العالم بعيون قصار القامة.. تجارب حية وشهادة ذاتية

العالم بعيون قصار القامة.. تجارب حية وشهادة ذاتية

مركز تأهيل مجتمعي في تورنتو الكندية (أريندام شيفاني/Getty)

لطالما كان الجسد الإنساني ملفتًا. ففي أي لقاء بين شخصين سرعان ما تتجه النظرات إلى تفاصيل الكائن الإنساني المقابل في معادلة التلاقي تلك وخاصة تفاصيله الجسدية بشكل عفوي وتلقائي. العين تتمرد على العقل إذ تشدها المشهديات غير المألوفة والمميزة وخاصة الأشكال الجسدية باعتبارها جزءًا أساسيًا من هوية الإنسان.

الدهشة الأولى

يبذل كثيرون جهدًا أثناء التقائهم بأشخاص آخرين من ذوي الإعاقة الجسدية كي يبعدوا جانبًا إحساسهم بالمفاجأة أو الدهشة أو الفضول أو حتى الشفقة عليهم كون أن أجسامهم مغايرة للسائد الإنساني العام وتشكل بحد ذاتها نموذجًا خاصًا بها.

تتمرد العين على العقل إذ تشدها المشهديات غير المألوفة والمميزة وخاصة الأشكال الجسدية باعتبارها جزءًا أساسيًا من هوية الإنسان

هذه النظرة الأولى، تتفلت من رقابة العقل، وهي نظرة لا يجب أن تحمل إدانة للناس طالما لا يستتبعها أحكام مسبقة ونمطية وطالما يردها العقل فيما بعد إلى كنفه وسلطته. إذ كثيرًا ما يستثير الأشخاص ذوي الاحتياجات الجسدية الخاصة من قصار القامة هذه النظرة الأولية. أذكر على سبيل المثال يوم اصطحبت ابني إلى مركز عملي، وهو مركز يقدم خدمات للأشخاص المعاقين حركيًا في لبنان، وبطبيعة الحال فإن جزءًا من الموظفين لديهم إعاقات حركية، وإحداهن، زميلتي في المكتب، من قصار القامة.

يسألني ابني آدم "كيف هم سعيدون ويضحكون وهم مرضى في نفس الوقت، ألا يجب أن يكونوا حزانى لأنهم مرضى؟!". أجيبه "وهل يجب أن يعيش الإنسان طوال حياته حزينًا باكيًا يا بابا لازم نعيش الحياة بفرح؟!".

اقرأ/ي أيضًا: أحبّوا أنفسكم أولًا.. 4 طرق للاستمتاع بالحياة بعيدًا عن جلد الذات

بعض الأطفال يفزعون، يهربون، يشيرون بأصابعهم، والأهل تنتابهم حالة من الحيرة والقلق، ويبتعدون كي يتجنبوا مواجهة الأمر أمام أطفالهم ولعدم معرفتهم كيف يواجهون الأمر وكيف يجيبون على أسئلة أطفالهم، لكن الأمر في غاية السهولة: يجب أن نكون صريحين، متعاطفين، ومشجعين للإندماج بين أطفالنا والأشخاص من ذوي الاحتياجات الخاصة بشكل عام وبإجابات بسيطة يمكن فعل ذلك.

يومها، كانت المرة الأولى التي يشاهد فيها ابني (8 سنوات) فتاة قصيرة القامة تبلغ من العمر 28 سنة وطولها 120 سنتيميتر، وكانت تلك الفتاة "غوى يزبك" زميلتي في المكتب والعمل. حينها تراجع أدم قليلًا إلى الوراء وأمسك يدي، كانا من نفس الطول، وتقدمت غوى منه ومازحته حتى ضحك. أذكر يومها الأسئلة التي استمر ابني يطرحها حول غوى. أجبته على استفساراته: "نعم إنها فتاة قصيرة، ما رأيك لو تتقدم وتلقي التحية عليها" وهكذا كسر الجليد، ويومًا بعد يوم زالت دهشته لكثرة ما أخذته معي إلى المكتب وتفاعل معها بإيجابية.

