغتنا، إذ كل لغة تقسم العالم بشكل مختلف، بعبارة أخرى كما يكتب بروفيسور علم النفس ديفيد لودن: "نرى العالم وفقًا للإطار الذي تفرضه لغتنا علينا. لا تحد اللغات من قدرتنا على إدراك العالم أو التفكير في العالم، ولكنها توجه تركيزنا لإدراك والاهتمام والتفكير في جوانب محددة بعينها من العالم".

وإذا كانت للغة هذه القدرة على صياغة الإطار الذي من خلاله نرى العالم ونرى أنفسنا، فهل هذا يعني أن اكتسابنا لغة ثانية سيجعلنا نرى العالم بشكل مختلف وتتغير شخصياتنا؟

فيما يتعلق بالشخصية، فإنه لا يبدو هناك علاقة سببية مباشرة بين اللغة والشخصية، حسب بروفيسور علم النفس اللساني، فرونسوا غروسجين، فالناس، سواء أحاديي اللغة أو ثنائيي اللغة، قد يتصرفون بطرق مختلفة حسب السياق والظروف، دون أن يعني ذلك تغييرًا كليًا في الشخصية، لكن تعلم لغة ثانية قد يجعلنا نظهر جزء آخر من شخصيتنا لا يظهر بشكل قوي في لغتنا الأم.

لكن هل يمكن للغة الثانية أن تجعلك تفكر بطريقة مختلفة جذريًا؟ الجواب وفق عالم اللسانيات السويسري فرونسوا غروسجين، هو: لا. وإن كان التفكير بواسطة لغة ثانية –أيًا كانت- يجعل المرء يفكر بطريقة أكثر عقلانية ومنطقية من لغته الأم الاعتيادية، مثلما أثبتت تجربة علمية قام بها فريق بحثي إسباني، وذلك لأن التعامل مع لغة ثانية، حتى مع إتقانها، يحتاج إلى مجهود مما يثبط أنماط التفكير المتأصلة في الدماغ، وبالتالي لا يعودون يعتمدون على مجرد الحدس. غير أن الناس من ثنائيي اللغة، في معظم الأوقات لا يحبذون إجهاد أنفسهم بالتفكير بواسطة لغتهم الثانية.

بما أننا عرفنا أن اللغة تفرض الإطار الذي نرى من خلاله العالم، وأن اللغة الثانية لا تغير الكثير في شخصيتنا ونظرتنا للعالم، فإننا نستخلص إذن أن: اللغة الأولى، التي تشربها الشخص في طفولته، تبقى هي النافذة الأساسية التي تحدد رؤيته للعالم ولنفسه، ليس كليًا، ولكن بقدر كبير، وصحيح أن اكتساب لغة ثانية يمكن أن يدخل بعض التعديلات في نظام تفكيرنا، لكنه لن يستطيع محو نظامنا اللغوي الأولي الذي بنى أساسات شخصيتنا ونظرتنا للعالم.

هذا يجعل تطوير اللغة الأولى وإثراء حقيبتها المعجمية والمفهومية، كما يبدو، في غاية الأهمية، لتطوير شخصية المجتمع المتحدث بها وتفكيره.

لكن هل حقًا إدخال اللغة الأم في التعليم عملية مفيدة في تكوين الطفل؟

اللغة الأم، ويطلق عليها أيضًا اللغة الأولى أو اللغة الشريانية أو اللغة الأصلية، هي اللغة التي يتشربها الشخص في طفولته، أو بعبارة أخرى، اللغة الأولى التي يتعلمها الدماغ. وفقًا لنعوم تشومسكي، خبير اللغويات الأمريكي، فإن "جميع الأطفال لديهم درجة متساوية من الكفاءة في لغتهم الأم، وهم مثاليون في استخدامها. وتستمر بقاياها الرمزية والصوتية في النظام اللغوي للفرد حتى بعد الانقطاع عنها مدة طويلة ونسيانها".

