الطعام أحد محددات الهوية الوطنية

الطعام أحد محددات الهوية الوطنية

سيزار وزوجته ريما لاجئان من سوريا يعملان بأحد مطاعم فرنسا (getty)

يأتي العامل الاقتصادي في مقدمة العوامل المؤسسة للوجود الفاعل، فردي كان أم جماعي. وهو جزء أساس في تشكيل البلدان والأوطان، كما هو جزء جوهري في تأسيس الوعي، قبل أن يبتلى الشرق بأنواع الأيديولوجيا التي صادرت وعينا باسم الوعي.

والهوية بأنواعها تتأثر بالعامل الاقتصادي، بحيث إن المشتركين في نمط معاشي واحد يمكن أن يشكلوا معًا هوية واحدة أو يتشاركوا هوية عابرة، رغم تنوع هوياتهم الدينية أو السياسية أو الثقافية.

الهوية بأنواعها تتأثر بالعامل الاقتصادي، فالمشتركون في نمط معاشي واحد يمكن أن يشكلوا معًا هوية واحدة أو يتشاركوا هوية عابرة

ولكون المحرك الفعلي للإنسان فردًا ومجموعة هو ما يمكن وصفه بـ"الهوية"، كان مستوى وكيفية العيش هي الهوية الأساسية للإنسان. فكان بعيدًا عن مكان السكن ونوعية اللباس، يأتي الطعام ليتحكم في تشكيل بنية الإنسان الجسدية والعصبية بل والنفسية. هكذا ستكون شعبية نوع محدد من الطعام وانتشاره على أوسع نطاق داخل هذا البلد؛ ستجعل أهله أكثر تمسكًا بهوية بلدهم.

وإذا كانت البوابة إلى قلب الرجل معدته كما يفترض المثل العربي، فربما من المنطقي أن تكون البوابة إلى الوطن ومن ثم إلى الوطنية هي الشبع أو الكفاية المادية. وأحد أهم أركانها كفاية هو الطعام.

اقرأ/ي أيضًا: المطبخ العربي في أوروبا: هل يقدم رأيًا ثقافيًا؟

أليس الوطن هو الرجال والنساء معًا؟ ألا يقضي الرجال في الشرق يومهم لتحصيل القوت؟ ألا تقضي نساء الشرق يومهن -أو جزءًا كبيرًا منه- في إعداد الطعام؟ فلماذا يستثنى الطعام من حديث الثقافة والسياسة والدين؟

في السياسة المباشرة لعبت البهارات دورًا تاريخيًا في تشكيل الهند، كما لعب البترول في تشكيل الخليج والشرق الأوسط

الصراع البشري لأجل لقمة الخبز منذ ما قبل صلاة المسيح أو دعائه: ربنا أعطنا خبزنا كفاف يومنا، ونجنا من الشرير. هذا محور الاستقرار البشري: الطعام والسلام.

في السياسة المباشرة لعبت البهارات دورًا تاريخيًا في تشكيل الهند، كما لعب البترول في تشكيل الخليج والشرق الأوسط. كانت سياسات الدعاية الموجهة للدول العظمى تحمل الطعام رسائل ثقافية، فهي تدرك أن المثل السابق الذكر عن قلب الرجل ومعدته صحيح وحقيقي، لهذا كان الوصول إلى عقل البشر وقلوبهم معًا عن طريق تسويق أغذية ومشروبات معينه اشتهرت بها تاريخيًا هذه الدول العظمى للوصول إلى ما ورائها.

فالهوت دوغ والهمبرجر والكنتاكي يشيران تلقائيًا في أذهاننا إلى أمريكا مباشرة. إن أحببت أمريكا فستذهب لتناول وجبة همبرجر أو كنتاكي، وإن اعتدت على هذه الأصناف فسوف تبقى قريبًا من اعتبار أمريكا دولة عظمى.

في المقابل كانت الموجات المضادة لأمريكا وحراكها الشعبي تستهدف المطاعم الأمريكية وشركات البيبسي والكوكاكولا في العالم للتعبير عن كراهية أمريكا، وإلحاق الأذى بها عبر الرمز الذي سوقته لذاتها. فالنيل من الطعام كرمز لدولة ما، هو محاولة للنيل من صورة وهيبة هذه الدولة.

