العالم أصبح كازينو: الحروب والسياسة في مهبّ منصات التوقع
11 يوليو 2026
وُجّهت اتهامات إلى جندي في الجيش الأميركي يُدعى فان دايك، بعدما قيل إنه استغل معرفته المسبقة بخطة أميركية لاعتقال الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو، للمراهنة على العملية عبر موقع "بوليماركت"، محققًا أرباحًا تجاوزت 400 ألف دولار. وكان دايك قد راهن بتاريخ 26 كانون الأول/ديسمبر 2025، أي قبل ستة أيام من تنفيذ عملية الاعتقال في 3 كانون الثاني/يناير 2026. ووفقًا لما نشرته "هيئة الإذاعة البريطانية"، فإن دايك كان منخرطًا بشكل ما في العملية، ما دفعه لوضع رهانه على منصة "بوليماركت" بقيمة 33 ألف دولار أميركي.
وحين سُئل الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن القضية، قال: "العالم أصبح كازينو"، مشيرًا إلى رفضه لمثل هذه المراهنات. لكن تصريحه يعكس في الوقت نفسه واقعًا أوسع، حيث بات كل شيء قابلًا للمراهنة والتسليع، بما في ذلك الحروب والسياسة والكوارث الطبيعية والقرارات الحكومية وحتى حالة الطقس، إذ تتحول جميعها إلى منتجات مالية يربح البعض من وقوعها ويخسر آخرون من عدم وقوعها.
في السياق نفسه، أفادت تقارير أن عدة مستخدمين مجهولي الهوية حققوا أرباحًا إجمالية بلغت 2.4 مليون دولار، من خلال توقعات بدت شديدة الدقة لتطورات الحرب مع إيران، ما أثار قلقًا داخل الكونغرس الأميركي بشأن احتمال وجود تداول قائم على معلومات داخلية.
وفي قضية أخرى، وبحسب ما أعلنته السلطات الإسرائيلية، تم اعتقال عدة أشخاص بتهم تتعلق باستخدام معلومات عسكرية سرية للمراهنة على أحداث عسكرية عبر منصة "بوليماركت". وتقول لائحة الاتهام إن جندي احتياط حصل، بحكم موقعه، على معلومات غير معلنة حول عمليات عسكرية مستقبلية، ثم نقلها إلى شريك مدني استخدمها لوضع رهانات قبل تنفيذ تلك العمليات.
تكاد القصص لا تنتهي، وجميعها تكشف كيف تحوّلت الحروب والسياسة إلى سلع للمضاربة؛ إذ يراهن آلاف الأشخاص على النزاعات، مثل الحرب في أوكرانيا، لتحقيق أرباح مالية
وتشير تقارير صحفية إلى أن إحدى هذه الرهانات كانت مرتبطة بتوقيت الضربة الإسرائيلية على إيران في حزيران/يونيو 2025، وأن الأرباح تجاوزت 150 ألف دولار. كما يُشتبه في استمرار استخدام الآلية نفسها في رهانات لاحقة مرتبطة باليمن وغيرها من الساحات المشتعلة بفعل الحروب.
واعتبرت السلطات الإسرائيلية أن هذه القضية تمثل خطرًا أمنيًا حقيقيًا، لأنها تحول المعلومات العسكرية السرية إلى وسيلة لتحقيق أرباح مالية.
في حادثة أخرى، كشف تحقيق صحفي أن مراسلًا إسرائيليًا تعرّض لحملة ضغط وتهديد بعد نشره خبرًا عن سقوط صاروخ إيراني قرب بيت شيمش. إذ كانت هناك منصة مراهنة مفتوحة حول ما إذا كانت إيران قد أصابت إسرائيل في تاريخ محدد، وكانت ملايين الدولارات مرتبطة بنتيجة هذا السؤال.
وبعد نشر الخبر، بدأ مستخدمون بالتواصل مع الصحافي عبر البريد الإلكتروني والهاتف ووسائل التواصل الاجتماعي، مطالبين إياه بتعديل صياغة الخبر بما يغيّر نتيجة الرهان، بحسب موقع "بيزنس إنسايدر".
وبحسب التقارير، بدأت الرسائل بشكل ودي، ثم تطورت إلى عروض مالية، قبل أن تتحول إلى تهديدات مباشرة بالقتل إذا لم يغيّر روايته. وأحد الأشخاص ادعى أنه يملك رهانًا بقيمة 900 ألف دولار، وعرض على الصحافي جزءًا من الأرباح مقابل تعديل الخبر.
لكن الصحافي رفض تغيير تقريره، مؤكدًا أنه استند إلى مصادر عسكرية وأدلة مصورة، وأبلغ الشرطة بالتهديدات. كما أعلنت المنصة أنها أدانت هذه التصرفات وحظرت الحسابات المتورطة، بحسب صحيفة "واشنطن بوست".
تكاد القصص لا تنتهي، وتشير جميعها إلى كيفية تحويل الحروب والسياسة، بما فيها من موت ودمار ومعاناة، إلى سلع مالية قابلة للمضاربة. فقد كشف تحقيق لصحيفة "الغارديان" البريطانية أن آلاف الأشخاص يضعون استراتيجيات لكسب المال من النزاعات عبر المراهنة على جبهات الحرب في أوكرانيا، وتنفيذ رهانات تحكيمية على أحداث جيوسياسية.