اللغة الأولى، التي تشربها الشخص في طفولته، تبقى هي النافذة الأساسية التي تحدد رؤيته للعالم ولنفسه، ليس كليًا، ولكن بقدر كبير

قبل قرن من الآن، كان الاتجاه السائد في مجتمع اللسانيات، هو أن هناك لغات أرقى من لغات أخرى، استنادًا إلى دراسات مماثلة لتجربة قبيلة الأمازون التي ذكرناها سابقًا، ونجم عن ذلك ظهور دعوات ترى بأنه ينبغي القضاء على اللغات الأصلية التي ينشأ عليها سكان المستعمرات، بغرض فسح المجال لتطويرهم، لأنها مسؤولة بشكل أو بآخر عن "همجيتهم" و"تخلفهم" المزعوم.

اقرأ/ي أيضًا: "الدارجة" المغربية بديلًا للعربية في المغرب؟

لكن بحلول ثلاثينات القرن العشرين، ستبدأ هذه النظرة للغات الأم بالتآكل وسط التخصصات الإنسانية، وبعد إنشاء هيئة الأمم المتحدة ستظهر حقوق الأقليات، وحق التعليم الجيد للجميع، وحقوق الشعوب الأصلية في حماية هوياتهم الثقافية واللغوية من الاندثار.

وعلى إثر ذلك، اقترحت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) منذ عام 1953، في تقرير لها حول استخدام اللغة الأم في التعليم، أنه "يجب منح الأطفال الفرصة للتعلم بلغتهم الأم في المرحلة الابتدائية"، إلا أنه لم يتم عمليًا تنزيل برامج تعليم تدمج اللغات الأم في المدارس سوى في أوائل التسعينات في بعض البلدان. وبحلول عام 2003، نشرت اليونسكو ورقة موقف اعتمادًا على نتائج تلك البرامج والأبحاث المتخصصة، مفادها: "تدعم اليونسكو تعليم اللغة الأم كوسيلة لتحسين الجودة التعليمية".

ومنذ ذلك الحين، أصبحت اليونسكو تحث وبوضوح، الحكومات حول العالم على إدماج اللغات الأم في التعليم، وخصصت لأجل ذلك يومًا عالميًا للاحتفاء باللغة الأم، وهو 21 شباط/ فبراير من كل عام، بهدف الحفاظ على التنوع اللغوي وتعزيز التعليم المتعدد اللغات القائم على اللغة الأم.

 وتسهب اليونسكو في تقاريرها المتتالية في تسليط الضوء على مزايا تعليم اللغة الأم في المراحل المبكرة، بناءً على نتائج الدراسات الميدانية المعمولة حول الموضوع:

