الطنطورية باكية في ذكرى ميلاد السيدة

الطنطورية باكية في ذكرى ميلاد السيدة

رضوى عاشور

كثيرون من رحلوا عنا، لكنْ قليلون من ظلوا في ذاكرتنا لا يراودهم شبح النسيان، وعندما ترتبط ذاكرتك بمن تحب يكون صعبًا عليها أن تنسى، كأنهم صاروا جزءًا من الذاكرة ذاتها، لا ينفك طيفهم يراودك من حين لآخر، يفرض نفسه عليك فرضًا لأن الذاكرة صارت تألفهم وصاروا هم يألفونها.

رضوى عاشور من الذين يصعب عليك نسيانهم لا سيما لأنها ارتبطت بلحظات جميلة عشناها في ثنايا كتبها،

رضوى عاشور من الذين يصعب عليك نسيانهم لا سيما لأنها ارتبطت بلحظات جميلة عشناها في ثنايا كتبها، كأن هذا الجمال الذي ارتسم على صفحات كتبها، قد استمد نقاءه من الجمال البادي على صفحة وجهها، خاصة إذا كان وجهًا لا تفارقه البسمة أبدًا، فصارت مصدرًا للبشر والسعادة لمن حولها، كما كانت مصدرًا للجمال لأبطال رواياتها، كأنّها اتخذت مقولة مريد البرغوثي، زوجها، قاعدة أساسية في حياتها عندما كان يقول لها دائمًا "عودي يا ضحكاتها عودي". 

اقرأ/ي أيضًا: "اختطاف البابا".. الرفض بأمر صنع الله إبراهيم

تقدم رضوى نفسها قائلة: "أستاذة في التنكر أم شخصية مركبة كباقي الخلق تجتمع فيها النقائص والأضداد!! قضت أربعة عقود من عمرها تدرس في الجامعة، صار بعض من درست لهم أساتذة لهم تلاميذ، عندما تراها لن تنتبه إلى أن هذه المرأة قد تعدى سنها الستين، لأنك لو طرقت على بابها ستفتح لك سيدة صغيرة الجسم بملابس بسيطة جدًا، شعرها قصير يكاد أبيضه أن يغلبَ على أسوده، ليس لهذه الأسباب فحسب، بل لأن هذه المرأة، ما إن تجد الشارعَ خاليًا، حتى تركل الحجرَ تلو الحجر برجلها، كطفل لم يتجاوز العاشرة من عمره منعته أعباء الحياة وتبعاتها أن يمارس طفولته بالشكل الأمثل، فصار يستغل أي فرصة كي يخرج ما في نفسه من رغبات كامنة، فتأخذه اللعبة فلا ينتبه إلا حين يحدق فيه أحد المارة باندهاش".

من سماء "غرناطة" العامرة بعد أن أنهت رحلتها مع أبي جعفر في تجليد كتبه بخيوط الذهب، تنطلق بك إلى أسوار "الطنطورية" كي تأخذ بيدك إلى بحرها وهي تقول لك "ضع قلبك هنا، كي تعود إلى هنا"، ثم تعرج وتحكي لك رحلتها عبر "تقارير السيدة راء"، أو تروي لك عن تاريخ المناضلين عبر رواية "سراج".

فتاة في حضرة النيل

ولدت في القاهرة في 26 أيار/مايوعام 1946 لأبوين مصريين، الأب كان يعمل بالمحاماة والأم كانت نجلة لطبيب مشهور، وبعد عام انتقلت الأسرة من مسكنها القديم إلى شقة جديدة، لتتعلم فيها هذه الطفلة الصغيرة المشي، ثم تتحول من طفلة تحبو إلى تلميذة في الحضانة ثم تلميذة في المرحلة الابتدائية تحمل كل يوم حقيبتها التي تحوي كتبها وأقلامها وتنتظر سيارة المدرسة.

التحقت رضوى عاشور بمدرسة فرنسية، لكنها لم تستطع أن تتحمل نظامها حين وجدت أن مدرسيها يحاولون مسخ تاريخنا

وكان النيل حاضرًا معها بقوة إذ إنه كانت غرفتها تطل على صفحته الناصعة، فكانت تقف فيه تراقب المراكب السابحة، وتراقب منظر الشمس عند الغروب وهي تغوص في مياهه فولد فيها حبًا للطبيعة كان له أثر جيد فيما بعد على كتاباتها ووصفها للطبيعة.