من القصص التي شاركتني إياها راوية، التي رفضت الإفصاح عن هويتها، وهي فتاة قصيرة القامة، أنها في إحدى الأيام أثناء ركوبها سيارة الأجرة مع أختها، قام السائق بإعطائها حبة بونبون والقول لأختها "طعميها للطفلة الصغيرة" علمًا أنها كانت تبلغ من العمر أكثر من 16 سنة. وفي مرة ثانية، في أول العام الدراسي، أمسكت المعلمة يدها وجذبتها إلى المكان المخصص لصف الروضات ظنًا منها أنها طفلة، لكنها كانت يومها في الصف التاسع وعمرها 15 سنة.

الند للند

تحكي غوى يزبك، وهي  عاملة اجتماعية وعاملة تأهيل في إحدى الجمعيات غير الحكومية في لبنان عن طفولتها بالقول "طفولتي كانت حلوة في المدرسة حيث كان المعلمون يرحبون بفكرة أني فتاة معوقة، وكانت نظرة المعلمات وزملائي في الصف مشجعة فعاملوني بشكل طبيعي ولم يشعروني بأي فروقات، وكذلك فعل أهلي".

اقرأ/ي أيضًا: "العيب" وأسعار الفوط الصحية في مصر.. سطوة على احتياجات المرأة

وتضيف "التأثير الكبير على حياتي تمثل في والدي الذي احتضنني من البداية حين دخلت المدرسة وكان يرفض تسليط الضوء على ابنته باعتبارها فتاة معوقة ولم يكن يسمح بتوجيه أي إساءة لي من قبل الأخرين".

تشارك غوى تجربتها ألتراصوت بالقول "أحاول قدر الإمكان التكيف مع الحياة العملية، وزملائي في العمل داعمون لي، وأحيانًا أنزعج أثناء إرتداء بعض الملابس، لكن في المجمل علاقتي بجسدي جميلة وأنا متوافقة مع جسمي وطبيعته". وتذكر بأنها فتاة مستقلة وتعتمد على نفسها وتحاول دائمًا إيجاد الحلول، ولكنها أحيانًا تستعين بالكراسي لتصل إلى الأماكن المرتفعة، أو تستعين بالأخرين إذا وجدت حاجة للمساعدة. فالجميع بحاجة إلى أدوات وأشخاص للمساعدة.

قصر القامة أتى نتيجة خطأ طبي ناتج عن تحديد فئة الدم لوالدة غوى بشكل خاطئ. وتشير "علاقاتي الاجتماعية جيدة جدًا ولا أترك مجال للآخرين للنظر لي بعين الشفقة أو بنظرة دونية لأني أعتبر نفسي فتاة مميزة وأحب أن أتعامل مع الأخرين وفق مبدأ الند للند".

تحب الحياة وتعيشها كما تريد، هكذا تعبر، وبرأيها من يعرف أن يعيش حياته كما يريد عندها سيحب حياته وسيحب كل ما هو حوله في الحياة. وفيما خص المسائل العاطفية والزوجية تقول "قصار القامة لديهم حياة عاطفية وزوجية ويمكن لهم إنجاب الأطفال وليس بالضرورة أن يكون أطفالهم قصار القامة. و"ليس هناك إنسان خالي من المشاعر لكني قررت أن أعيش حياتي في الوقت الراهن كما أريد لذا أنحي فكرة الارتباط، وربما لأني لا أود تحمل مسؤولية كبيرة كالالتزام وإنشاء أسرة في الوقت الراهن".

لدى غوى طموحات عديدة كأن تكون مثالًا يحتذى به وقدوة للأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة، خاصة قصار القامة، وأن تنشر طاقة إيجابية وأمل بالحياة عند الأخرين. أما ما يشعرها بالإحباط فهي الظروف الحالية التي يمر بها لبنان على صعيد الأوضاع الاقتصادية المتردية وخطر فيروس كورونا وغيره لأن ذلك يؤثر على الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة بشكل سلبي كبير. ومن خلال عملها استطاعت تقديم الدعم والخدمات للعديد من الأشخاص المعوقين، وتشير "سعيت دومًا لمناصرة قضيتنا على الصعيد الحقوقي وفي الممارسة على أرض الواقع أيضًا".

لا للانكسار

ناديا غياث، سورية الجنسية، 24 سنة، لا تعمل، وقد أنهت تعليمًا ابتدائيًا فقط. شاركت ألتراصوت تجاربها المريرة في المجتمع في ظل الضغط الهائل الذي كانت تتعرض له على الدوام. وتحكي ناديا عن موقف تعرضت له أثناء بحثها عن عمل في لبنان وسؤالها صاحب أحد المحلات التجارية حول إمكانية إيجاد فرصة فجوبهت بالجواب التالي: "روحي لعند الماما تعطيكي لهاية، إنتي قصيرة ما فيكي تطالي وتوصلي للبضاعة من الرف".

