العالم الأزرق.. الحياة داخل مصباح علاء الدين

العالم الأزرق.. الحياة داخل مصباح علاء الدين

(Getty)

تحوّلت صفحات الافتراضي في المدّة الأخيرة إلى حياة موازية أو حياة بديلة نستطيع أن نخرجها من الجيب كما كان يخرج علاء الدين مصباحه السحري من جيبه ويفركه ليحقق في لحظات قصيرة رغباته وأمنياته، إنّها حياة الجيب التي نهرب إليها أو نمارسها لنهرب من ضغوطات الحياة اليومية، بمجرّد أن نضغط على زرّ الهاتف أو الحاسوب ننتقل تلقائيًا إلى حياة أخرى ننتقل في العالم بسهولة وسلاسة لا يمكن تحقيقها على أرض الواقع حقًا.

تبدو صفحات التواصل الاجتماعي أسهل طريقة لنقول "نـحن هنا " نعلن وجودنا، نحبّ ونعشق ونكشف للآخر كم نحن مرغوبون حتى وإن كان الواقع غير ذلك

اقرأ/ي أيضًأ: التونسيات..لا جدران مع المجال العام

ويحدث أحيانا أن ننصهر في العالم الأزرق وننسى أننّا هنا كما نحن هناك. لتعوّض هذه الحقيقة حقيقة أخرى: نحن هنا أكثر من هناك، بل يفوتنا أن نعيش حياتنا الحقيقية كما نرغب ونشتهي حقا، لنطرح هذا السؤال التالي ونحاول الإجابة عنه فيما بعد:

هل يحتاج المشهد اليومي والذي نعيشه مرارا وتكرارا في هذا الفضاء الافتراضي إعادة بناء حتى نستعيد إنسانيتنا وحريتنا من هذه العلبة المعدنية؟

بين كلّ حين وحين يهرع الواحد منّا إلى صفحته الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي يكتب لهذا ويجامل ذاك، يغازل ويناقش، يرفع معنويات تلك ويخاصم أحدهم وتنتهي المعركة ببلوك، طلقة مسدس كافية أن تنهي حياة خصم على أرض الواقع وزرّ البلوك كاف أن ينهيك من حياة أحدهم هنا على صفحات التواصل الاجتماعي.

نختار أحيانا أن نحقق كينونتنا المسحوقة خارج هذا الفضاء، نبحث عن عاطفتنا المهدورة أو المقموعة خارج هذه العلبة المعدنية، نحبّ على طريقتنا هنا، ونعشق أحيانًا ونتواصل بالأغاني والقصائد وصور الورد والكلمات الخالدة لشعراء وكتاب، طرق سرّية رغم علنيتها نجهر بما نحسّ به سرّا دون أن ننال الأذى أو انتقاد أحد وهي طرق قادرة أن توصلنا إلى الحبيب الذي لا نعرفه سوى في صور ربما تخفي الكثير من حقيقته أو ربّما صور مزيفة ولكنّها طرق تعوّض ارتباكنا على أرض الواقع وهشاشة أعماقنا ونحن نرفض من حبيب واقعي من لحم ودم، نمارس حياتنا الموازية هنا وكأنّها تكملة لحياتنا الحقيقية أو أنّها تصبح حقيقة أكثر من التي نعيشها على أرض الواقع.

اقرأ/ي أيضًا: زمن النكبات

أكاد أجزم أنّ الكثير منكم وأنا مثلكم أيضًا قد أحسّ بمشاعر جارفة تجاه صديق افتراضي تقرب منه وتودد إليه حاول أن يكون حبيبه الذي يشاركه الحبّ والاختيارات الموسيقية والحياة التي يحلم بها، وحينما لم ينجح الأمر انتهى بزرّ البلوك وكأننا نرميه خارج حياتنا أو نقتله افتراضيًا.

علاقات عاطفية سهلة تنشئها كيفما أحببت وتنهيها كما شئت لا تكلّف الكثير من الجهد سوى البقاء طويلا وراء شاشة الحاسوب، والقلب قادر على النبض هنا في هذا الافتراضي وعاجز ربّما على النبض خارجه طالما أنّ زرّ الإضافة قادر على جلب آخرين يعوّضون غياب الحبيب.

تبدو صفحات التواصل الاجتماعي أسهل طريقة لنقول "نـحن هنا" نعلن وجودنا وقوتنا، نحبّ ونعشق ونكشف للآخر كم نحن مرغوبون ومحبوبون حتى وإن كان الواقع غير ذلك، إنّها حقيقة غير الحقيقة نبنيها هنا مع الآخرين الذين بالكاد نعرفهم وكأنّها محاولة لإعادة بناء الذات حتى وإن كانت ضمن مجال الوهم.

لو سألتك عزيزي كيف تعرّف الحبّ ماذا ستجيب؟.. سأجيبك أنا الحبّ هو أن نكون أنا وأنت واحد أحد ننصهر سوّيا في روح واحدة ونمضي في طريق مشتركة، تعريف لا يستجيب لإملاءات الافتراضي فهل نحن نحبّ هنا أو أنّ الحبّ هناك حقيقة وما نحسّه هنا وهم يستجيب لرغبتنا ويشبع نرجسيتنا؟

لقد تحوّلت صفحات التواصل الاجتماعي إلى ما يشبه حياة بديلة عن ما نعيشها حقًا، حياة يمكن أن يتحول فيها الصعلوك إلى محترم والتافه إلى شاعر أو كاتب، كلّ يبحث عن ما ينقصه هنا، كالعاهرة التي تحاول أن تشتري الاحترام بالتوبة، التوبة تستوجب التغيير الكليّ والافتراضي، تستوجب أن تغيّر من سلوكك وقتيًا في حدود المجال الرقمي وتعيش حياتك خارجه كما تريد، فأنت لست مراقب ولكن قبل أن تبحث عن ما يريده الآخر منك أو كيف تتمنى أن يراك الآخر هل سألت نفسك كيف تريد أن ترى نفسك هنا وهناك أو حاولت أن تستعيد إنسانيتك من وهم الافتراضي الذي استعبدك وقنن شروط كينونتك؟

اقرأ/ي أيضًا: 

صناع النكبة الفلسطينيون

أركيولوجيا النكبة