  • إن الأطفال أكثر عرضة للتسجيل والنجاح في المدرسة عندما تعتمد اللغة الأم في التدريس.
  • من المرجح أن يتصل الوالدان بالمعلمين والمشاركة في تعلم أطفالهم في البيت عند استخدام اللغة الأم في التعليم.
  • استخدام اللغة الأم في التعليم يجعل الأطفال والفتيات الريفيات يبقون في المدرسة لفترة أطول، ويكررون السنوات أقل في كثير من الأحيان.
  • الأطفال الذين يدرسون في التعليم متعدد اللغات القائم على اللغة الأم يميلون إلى تطوير مهارات تفكير أفضل مقارنة مع أقرانهم أحاديي اللغة.
  • اعتماد التعليم متعدد اللغات القائم على اللغة الأم لإدماج الأطفال بالمناطق الفقيرة والمهمشة في المدارس، هو نموذج ناجح.
  • التعليم المدرسي بلغة ثانية يحدّ من تقدم الأطفال في اكتساب المعارف والمهارات بحيث لا يستطيع سوى قلة منهم، من خلالها التقدم إلى الدراسات العليا أو العثور على عمل، وهكذا يتم إعداد هؤلاء الأطفال للرفض وانخفاض احترام الذات.
  • التعليم بغير اللغة الأم يمكن أن ينفر الأطفال من مجتمعاتهم. وقد عبر أحد الوالدين لطفل في "بابوا" بغينيا الجديدة عن هذا قائلًا: "عندما يذهب أطفالنا إلى المدرسة يذهبون إلى مكان غريب، يتركون والديهم، ويتركون حدائقهم، وتركوا كل ما هو طريقتهم في الحياة، ليجلسون في الفصل ويتعلمون أشياء لا علاقة لها بمكانهم. وفي وقت لاحق، يتحولون إلى رفض أنفسهم". كما يُصعّب على أولئك الذين نجحوا في إكمال دراستهم الثانوية الرجوع إلى ثقافتهم وهوية مجتمعهم الأصلي.
  • أدى استبعاد اللغات الأم من التعليم المبكر في الهند، إلى تأخير تعلم الأطفال القبليين، وإلى عدم اندماجهم بسرعة في البيئة المدرسية، مثلما توضح دراسة ميدانية لمجموعة مدارس مختارة في أربع ولايات بالهند.
  • من العوامل التي تساهم بقوة في إبطاء تطور المهارات القرائية في منطقة أفريقيا جنوب الصحراء، هو مواصلة التحدث بلغتين مختلفتين وغير متواصلتين، واحدة في البيت وأخرى في المدرسة، حيث يظهر تقرير حديث لليونسكو أن 69% من البالغين الذين أمضوا خمس سنوات في التعليم في مدارس تفضل التدريس باللغات المنزلية (أي التي نتحدث بها في المنزل) يستطيعون قراءة جملة، مقابل 41% فقط من الذين درسوا في مدارس تستخدم لغة غير أصلية.

ومع ذلك، قد يُشكّك البعض في طرح اليونسكو الداعي إلى الاعتماد على اللغات الأم في التعليم، على اعتبار، أولًا: أن اليونسكو مدفوعة بمبدأ "تساوي الثقافات" وضرورة الحفاظ على تنوعها، ما قد يقودها إلى الاهتمام باللغات الأصلية كيفما كانت. وثانيًا: لأن الكثير من هذه اللغات الأم تبدو فقيرة للغاية معجميًا ومفاهيميًا، وبعضها لا يزال محصورًا في المستوى الشفهي، وبالتالي تحتاج إلى الكثير من العمل والموارد لتطويرها وتقعيدها وجعلها صالحة للاستخدام في المدرسة.

ولأجل ذلك يدعو هؤلاء إلى التوجه في التعليم مباشرة ومنذ البداية نحو "اللغات الحية"، بدل تضييع الوقت في استخدام لغات بالية في التدريس. ورغم أن مجرد التفكير في أنه يمكن أن تكون اللغات متفاوتة، وأن هناك لغات فعلًا أفضل من أخرى من حيث بناء الإنسان معرفيًا، وربما نفسيًا، تبدو فكرة رهيبة وعنصرية، إلا أنها تملك جانبًا من الحقيقة.

مثلًا، يشير تقرير بحثي للغارديان إلى معلومة هي أنه "من أصل ستة آلاف لغة مستخدمة حاليًا، ثمة 10 لغات منها تشكل وحدها 82% من إجمالي المحتوى على الإنترنت"، حيث تتقدم الإنجليزية على جميع اللغات بحصة 30% من المحتوى الكلي للإنترنت. أكثر من ذلك، يتنبأ الباحث أندريس كورناي في ورقة بحثية منشورة، بأن 95% من جميع اللغات المستخدمة اليوم لن تجد لها مكانا على الإنترنت عما قريب.

هذا يعني أن مئات ملايين الناس، الذين لا يتحدثون سوى لغتهم الأصلية من غير اللغات الحية، هم محرومين تلقائيًا من بحر هائل من المعلومات الرقمية، التي من شأنها أن تطور تعليمهم وأعمالهم الاقتصادية، بل وتُوَسّع من آفاق حياتهم الشخصية ونظرتهم للعالم. ومن ثمة فالتمسك باللغة الأم دون الالتفات للغة ثانية في هذا العصر قد لا يكون أمرًا صحيحًا تمامًا.