تحكي ناديا كيف أنها طلبت الحصول على تلفون وسخر منها البعض بسبب قصرها وقصر أصابع يديها، ولكنها أصرت على اقتناء تلفون/هاتف نقال. تحمل ناديا تلفونها لتغيظ من سخر منها ولتثبت بأنها ليست غبية كما يدعون وكما يتصورها البعض في المجتمع، وتشير بأنها يجب أن تحظى بمعاملة متساوية شأنها شأن كل الفتيات الأخريات.

في كثير من الأحيان تكون الصعوبة الحقيقية هي الواقع الاجتماعي والتنمر أكثر من الإعاقة الحركية نفسها

صارت تضع المانيكير على أظافرها وكانت تحتفظ دومًا بقلم أحمر الشفاه ولا توافق على التقاط الصور إلا والقلم في يدها كمواجهة للسخرية الدائمة منها والضحك الدائم عليها من وضعها لمساحيق التجميل.

تحدثت عن أحد أقربائها وقالت: "كان يلقبني بـ(السيدة ملعقة) نسبة لإحدى الشخصيات الكرتونية التي تقلص حجمها وطولها، ويسخر مني الجميع لأنني قصيرة القامة ولدي وزن زائد، ولأنني لم أكن أستطيع أتناول الأغراض من الخزائن، لكن لم أكترث لهذا اللقب، وأضحك كلما سمعت أحد يناديني به، ولا حل للمواجهة سوى بالضحك والقوة".

اقرأ/ي أيضًا: ما مصير العمالة الأجنبية في لبنان في ظل كارثته الاقتصادية؟

في إحدى المرات كسرت المكنسة التي كانت تستخدمها والدتها لتنظيف المنزل، فبدأ البعض يردد "يمكن لناديا أن تستخدم المكنسة الأن لأنها صارت من طولها". وحين أمسكت العصا بيدها صارت تغني بقلب حزين "وين انكسرتي يا هالعصا، وتركتي بالقلب غصة، وما حدا عارف شو القصة".

وتقول "عندما جاء الوقت كي أحب ووقعت في الحب، بدأ بعض أقربائي يقولون لي "إكسبيه، هيدي فرصتك للزواج". ولكنها كانت ترد عليهم بالقول "عأساس أنا مقطوعة من شجرة وما حدا بيتطلع فيي وناقصة!". وختمت حديثها "أنا قوية وما بقى في شي بخوفني".

قوة الشخصية

يوسف فرج، من لبنان مواليد 1982، ويعمل في تصميم فساتين السهرة والأعراس والخياطة ولديه حس فني من رسم وأشغال يدوية، وأما سبب إعاقته فيعود إلى خطأ طبي أثناء الولادة حسب ما يروي لموقع ألتراصوت. أكمل يوسف دراسته في جامعة الكفاءات في بيروت في اختصاص تصميم الأزياء وخاض أثناء دراسته تجربة العيش منفردًا بعيدًا عن أهله.

ويضيف "كانت طفولتي صعبة تخللها الكثير من العذاب فمعظم الوقت كنت أقضيه في السرير بسبب التهاب العظام والكسور الحاصلة في قدماي حيث توقفتا عن النمو. ومع هذا كله كنت مسجل في المدرسة لكن قليلة هي السنوات التي داومت فيها على مقاعد الدراسة بشكل كامل، وحين كنت أبقى في البيت بسبب الإصابة تحضر لي والدتي الأجندة وأدرس في المنزل حتى عمر 18 سنة. وحتى حين كبرت كنت أتعرض للكسور العظمية مما يجبر والدي وأخي على حملي إلى المدرسة ثم إرجاعي إلى البيت بعد انتهاء الدوام الدراسي".

يحكي يوسف كيف أنه كان محبوبًا من زملائه في الصف إذ كانوا يجلسون معه أثناء الفرصة للترفيه عنه بسبب عدم قدرته على الخروج، وكذلك المعلمات كانت معاملتهم جيدة جدًا له، وأما أهله فكانوا داعمين جدًا من النواحي المعنوية والمادية والعاطفية والنفسية فلولاهم لما كان يستطيع إكمال دراسته.