اقرأ/ي أيضًا: رشيد ولد المومن.. سيلفي اللحظة الجزائرية

التحقت بمدرسة فرنسية لكنها لم تستطع أن تتحمل نظامها خصوصًا أنها وجدت أن مدرسيها يحاولون مسخ تاريخنا، فطلبت من والدها أن يلحقها بمدرسة عربية، ومن هنا بدأ حبها للغة العربية ينمو يومًا بعد يوم، فبدأت تلتفت لقراءة الأدب فقرأت لنجيب محفوظ وعبد الرحمن الشرقاوي وتوفيق الحكيم وديكنز والأختين برونتي، وأخذت تناقش والدها في أمور السياسة وتختلف معه في كثير من الأحيان. ثم التحقت بكلية الآداب في جامعة القاهرة، قسم اللغة الإنجليزية، ثم حصلت على الماجستير في الأدب المقارن، وانتقلت بعد ذلك إلى الولايات المتحدة الأمريكية حيث نالت شهادة الدكتوراه من جامعة ماساتشوستس بأطروحة حول الأدب الأفريقي الأمريكي.

تزوجت من الشاعر والكاتب الفلسطيني مريد البرغوثي، وأنجبا ابنهما الشاعر والكاتب تميم البرغوثي، وبهذا قامت أركان أسرتها على حب وألفة وفكر.

بين أسوار الجامعة وصالونات الأدب 

بالإضافة إلى كونها أستاذًا ورئيسًا لقسم اللغة الإنجليزية بكلية الآداب جامعة عين شمس، ومشرفًا على رسائل الماجستير والدكتوراه، إلا أنها كانت عضوًا فاعلًا في العديد من المؤسسات مثل:
- لجنة الدفاع عن الثقافة القومية 
- اللجنة الوطنية لمقاومة الصهيونية في الجامعات المصرية 
- مجموعة 9 مارس لاستقلال الجامعات 
- لجنة التفرغ بالمجلس الأعلى للثقافة

أعمالها 

لم يقتصر عطاء رضوى عاشور للمكتبة العربية على الكتب المترجمة فقط، بل أضافت إليها العديد من الكتب أحدثت نقلة كبيرة للأدب في الفترة الأخيرة، خصوصًا أن تلك الروايات ارتبطت بمشاكل الأمة العربية، فعالجتها معالجة مزجت فيها بين روعة الإبداع ودقة التصوير.

الطنطورية
 
الرواية تحدثت عن القضية الفلسطينية بشكل وأسلوب جديد، فصورت المأساة الفلسطيينة عن طريق عائلة كانت تعيش في قرية الطنطورة الواقعة على الساحل الفلسطيني جنوب حيفا، وتتعرض هذه القرية لمذبحة من قبل العصابات الصهيونية، ثم تتابع حياة عائلة تعرضت للتهجير ما يقرب من نصف قرن مرورًا بما حدث في صبرا وشاتيلا في لبنان.

ثلاثية غرناطة

وهي رواية تتكون من ثلاثة أجزاء: غرناطة، مريمة، الرحيل. تدور الأحداث في مملكة غرناطة بعد سقوط جميع الممالك الإسلامية في الأندلس، وتبدأ أحداث الثلاثية في عام 1491، وهو العام الذي سقطت فيه غرناطة بإعلان المعاهدة التي تنازل بمقتضاها أبو عبد الله محمد الصغير، آخر ملوك غرناطة، عن ملكه لملكي قشتالة وأراجون، وتنتهي بمخالفة آخر أبطالها الأحياء لقرار ترحيل المسلمين، حينما يكتشف أن الموت في الرحيل عن الأندلس وليس في البقاء.

تقارير السيدة راء، أثقل من رضوى، الرحلة: كتب تناولت فيها سيرتها الذاتية. بالإضافة إلى: سراج، فرج، أطياف، رأيت النخيل، حجر دافئ، الصرخة، الطريق إلى الخيمة الأخرى، الصرخة. كل هذه الأعمال خلدت اسم رضوى عاشور وحفرت لها على جدران التاريخ اسمًا لامعًا، وأتاحت لها روحًا تطوف بين أروقة الأدب، وأزقة التأليف والترجمة، وطائرًا يحلق بجناحيه في أي مكان فيجد له أرضًا ثابتة يقف عليها، ويجد جمهورًا يلقاه بصدر رحب، كذلك كانت كتابات رضوى عاشور.

عاشقان فرَّق القدر بينهما 

فرقت زيارة السادات للكنيست الإسرائيلي بينها وبين مريد زوجها، وقد قال عنها مريد في حوار له "زيارة السادات إلى الكنيست كانت السبب في تشريدي وجعلي بلا أسرة أو إخوة"، وتميم كان لا يزال ذا أشهر خمسة. وقالت عن هذه الفترة: "حدث ذلك في تشرين الثاني/نوفمبر 1979 عندما أبعد مريد البرغوثي عن مصر، فتشتتت أسرتنا سنوات طوال كنت خلالها أزور زوجي، بين حين وآخر، وقد حدث ذلك بعد الزيارة التي قام بها أنور السادات للكنيست الإسرائيلي، ليبدأ (السلم) الذي ليس له علاقة بالسلام، وبقينا فترة طويلة، يقيم كل منا في مكان، لأنه لم يكن يسمح لزوجي بالإقامة في مصر".

