الطلاق في العراق.. أزمة مستجدة فوق الدم

الطلاق في العراق.. أزمة مستجدة فوق الدم

يعد تزويج القاصرات في العراق أحد أسباب ارتفاع نسب الطلاق (كريس ماغراش/getty)

لم تعرف مريم، ابنة الخمسة عشر ربيعًا، عن الزواج سوى ما قالته لها أمها. أخبرتها أنها ستكون ملكة في بيتها، الذي يجمعها مع ابن الجيران، الذي يكبرها بخمسة أعوام، وأخبرتها أيضًا أن "العريس" سيشتري كل ما يخطر على بالها من ذهب وملابس وغيرها الكثير. لكن مريم، وخلال العام الأول من الزواج، اكتشفت أنها مكرسة لتقديم خدمات الطبخ والتنظيف وغسيل الملابس لعائلة الزوج، الذين يعيشون معها في بيت واحد. يتكون البيت من ثلاث غرف، مع أن العائلة تضم ثمانية أشخاص، ما دعاها إلى أن تجبر أهلها على طلب الطلاق، بعد أن عجز الزوج عن تقديم سكن مستقل لهما.

تزداد حالات الطلاق في العراق ويحذر علماء دين وحقوقيون من تهديد بنية المجتمع

قصة مريم واحدة من قصص الطلاق في أروقة المحاكم العراقية التي تضج يوميًا، بدعاوى تتزايد وسط فوضى الأزمة الاقتصادية وسيادة الأعراف العشائرية وضرب القانون بعقود زواج يعقدها رجال الدين، إلا أن السلطات القضائية تعاود الاعتراف بهذه العقود. وتبدو أرقام الطلاق في بلاد ما بين النهرين مرعبة، وتبدو الأسباب التي تؤدي إليه بلا حلول ما يجعل الظاهرة تتفاقم يومًا بعد آخر. وقد أحصى مجلس القضاء العراقي منذ العام 2004 وحتّى تشرين الأوّل/أكتوبر من العام الجاري حصول 681.011 حالة طلاق في العراق، وفقًا لتقرير أصدرته السلطة القضائيّة ووزعته على وسائل الإعلام.

اقرأ/ي أيضًا: أطفال العراق.. ثمن خلافات الساسة

وتستحوذ العاصمة العراقيّة بغداد على النسبة الأعلى من حالات الطلاق، إذ تبلغ النسبة نحو 44%، من حالات الطلاق في عموم العراق، وهو ما دفع السلطات القضائية إلى اتخاذ العاصمة نموذجًا لتقصيّ اتساع الظاهرة التي تشغل المجتمع ورجال القانون ورجال الدين أيضًا. وعند تقصي السلطات القضائية للأسباب التي تؤدي إلى الطلاق من خلال الاعتماد على محاكم الأحوال الشخصية في جانبي بغداد الكرخ والرصافة، تبيّن أن تلك الحالات تعود بمجملها إلى الوضع الاقتصادي وما ينتج عن البطالة وعدم توفر سكن مستقل للزوجين، إضافة إلى التباين الثقافي بين الزوجين، والزواج المبكر، حيث ذكرت العديد من المحاكم أن "أغلب حالات الطلاق تحصل لمن هم من مواليد (2001-1999)، والاستخدام السلبي لوسائل التطورالتكنولوجي، وموجة الهجرة والنزوح".

تقول أم مريم، في حديث إلى "ألترا صوت" عند باب محكمة الأحوال الشخصية في منطقة الكرادة في قلب العاصمة العراقية بغداد: "لا خلاف بين مريم وزوجها، لكن الضغوط الهائلة التي تمارسها عائلة الزوج على مريم تضعنا بين خيارين، الطلاق أو انتحار البنت"، لافتة إلى أنها لم تجد بدًا من طلب الطلاق، الذي يأخذ وقتًا طويلًا أمام المحاكم بالإضافة إلى المبالغ الطائلة التي يطلبها المحامون.