التبولة والفلافل وبناء هوية وطنية مفتقدة

من يقول أن الكبة والتبولة والفلافل لم تلعب دورًا في تعريف هويات وطنية أو مناطقية أو حتى طائفية للبنان، بلد التبولة والحمص. وفلسطين بلد الزعتر. ومصر بلد الفول والطعمية. وفي سوريا تتعين كل مدينة أو منطقة بنوع شهير من المأكولات أو المشروبات، فحلب مدينة المحاشي والكبب، والسويداء مرتبطة بالمليحي. والشاورما علامة دمشقية. والمتة ألحقت بالدروز والعلويين، رغم أنها تشرب في القلمون بشكل واسع ولزمن أقدم.

أما الفلافل فقد ضاعت دلالتها الوطنية بسبب تنازع كيانات بلاد الشام عليها، فهي حينًا سورية أو فلسطينية أو مصرية أو حتى إسرائيلية! وإضافة للفلافل، فالنزاع الثقافي السياسي حول أنواع شهيرة من الطعام تجري بين إسرائيل والفلسطينيين كما التبولة الحمص جنبًا إلى جنب مع النزاع على الأغاني واللباس الشعبي.

اقرأ/ي أيضًا: "!ولكنك لا تبدو عربيًا"

في العودة إلى سوريا، لكن التي خارج البلاد هذه المرة، حيث يشكل السوريون الهاربون من الحرب تجمعات تلتقي كل يوم في سوق سوري أو على الأقل محل سوري للمأكولات السورية. لابد أن كل سوري يزوره ليشعر بالفرح والاندماج ولو للحظات في هويته الأصلية. حيث يكون الدخول إلى محل سوري مثل الدخول إلى أرض سورية وشراء الزعتر والجبنة المشللة والمكدوس بمثابة تأكيد على هوية وطنية، ضعفت أو ارتكست في كل تحدياتها التاريخية، باستثناء هذا التحديد الطبيعي والأصلي -أي الطعام-.

إن أحببت أمريكا فستذهب لتناول وجبة همبرجر أو كنتاكي، وإن اعتدت على هذه الأصناف فسوف تبقى قريبًا من اعتبار أمريكا دولة عظمى

نزعم أن العلاقة مع الوطن من خلال الطعام هي العلاقة الوحيدة الأصلية والمادية، لأنها علاقة تفاعل كيميائي واندماج بين منتجاته. فبين جسد الإنسان وروحه يتحول الطعام السوري إلى حياة ودم، ولهذا تكون الطبقات الفقيرة التي لم تعتد أي نمط ونوع غذائي غير سوري هي الأكثر حفاظًا على ارتباطها بسوريا، من خلال ارتباطها بالنوع الغذائي الذي لا تستطيع الاستغناء عنه لصالح نوع أو أنواع غير سورية، بحكم فقرها ومحافظتها الثقافية، وعدم تقبلها لنوع غذائي غير سوري، كما هو الحال في عدم تقبلها لنمط سلوكي غير سوري. وذلك على خلاف الطبقات الغنية والمثقفة التي سرعان ما تندمج في مغترباتها، وفي أنماط غذائية جديدة على خلفية ثقافتها الاستهلاكية العالمية، وانفتاحها على ثقافات مختلفة، وهو أمر صحيح حتى داخل سوريا حين كانت تعيش فيها قبل الحرب.

شخصيًا، كلما تناولت طعامًا سوريًا، أحقق استغراقًا وإشباعًا لاواعيًا في هويتي السورية، معوضًا عن افتقادها في محددات أخرى لها، تآكلت خلال الحرب، وقبلها خلال حكم الدكتاتورية التي من عادتها أن تفكك وتضعف محددات الوطنية الثقافية والسياسية كالتواصل، وحرية التنقل، والدراسة، والزواج، والسياسة، والتعبير والفن، بحيث أدت ممارسات الدكتاتورية في النهاية إلى تفكك وأشكلة رموز الهوية الوطنية كالعلم الواحد والنشيد والجيش والمؤسسة الحكومية بما فيها السفارة.

هكذا يبقى الطعام السوري الرابط الأخير بالهوية السورية. فهل يكون للفقراء وطن أو هوية سوى وطن اليوتوبيا، وطن العدالة الاجتماعية، أو الجنة الدينية. الوطن النهائي الذي اقترحته الأديان للفقراء الصالحين، بديلًا عن وطن أرضي يتوفر فيه الطعام للجميع، وتكون الوفرة أساس للوطن بل أن تكون هي الوطن؟

اقرأ/ي أيضًا:
4 معتقدات خاطئة حول إنقاص الوزن
الجوع.. سلاح داعش للسيطرة على سكان الفلوجة