اقرأ/ي أيضًا: واسيني الأعرج.. ملهاة الجوع والغربة

الغربة تعني الكثير للعاشقين والتي لخصتها عبارة لمريد كتبها لزوجته أثناء سفرها لأمريكا "حين عدتُ للبيت، شعرتُ بالوحشة، وازداد الوطن وحشة". مأساة التهجير يعيشها مريد وتجعله يذهب إلى عدة دول، لكن العاشقين يتمكنان من اختطاف اللقاءات في مصر يعود بعدها مريد لمصر ويبدأ مرض رضوى.

كانت ترى أن علاقتها بمريد علاقة من نوع خاص كللها الحب على مدار 40 عامًا قالت عنها: "هي علاقة جميلة وصعبة، جميلة كوني زوجة الأديب مريد البرغوثي، وهذا يشرفني لأنه شاعر وناثر كبير وإنسان عظيم، وهو النسبة لي، كان ويظل، سندًا كبيرًا، وهو لم يحل بيني وبين أن أتقدم أو أن أتعلم".

معاناة مع المرض

دائمًا ما يقولون إن لكل إنسان نصيبًا من اسمه، وقد تحقق المثل على رضوى، فقد اختار لها جدها لأمها هذا الاسم تيمنًا بالجبل الذي يقع بجوار المدينة والذي كان العرب يضربون به المثل في الرسوخ والثبات فيقولون "أثقل من رضوى"، وكأن رضوى استمدت صلابتها وتماسكها في مرضها من اسمها.

حتى حين دونت رضوى معاناتها مع المرض، كانت المعركة بمثابة معركة تحد ووصال وحب

عانت رضوى في الفترة الأخيرة معاناة شديدة مع المرض فكانت مصابة بسرطان، وسافرت إلى أمريكا وأجرت العديد من العمليات، لكنها كانت أقوى وهي التي تغلبت على المرض فلم يتمكن منها يومًا، بل كانت دائمًا وأبدًا شعلة من الأمل والتفاؤل.

اقرأ/ي أيضًا: أندريس نيومان.. شعر يملأ فراغ الحاضر

حتى وهي تدون حكاية معاناتها مع المرض في كتابها الذي صدر عن "دار الشروق"، كانت هذه المعركة بمثابة معركة تحد ووصال وحب، معركة بوجه يطل عليك بابتسامته، ورغم الدموع التي تذرفها مشاركًا بها معاناة رضوى، فكثيرًا ما كانت تتوقف نظرًا لاستسلام قلمها في تدوين الأحداث بإخلاص، فتعتذر سريعًا لقارئها وتقول: "علي أن أعترف بالذنب يا سيدتي القارئة، أنني أشعر بالذنب لإشراكك معي في كل هذه التفاصيل والتي أرجح أنها جعلتك تضعين بجوارك علبة مناديل، لتمسحي بها دموعك المرة تلو المرة، كيف أكفر عن ذنبي؟".

واستطاعت رضوى أن تسترد بعض صحتها وتعود إلى مصر، لتشارك الشباب "ثورة 25 يناير"، ونشر زوجها مريد صورتها على صفحته الشخصية مذيلة بقوله: "حين ضحكت، حقل من عباد الشمس تلفت نحوك عادت وعدنا بالسلامة".

وفاتها

بعد مشوار أدبي زاخر لحقت رضوى عاشور بأبطال رواياتها الذين خطت أحزانهم وأفراحهم بيدها، فكما صُدم علي حفيد حسن ومريمة على وفاة جدته فى الجزء الأخير من ثلاثية غرناطة، كذلك صدم جمهور رضوى عاشور لما فوجئ بخبر موتها يوم 30 تشرين الثاني/نوفمبر 2014.

رحلت رضوى عاشور لكنها ما راحت عن بالنا، بقيت لنا أعمالها لتخلد ذكراها بيننا، وضعت هذه الأعمال بين أرفف المكتبات حتى إذا ما رأيناها بأعين كللها الدمع حتى صارت سحابة حجبت العين عن الرؤية لنغيب للحظات عن الكون حولنا ونحن نردد.

رحم الله رضوى.. رحم الله سيدة غرناطة.

اقرأ/ي أيضًا: 

تيسير خلف.. تدمر أكبر من مجرد آثار

موديانو والنافذة التي تشبه المقصلة