أما منصتا "بوليماركت" و"كالشيه"، فقد اكتسبتا شهرة واسعة بسبب الرهانات المرتبطة بالنزاع في الشرق الأوسط، بما في ذلك توقيت الضربات الأميركية والإسرائيلية ضد إيران، واحتمالات التوصل إلى وقف إطلاق نار بين الولايات المتحدة وإيران. ويُعتقد أن بعض هذه الرهانات قد يعكس تداولًا قائمًا على معلومات داخلية، ما دفع وزارة العدل الأميركية إلى فتح تحقيقات بشأن تسريب معلومات أمنية حساسة.
وتجدر الإشارة إلى أن القيمة السوقية لهذه المنصات وصلت إلى مليارات الدولارات. وهي لا تقتصر على رهانات الصراعات فقط، بل تمتد لتشمل توقعات أخرى، مثل احتمال عودة المسيح، وتاريخ مغادرة رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر لمنصبه (وقد استقال فعلًا أثناء كتابة هذه المادة)، ونتائج الانتخابات حول العالم، وحتى تقديرات لأعداد المهاجرين الذين سيتم ترحيلهم من الولايات المتحدة الأميركية.
هل تُنتج التوقعات معرفة أدق من استطلاعات الرأي؟
بعد الانتخابات الرئاسية الأميركية عام 2024 ونجاح دونالد ترامب، كانت أسواق التوقعات على منصة "بوليماركت" تسعّر فوزه عند نحو 55–62% خلال الأسبوع الأخير. في المقابل، أظهرت متوسطات استطلاعات الرأي الصادرة عن كبرى الشركات في الولايات المتحدة أن السباق كان شبه متعادل بين ترامب وهاريس، مع أفضلية طفيفة لهاريس في عدد من تلك الاستطلاعات.
لكن النتيجة جاءت لصالح أسواق التوقعات، بينما أخطأت معظم استطلاعات الرأي. هذه النتيجة تفتح بابًا للنقاش حول حدود كل من استطلاعات الرأي وأسواق التوقعات في قراءة المزاج السياسي، ومدى قدرة تحويل السياسة والإعلام إلى أسواق مالية قابلة للمضاربة.
ومع تضخم حجم الأموال المتداولة في هذه الأسواق، باتت تملك تأثيرًا متزايدًا على سلوك المتداولين، وعلى طريقة تداول الأخبار والتفاعل معها سياسيًا وإعلاميًا.
منصات التوقعات تصنع الحدث
تُعد أسواق التوقعات وسيلة أكثر دقة للتنبؤ بالأحداث، لأنها تمنح المشاركين حافزًا ماليًا لتقديم توقعات أدق، على عكس استطلاعات الرأي التقليدية، إذ يمتلك كل مشارك في هذه الأسواق مصلحة مالية مباشرة في دقة توقعاته.
وتختلف منصات التوقعات عن استطلاعات الرأي في عدد من الأسس الجوهرية؛ فالمراهنة عادة تُنظَّم ضمن قوانين القمار، لكن هذه المنصات لا تزال حتى الآن غير مُصنَّفة كمنصات قمار، وبالتالي لا تسري عليها تلك القوانين. كما تتميّز هذه المنصات بعدة مزايا، منها:
تتميّز هذه المنصات بثلاثة أمور أساسية: فهي تُحدّث أسعارها بسرعة كبيرة مع أي خبر جديد، ما يجعل التوقعات تتغير خلال ثوانٍ بدل أيام كما في استطلاعات الرأي. كما أنها تجمع معلومات من متداولين لديهم دافع مالي للبحث والتحليل، وليس مجرد الإجابة على أسئلة. والأهم أنها تُصحّح نفسها تلقائيًا، لأن من يعتقد أن السعر خاطئ يمكنه أن يراهن ضده ويحقق ربحًا إذا كان على حق.
فمنصّات مثل "بوليماركت" و"كالشيه" لا تعمل كاستطلاعات رأي تقليدية، بل كسوق مفتوح يُحوّل التوقعات إلى أسعار مالية. كل احتمال سياسي يصبح "قيمة" قابلة للارتفاع أو الانخفاض بحسب تقدير السوق، ما يجعل المشاركين لا يعبّرون فقط عن آرائهم، بل يراهنون عليها، وهو ما يضيف عنصرًا ماليًا يفرض قدرًا أكبر من الجدية في التقدير.
كما أن امتلاك المعلومة أو التقدير المختلف يتيح التأثير في الأسعار، ما يجعل هذه الأسواق قادرة أحيانًا على التقاط إشارات مبكرة من الكواليس السياسية قبل أن تظهر في الإعلام أو استطلاعات الرأي. ولهذا السبب تحديدًا، ينظر إليها بعض الصحافيين والمحللين كأداة لرصد المزاج السياسي العميق، لا الظاهر فقط، وهو ما يمنحها أهميتها المتزايدة في متابعة التحولات السياسية.
وبهذا المعنى، تصبح أسواق التوقعات مساحة يتقدم فيها المال على التحليل، وتتحول فيها الأحداث السياسية إلى احتمالات قابلة للتسعير. يضاف إلى كل ذلك أن هذه المنصات لا تكتفي بقراءة الواقع، بل قد تُسهم أيضًا في تشكيله، حين يتحرك المال في اتجاه معين ويؤثر في سلوك المتداولين الآخرين، ما يجعلها جزءًا من صناعة الحدث لا مجرد مرآة له.