لكن للانتقال بشكل سليم إلى اللغة الثانية التي ستوسع معارف الطفل، سيكون من الضروري المرور عبر اللغة الأم، هذا ما يطلق عليه الخبراء اللغويين التربويين، بـ"عملية التجسير"، وهو ما يوضحه بروفيسور البيداغوجيا واللغات، في جامعة تورنتو بكندا، جيم كومينز، في كتابه "اللغة والتأثير والبيداغوجية: الأطفال ثنائيو اللغة في تبادل إطلاق النار"، بقوله: "إذا لم يتم استخدام اللغة الأم فإن الأطفال يميلون للبقاء أميين في كل اللغات. وأيضًا إذا لم يتم تطوير لغتهم الأم بما فيه الكفاية ليصبحوا قارئين لها وكاتبين بطلاقة، فإن فهمهم لمفردات اللغة الثانية سيكون محدودًا، وسيكون استيعابهم للمفاهيم مرتبكًا".

من أصل ستة آلاف لغة مستخدمة حاليًا، ثمة 10 لغات منها تشكل وحدها %82 من إجمالي المحتوى على الإنترنت

وأضاف: "هذا النقص في فهمهم لهيكل لغتهم الأولى يحد من قدرتهم على تعلم لغة ثانية. أما إذا كان هناك أساس قوي للغة الأم، فبوسعهم آنذاك ترجمة المعارف والمهارات الأساسية التي اكتسبوها بلغتهم الأولى بسهولة إلى اللغات الثانية التي يرغبون في تعلمها".

اقرأ/ي أيضًا: بأي لغة نكتب النصوص الفلسفية المُوجهة للتلاميذ؟

مثلما يبين جيم كومينز، فعندما يتعلم الأطفال لغتهم الأم على أساس قوي في المرحلة الابتدائية، فَهُم في نفس الوقت يطورون مجموعة كاملة من المهارات الأساسية الأخرى، مثل التفكير النقدي ومهارات القراءة والكتابة والحساب وفهم السياق واستعياب المفاهيم، ما يتيح لهم نقل فهمهم لهيكل لغتهم الأصلية بشكل حدسي إلى عدة لغات جديدة. أما تدريس هذه المهارات المجردة مباشرة من خلال لغة ثانية، فهو أمر صعب على المعلم والطفل والآباء.

ولا ينبغي، وفق توصيات اليونسكو، إدخال اللغة الثانية في المقررات الابتدائية إلا "كموضوع للتدريس"، بمقدار ينبغي زيادته تدريجيًا، بحيث لا تصبح وسيلة إضافية للتعليم، حتى يكون التلاميذ على دراية كافية بها قراءة وكتابة وتواصلًا. بمعنى آخر: يجب على الأطفال أن يتعلموا اللغة الثانية قبل استخدامها كوسيط ثان للتعليم. وبهذه الطريقة تسمح عملية التجسير للأطفال بالحفاظ على لغتهم الأم وثقافتهم المحلية، وفي نفس الوقت، مد الجسور بسلاسة نحو العالم الأوسع.

وأثبتت برامج اللغة الأم في التعليم الأولي فعلًا فوائدها، كما بيّنت الأبحاث الميدانية، حيث يصبح التعليم مفهومًا وذو صلة مع بيئة الطفل الاجتماعية، ما يجعل الأساتذة أكثر قدرة على التواصل بحرية مع الأطفال، والآباء والأمهات ينخرطون مع أبنائهم في مناقشة الدروس في البيت، وتنخفض معدلات التسرب المدرسي والتكرار، ويتعلم الصغار المهارات بشكل أفضل، فضًلا عن أن الأطفال ذوي الأسس القوية في لغتهم الأم، يُظهرون فهمًا أعمق لأنفسهم ومكانتهم في المجتمع، إلى جانب زيادة إحساسهم بالرفاهية والثقة.