تعود حالات الطلاق في العراق إلى أسباب مختلفة منها البطالة وعدم توفر مسكن مستقل للزوجين والتباين الثقافي والزواج المبكر

بدورها، تعتقد المحامية هويدا علي في حديث إلى "ألترا صوت"، أن "تزايد حالات الطلاق وصل إلى درجة باتت تهدد بنية المجتمع". وتؤكد المحامية، التي تحصل على نحو 10 دعاوى شهريًا للطلاق، أن "تصاعد معدلات الطلاق تدل على أن الخطر محدق، ويهدد تماسك العائلة العراقية وعلى الجهات المختصة كافة، دراسة أسباب تصاعد حالات الطلاق من 28 ألفًا حالة لعام 2004 إلى أكثر من 160 ألف حالة طلاق في العام 2013".

والحال، أن المؤسسة الدينية المشغولة بالحديث عن الوضع السياسي، أبدت خوفها أيضًا من تزايد حالات الطلاق في المجتمع العراقي، بالرغم من أنها أهملت الأسباب الحقيقية التي تقف خلفها، ففي كانون الأول/ديسمبر الماضي، حث المرجع الشيعي الأعلى علي السيستاني على دراسة الأسباب الحقيقية وراء تصاعد حالات الطلاق. وقال ممثل المرجعية الدينية في محافظة كربلاء عبد المهدي الكربلائي، خلال خطبة الجمعة، التي تحظى بمتابعة كبيرة من المجتمع العراقي، إن "المرجعية الدينية العليا تحث على دراسة الأسباب الحقيقية وراء تصاعد حالات الطلاق". 

وأضاف أن "المرجعية الدينية العليا تعد ازدياد حالات الطلاق بالخطيرة، وتهدد تماسك العائلة العراقية ونسيجها الاجتماعي (..) وازدياد حالات الطلاق تؤثرعلى الحالة النفسية وذات أبعاد مخيفة".

اقرأ/ي أيضًا: العراق.. جدران مدارس من صور الموتى

ولم يفت الكربلائي أن يعيد أسباب ارتفاع حالات الطلاق إلى "ضعف الوعي الديني والاجتماعي بما يتعلق بالحقوق والواجبات بين العائلة، إضافة إلى التأثر في العادات والثقافات الدخيلة والتي غزت عقول الكثير من الرجال والنساء، كذلك الاستخدام السيئ لوسائل التواصل الاجتماعي بدلًا من توظيفها في المنافع العلمية".

غير أن الأمر في واقع الحال لا يتعلق بضعف الوعي الديني، إذ يمكن أن يكون هذا الوعي محرّضًا على الزواج المبكر أساسًا، فضلًا عن أنه مساعد في التجاوز على القانون العراقي، الذي يمنع زواج الفتيات تحت سن 15 عامًا، وهو ما يهمله رجال الدين، الذين يزوِّجون الفتيات بأعمار أصغر من هذه ويطلقونهن أيضًا، إذ بحسب السلطة القضائية فإن 70% من حالات الطلاق تتم خارج المحكمة لدى رجال الدين ومن ثم يمثل الزوجان أمام القاضي لتصديق هذا الطلاق، وبالتالي فإن دورالقضاء في هذه الحالات ينحصر فقط على إضفاء الصفة القانونية على إجراءات من الناحية الشرعية بعيدًا عن المحكمة.

يحرض بعض رجال الدين في العراق على الزواج المبكر ويدعون لتجاوز قانون منع تزويج القاصرات تحت سن الـ15 سنة

الأسباب التي شخصّها مجلس القضاء، ولا سيما حجم البطالة المرتفعة، وأزمة السكن، والزواج المبكر إلى الآن لا تحظى بأي حلول في العراق، إذ أقر البرلمان العراقي موازنة تقشفيّة ترفع الضرائب على بعض السلع، ولا تنتج أي أعمال خاصة وتغلق أبواب العمل في مؤسسات الدولة. أما أزمة السكن فهي لا تبدو أكثر من قصّة جيّدة تُسعد المواطنين في مواسم ما قبل الانتخابات للحصول على أصواتهم، والزواج المُبكر بات أكثر طمأنينة بالنسبة للعشائر، طالما صار له قانون يحميه، وعلى هذا الأساس، فإن السلطة القضائية تتوقع تزايد حالات الطلاق حتّى نهاية العام الجاري أو الذي يليه.

 اقرأ/ي أيضًا:

النازحون في العراق..مخيمات الموت المُهملة

العراق.. إعادة إنتاج قوانين "البعث" ضد الأقليات