ويشير إلى نقطة أثرت في شخصيته "انعكس كل العذاب الذي تحملته في الطفولة على شخصيتي حيث بت أملك شخصية قوية وثقة بالنفس كبيرة، ويتفاجئ الناس من قوتي وقدراتي الكامنة داخلي مما سمح بمعاملتي كسائر الأشخاص دون النظر إلى أي مكامن للنقص عندي سواء كانت طول القامة أم قصر القامة أم أي إعاقة أخرى".

شعار يوسف في الحياة "لا أحكي سياسة ولا أسأل عن دين الأخرين" وعلاقته مع الجميع يبنيها وفق المساواة. ويقول كذلك "في بعض الأوقات حين أصادف أناس جدد، لأول وهلة يأخذون نظرة الشفقة والضعف ولكن على الفور بعد الاحتكاك يغيرون النظرة ويصبحون من المحبين والداعمين". انتمى يوسف إلى جوقة في الكنيسة وكان يقوم بجولات موسيقية ثم وصل إلى منصب مسؤول عن رعاية قرابة 100 طفل حيث كانت مهمته تجهيز اجتماعات ولقاءات وندوات وألعاب ومهرجانات مما أعطاه قوة لإثبات نفسه في المجتمع.

كما لا يجد يوسف مشكلة في الحياة العاطفية والزوجية بالرغم من صعوبتها، فالزواج والانجاب والحب حق لكل شخص ويجعلان الحياة أجمل برأيه. ويرى "ليس فقط من خلال الجمال يمكن جذب الجنس الأخر بل من خلال الفكر والشخصية القوية وتأثير الإنسان في المجتمع". وبالنسبة له "الحياة ليست في المنظر والشكل فقط بل أهميتها تكمن في المضمون".

محبة الناس

منار الشحيمي، لبنانية، 38 سنة، ممثلة مسرحية ومهرجة أطفال، عملت مع فرقة مسرحية ولعبت العديد من الأدوار وقدمت العديد من العروض المسرحية الجوالة على مسارح المدارس مع فرقة مسرحية مختصة، كما حصدت جائزة في الألعاب الأولمبية التي شاركت بها في الصين.

تشارك منار تجربتها مع ألتراصوت بالقول "كانت هناك صعوبات في التعامل مع الأصدقاء والأطفال في عمر الطفولة وكنت أتعرض للتنمر بشكل كبير، وكانت ردة فعلي مباشرة تجاه الشخص المتنمر، ولكن مع الوقت تحول ذلك إلى محبة كبيرة بعد التقرب من الناس والتفاعل معهم".

وأضافت "أما فيما يتعلق بمشاعري فلم أشعر مثل أي شخص لديه قصر قامة وذلك بسبب دعم أهلي والدعم الكبير من قبل أساتذتي، وأما في ما يتعلق بالعلاقات الاجتماعية فقد زاد انخراطي في المجتمع أكثر بسبب محبة الناس لي".

تصف نفسها بأنها فتاة متفاءلة وفرحة دومًا، لكن ظروف البلد في لبنان صارت سيئة تجاه الأشخاص المعوقين لذلك فإني أفكر بالسفر إلى الخارج حسب قولها. وترى أن "الخطأ الوحيد هو خروجي من المدرسة بعمر صغير بسبب انخراطي في العمل المسرحي.

أما حول الزواج والعلاقات العاطفية والإنجاب فتشير منار إلى أن "تلك الأفكار والرغبات موجودة ولكني لا أتقبلها في حياتي الشخصية" وتضيف "أطمح لتحقيق النجاحات في حياتي العملية".

هكذا إذًا يمكن رسم صورة أكثر من أولية لجانب من التحديات، والمواقف في الرد عليها، التي ترافق حياة من قدم إلى الحياة بقامة قصيرة نسبة إلى المعدل العام الشائع في عالم اليوم. لكن هل تفرق أبعاد الجسم في شيء، أم أنها مجرد تفاصيل إضافية للعناصر التي تغذي عنصرية الإنسان تجاه الإنسان؟.

 

اقرأ/ي أيضًا:

بحثوا عنه طوال 32 عامًا.. عائلة صينية تعثر على ابنها بعد عملية خطف مروّعة

ما حقيقة الأسواق "الرطبة" وهل هي مصدر فيروس كورونا الجديد؟