ويختصر نعوم تشومسكي ما أوردناه سابقًا، في رده على رسالة لـ"ألترا صوت"، بأن "هناك أدلية كافية على أن التعليم باللغة الأم مفيد للغاية للأطفال".

ماهي اللغة الأم عند المغاربة؟

إذا ما أردنا تحديد اللغة الأم التي ينشأ عليها المغاربة، فقد نواجه صعوبة في الأمر، إذ تختلف اللهجات التي يتشربها الأطفال في المغرب من جهة لأخرى، فهناك من ينشأ على الأمازيغية، وهناك من يتعلم دارجة الشمال، وآخرين يتلقون دارجة تافيلالت، بل البعض قد يترعرع في كنف اللغة الفرنسية.

في مثل هذه الحالات، تحث منظمة اليونسكو على العثور على لهجة مشتركة تحقق الإجماع الوطني. ولحسن الحظ، هناك "دارجة مغربية" يفهمها معظم المغاربة وليس جميعهم، قريبة من جل اللهجات المناطقية، وهي التي تستخدم بكثرة في البرامج الإذاعية والتلفزية المغربية، ويُتواصل بها عادة في أغلبية المدن.

قد يجادل البعض بأن هذه "الدارجة المغربية" ماهي إلا لغة عربية محرفة، غير أن هناك علامات يمكن اعتبارها بها لغة خاصة مختلفة عن الفصحى.

وترجع أصول الدارجة المغربية، حسب الباحث التاريخي المغربي محمد بوسلام، إلى "أربعة جذور لغوية، هي: العربية والأمازيغية والفرنسية والإسبانية. كما توجد ضمنها كلمات مستقاة من الإنجليزية والإيطالية والتركية والفارسية وغيرها، لكنها تبقى قليلة بالمقارنة مع غيرها".

إنها إذًا نتاج سيرورة تلاقحات لغوية متلاحقة عرفتها هذه اللهجة على مدار قرون، بدأت هذه السيرورة منذ احتكاك الأمازيغ بالحضارة اليونانية وإفريقيا جنوب الصحراء، مرورا بدخول الأمويين العرب للمغرب وكذا الفاطميين، وهجرات الأندلس، والاحتكاك بالعثمانيين، إلى الاحتلال الفرنسي والإسباني، وليس آخرًا بتأثيرات العولمة.

ويظهر هذا التلاقح اللغوي واضحًا عند النظر إلى الدارجة المغربية، حيث نجدها تستعير قسطًا وافرا من مفرداتها من اللغة العربية، لكنها في ذات الوقت تحتفظ بالهيكل النحوي والمبنى الصوتي (الفونولوجي) للغة الأمازيغية، وأحيانًا تترجم العبارات الدلالية الخاصة بالأمازيغية.

في كتابه "الدارجة المغربية: مجال توارد بين العربية والأمازيغية"، يشرح محمد شفيق هذا التمازج اللغوي بين الأمازيغية والعربية في الدراجة المغربية، ويسهب في تقديم أمثلة على ذلك. نكتفي بثلاثة منها فقط:

  • نقول في الدارجة المغربية: "جْبْلْ" بدل "جَبَلٌ" و "كْتْبْ" بدل "اُكتُبْ" و "مُسْمْ" بدل "مَوْسمٌ":،تفسكين أغلب الحروف وحذف الحركات والمد ونطق الكلمات باختلاس هي تركيبة صوتية نجدها في اللغة الأمازيغية.
  • نقول أيضًا: "تَاحْجّامْتْ" بدل "الحجامة" و"تَاجْزّارْتْ" بدل "الجزارة"، حيث تُنطق الحرَف في الأمازيغية على وزن "تَافْعّالْتْ، ومن هنا أُخذت هذه المفردات مبناها النحوي.
  • عند الحديث عن اثنين، نقول: "خْرْجُو" بدل "خَرَجَا" و"كَيْحْرْتُو" بدل "يَحْرُثَان"، إذ يعامل المثنى مثل الجمع في الدارجة المغربية، وهو أمر نجده في الأمازيغية حيث لا وجود للمثنى.

ورغم أن "الدارجة المغربية" هي اللغة الأم للمغاربة، إلا أنها لا تستخدم في المدارس أو في الصحافة المكتوبة أو النشرات الإخبارية أو في التعاملات الإدارية أو التجارية، فضلًا عن اللقاءات الثقافية، وإنما يتم اللجوء في هذه الأوساط إلى اللغة العربية أو الفرنسية. يرجع البعض هذا إلى "سياسة التعريب والفرنسة" التي نفّذها المغرب منذ فجر الاستقلال.

في الماضي، قبل الاستقلال، كانت اللغة العربية الفصحى لغة خاصة، بل لغة خاصة الخاصة، ولم يكن تستخدم سوى في الكتابة في حدود الدوائر الدينية والثقافية الضيقة، دون أن تستعمل للتخاطب، أما اللغة الفرنسية فلم يعرفها المغرب سوى مع عهد الاستعمار لتتبناها الطبقة البرجوازية المغربية فيما بعد.

 وبدخول الصحافة والراديو والتلفاز والمدارس إلى المجتمع المغربي، انتشرت الفصحى والفرنسية وسط المجتمع المغربي، بينما تراجع إرث الدارجة المغربية حتى باتت بالكاد صالحة للتخاطب اليومي. وهكذا أصبح المرء يتحدث في البيت والشارع بلغة، بينما يسمع لغة أخرى في المدرسة ونشرات الأخبار.

ولم يبدأ الالتفات للدارجة المغربية على المستوى الرسمي سوى في السنوات الأخيرة، وزاد هذا الاهتمام عندما ظهرت دعوات من جهات في المجتمع المدني لاستخدامها في المدارس. وتزايد السجال بين المعارضين لتوظيف الدراجة المغربية في التعليم ومؤيديها، بعد خروج بعض المقررات الدراسية الأولية المتضمنة بعض المصطلحات الدارجة.

التعليم في المغرب

 

هل تستطيع الحكومة المغربية إدماج الدارجة في التعليم؟

كما بينّا سالفًا، فإن اللغة الأم هي محدد مؤثر في نظرتنا إلى العالم (تجربة قبيلة الأمازون)، وأنها مفيدة للأطفال في التعليم الأولي، هذه الحقيقة، المثبتة بشكل جيد بالدلائل العلمية وآراء الخبراء، فرضت على العديد من الحكومات في العالم إعادة النظر والاهتمام أكثر باللغات الأم وإدماجها في التعليم.

الهند، واحدة من هذه البلدان التي بدأت تطبق برامج التعليم باللغات الأصلية. وتحتوي الهند على 300 إلى 400 لغة رئيسية تنتمي إلى خمس فروع لغوية كبرى. واستجابة لنتائج الأبحاث باتت الهند اليوم تنص في دستورها الرسمي على أنه، "يجب على الدولة وكل سلطة محلية داخل الدولة أن توفر التسهيلات الكافية لتعليم اللغة الأم في المرحلة الابتدائية".

الهند واحدة من البلدان التي بدأت بتطبيق برامج التعليم باللغات الأصلية المحلية، علمًا بأن في الهند ما بين 300 إلى 400 لغة محلية

وبالفعل بدأ المجلس القومي للبحوث والتدريب التربوي الهندي منذ سنوات بالعمل على تفصيح بعض لهجاتهم غير المكتوبة ووضع برامج تعليمية قائمة على اللغة الأم، بالتعاون مع اليونسكو والمنظمات الدولية المختصة. فهل يحذو المغرب حذو الهند ويعود إلى الاهتمام بالدارجة المغربية ويجعلها أساس التعليم الأولي؟

 

اقرأ/ي أيضًا:

اللغة العربية في الإعلام المغربي: جدلية التحديث والأصالة اللغوية

هل اللغة العربية بالمغرب في مهب الريح؟